بحث هذه المدونة الإلكترونية

Translate كيك520000.

السبت، 11 يونيو 2022

مجلد7. و8. تفسير القرآن أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني سنة الولادة 426هـ/ سنة الوفاة 489هـ

  مجلد7. و8. تفسير القرآن  أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني سنة الولادة 426هـ/ سنة الوفاة 489هـ

7.   مجلد7. تفسير القرآن
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني /سنة الولادة 426هـ/ سنة الوفاة 489هـ


( ^ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ( 51 ) يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ( 52 ) ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ( 53 ) هدى وذكرى لأولي الألباب ( 54 ) فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والأبكار ( 55 ) إن الذين يجادلون في ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * شريف وأشراف . < < غافر : ( 52 ) يوم لا ينفع . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ) أي : اعتذارهم ؛ لأنه لا عذر لهم ( ^ ولهم اللعنة ) أي : عليهم اللعنة ( ^ ولهم سوء الدار ) أي : الدار السيئة ، وهي النار . < < غافر : ( 53 ) ولقد آتينا موسى . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد آتينا موسى الهدى ) أي : النبوة .
وقوله : ( ^ وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ) أي : التوراة . < < غافر : ( 54 ) هدى وذكرى لأولي . . . . . > >
وقوله : ( ^ هدى وذكرى لأولي الألباب ) ظاهر المعنى . < < غافر : ( 55 ) فاصبر إن وعد . . . . . > >
قوله : تعالى : ( ^ فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك ) تمسك من جوز الصغائر على الأنبياء بهذه الآية ، فأمرهم بالاستغفار عن الصغائر . ومن لم يجوز الصغائر على الأنبياء [ قال ] : إنه أمر بالاستغفار تعبدا ؛ لينال بذلك رضا الله تعالى ، ويقتدي به من يأتي بعده .
وقوله : ( ^ وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار ) أي : صل شاكرا لربك بالعشي والإبكار ، والعشي من وقت زوال الشمس إلى الغروب ، والإبكار ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس . < < غافر : ( 56 ) إن الذين يجادلون . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن الذين يجادلون في آيات الله ) أي : في دفع آيات الله بالتكذيب .
وقوله : ( ^ بغير سلطان أتاهم ) أي : أتاهم بغير حجة .
____________________

( ^ آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير ( 56 ) لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس ) * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ إن في صدورهم إلا كبر ) أي : ما في صدورهم إلا كبر . والكبر الذي في صدورهم هو الاستكبار عن الإقرار بالتوحيد . ويقال : طلب الغلبة والعلو علو محمد .
وقوله : ( ^ ما هم ببالغيه ) أي : ما هم ببالغي إرادتهم ، وكان مرادهم أن يهلك محمد ويهلك أصحابه ، ويندرس أثره ويصيروا حكاية . ويقال : كان مرادهم أن يغلبوا محمدا ويعلو أمرهم أمره . وفي الآية قول ثالث ، قاله ابن جريج وغيره .
( وهذا أن ) الآية نزلت في اليهود فكانوا يقولون : يخرج منا في آخر الزمان من يغلب على جميع الأرض ، ويكون البحر إلى ركبتيه ، والسحاب على رأسه ، ويقتل ويحيي ، ومعه جبل من جنة ، وجبل من نار . قالوا : يعني أهل العلم وهو الدجال الذي ذكره الرسول ، فلما قالوا هذا أنزل الله تعالى هذه الآية .
ومعنى قوله : ( ^ ما هم ببالغيه ) على هذا القول أن الغلبة لا تكون للدجال على المسلمين ، بل تكون للمسلمين على الدجال ، فإن عيسى عليه السلام ينزل ويقتل الدجال نصرة للمسلمين .
وقوله : ( ^ فاستعذ بالله ) أي : من شرك الدجال على هذا القول .
وقوله : ( ^ إنه هو السميع البصير ) ظاهر المعنى . < < غافر : ( 57 ) لخلق السماوات والأرض . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ) أي : رفع السموات بغير عمد ، وإجراء الكواكب والشمس والقمر في مجاريها ، وبسط الأرض ، ونصب الجبال أهول في قلوب الناس من خلق الآدميين . ويقال : لخلق السموات والأرض أكبر من قتل الدجال واحدا وإحيائه ، فالناس هاهنا : هو الدجال على هذا القول .
وقوله : ( ^ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أي : لا يعلمون حقيقة الأمور .
____________________

( ^ لا يعلمون ( 57 ) وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون ( 58 ) إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ( 59 ) وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي ) * * * * * * * * * * * * * * * < < غافر : ( 58 ) وما يستوي الأعمى . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وما يستوي الأعمى والبصير ) إلى قوله : ( ^ قليلا ما تتذكرون ) بالتاء ، وقرئ بالياء ، والمعنى قريب بعضه من بعض . < < غافر : ( 59 ) إن الساعة لآتية . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن الساعة لآتية لا ريب فيها ) أي : لا شك فيها .
وقوله : ( ^ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) أي : لا يصدقون . < < غافر : ( 60 ) وقال ربكم ادعوني . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) قد ثبت برواية نعمان بن بشير أن النبي قال : ' الدعاء هو العبادة . وقرأ هذه الآية ' .
وعن ثابت قال : قلت لأنس : الدعاء نصف العبادة ، قال : هو كل العبادة .
وقوله : ( ^ إن الذين يستكبرون عن عبادتي ) أي : عن دعائي ، ويقال : عن توحيدي .
وقوله : ( ^ سيدخلون جهنم داخرين ) أي : صاغرين .
وعن كعب الأحبار قال : أعطيت هذه الأمة ( ثلاثا ) لم يعط أحد من الأمم : قال الله تعالى لكل نبي من الأنبياء السالفة : أنت شاهد على أمتك ، وقال لهذه الأمة : أنتم شهداء على الأمم ، وقال الله تعالى لكل نبي : ما عليك في الدين من حرج ، وقال لهذه الأمة : ( ^ وما جعل عليكم في الدين من حرج ) وقال لكل نبي : ادع أستجب لك ، وقال لهذه الأمة ( ^ ادعوني أستجب لكم ) .
____________________

( ^ سيدخلون جهنم داخرين ( 60 ) الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ( 61 ) ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون ( 62 ) كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون ( 63 ) الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين ( 64 ) هو الحي ) * * * * * * * * * * * * * * < < غافر : ( 61 ) الله الذي جعل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ) أي : لتسترخوا فيه من الأعمال ، وقيل : لتناموا .
وقوله : ( ^ والنهار مبصرا ) أي : مبصرا فيه ، ومعناه : أن الناس يبصرون فيه الأشياء .
وقوله : ( ^ إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) ظاهر المعنى . < < غافر : ( 62 ) ذلكم الله ربكم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون ) قد بينا . < < غافر : ( 63 ) كذلك يؤفك الذين . . . . . > >
وقوله : ( ^ كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون ) أي : يصرف عن الحق من كان مشركا بالله جاحدا لآياته . < < غافر : ( 64 ) الله الذي جعل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ الله الذي جعل لكم الأرض قرارا ) أي : تستقرون فيها ، ( ^ والسماء بناء ) أي : بناءة فوقكم .
وقوله : ( ^ وصوركم فأحسن صوركم ) في التفسير : أنه لا يأكل بيده [ شيء ] سوى الآدميين ، ولا صورة على هذه الصورة أحسن من الآدميين .
وقوله : ( ^ ورزقكم من الطيبات ) أي : مما تستلذوها مما هو حلال لكم .
وقوله : ( ^ ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين ) ومعناه : تعالى وتعظم رب العالمين عما يقول الكفار .
____________________

( ^ لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين ( 65 ) قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين ( 66 ) هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون ( 67 ) هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < غافر : ( 65 ) هو الحي لا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين ) والدعاء على الإخلاص ألا يدعوا معه سواه .
وقوله : ( ^ الحمد لله رب العالمين ) روى عن ابن سيرين أنه قال : من السنة أن يقول العبد لا إله إلا الله ، ثم يقول عقيبة : الحمد لله رب العالمين . < < غافر : ( 66 ) قل إني نهيت . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي ) أي : الحجج الواضحة .
وقوله : ( ^ وأمرت أن أسلم لرب العالمين ) أي : أستسلم وأنقاد لحكمه . < < غافر : ( 67 ) هو الذي خلقكم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ) أي : أطفالا ، واحدا بمعنى الجمع ، ويقال : طفلا طفلا .
وقوله : ( ^ ثم لتبلغوا أشدكم ) قد بينا معنى الأشد .
وقوله : ( ^ ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ) أي : من قبل أن صار شيخا .
وقوله : ( ^ ولتبلغوا أجلا مسمى ) أي : ما قدر لكم من الحياة .
وقوله : ( ^ ولعلكم تعقلون ) ظاهر المعنى . < < غافر : ( 68 ) هو الذي يحيي . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) أي : تكوينه الأشياء يكون بمرة واحدة ، لا بمرة بعد مرة .
____________________

( ( 68 ) ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون ( 69 ) الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون ( 70 ) إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون ( 71 ) في الحميم ثم في النار يسجرون ( 72 ) ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون ( 73 ) من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين ( 74 ) ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون ) * * * * * * * * * * * * * * * * < < غافر : ( 69 ) ألم تر إلى . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله ) أي : يجادلون في دفع آياتنا بالتكذيب .
وقوله : ( ^ أنى يصرفون ) أي : كيف يصرفون عن الحق . < < غافر : ( 70 ) الذين كذبوا بالكتاب . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون ) وعيد وتهديد . < < غافر : ( 71 - 72 ) إذ الأغلال في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ) وقرئ : ' والسلاسل ' بنصب اللام ، فمن قرأ بالرفع ، فمعناه : الأغلال في أعناقهم والسلاسل ، ومن قرأ بالنصب ، فمعناه : ويسحبون السلاسل .
وقوله : ( ^ يسحبون في الحميم ) أي : يجرون في الحميم .
وقوله : ( ^ ثم في النار يسجرون ) أي : يوقدون في النار كما توقد التنانير بالخشب . < < غافر : ( 73 - 74 ) ثم قيل لهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ثم قيل لهم أينما كنتم تعبدون من دون الله قالوا ضلوا عنا ) يعني : أين هم لينصروكم ؟ فيقولون : قد فاتوا وذهبوا عنا .
وقوله : ( ^ بل لم نكن ندعو من قبل شيئا ) أي : لم نكن ندعو من قبل شيئا يدفع عنا ضرا ، أو يجلب إلينا نفعا .
وقوله : ( ^ كذلك يضل الله الكافرين ) أي : عن الحق . < < غافر : ( 75 ) ذلكم بما كنتم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق ) هذا دليل على أنه
____________________

( ( 75 ) ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ( 76 ) فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون ( 77 ) ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن ) * * * * * * * * * * * * * * * * قد يكون فرح بحق .
وقوله : ( ^ وبما كنتم تمرحون ) الفرح : السرور . والمرح والبطر والأشر . وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال : ' إن الله تعالى يبغض البذخين الفرحين المرحين ، ويحب كل قلب حزين ، ويبغض الحبر السمين ، ويبغض أهل بيت اللحمين أي : الذين يكثرون أكل اللحم ، ويقال : الذين يأكلون لحوم الناس بالغيبة . والخبر غريب . < < غافر : ( 76 ) ادخلوا أبواب جهنم . . . . . > >
وقوله : ( ^ فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ) ظاهر المعنى . < < غافر : ( 77 ) فاصبر إن وعد . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فاصبر إن وعد الله حق ) إلى آخر الآية . ظاهر المعنى . < < غافر : ( 78 ) ولقد أرسلنا رسلا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ) قال السدى : بعث الله تعالى ثمانية آلاف نبيا : أربعة آلاف من بني إسرائيل ، وأربعة آلاف من غير بني إسرائيل . وفي بعض التفاسير : أن جميع من ذكرهم الله تعالى [ في ] القرآن من الأنبياء خمسة وعشرون نبيا ، أولهم آدم ، وآخرهم محمد ، ذكر ثمانية عشر منهم في سورة الأنعام ، والباقين في غيرها . وعن علي رضي الله عنه أن الله تعالى بعث نبيا حبشيا لم يذكر اسمه في القرآن . وأما الذي في أفواه الناس أن الله تعالى بعث مائة وأربعة وعشرين ألف نبي .
____________________

( ^ يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون ( 78 ) الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ( 79 ) ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ( 80 ) ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون ( 81 ) أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) * * * * * * * * * * * * * * * * * وهو مروي عن ابن عباس برواية ضعيفة .
وقوله : ( ^ وما كان لرسول أن يأتي إلا بإذن الله ) هذا جواب للكفار ، سألوا النبي معجزة بعينه ، وقالوا : افعل كذا وكذا ، فرد الله عليهم ذلك بقوله : ( ^ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ) .
وقوله : ( ^ فإذا جاء أمر الله قضى بالحق وخسر هنالك المبطلون ) أي : هلك عند ذلك المبطلون .
وقوله : ( ^ أمر الله ) أراد به القيامة . < < غافر : ( 79 ) الله الذي جعل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ) قال أهل التفسير : الأنعام هي الإبل والبقر والغنم في اللغة ، إلا أنها الإبل خاصة في هذه الآية . < < غافر : ( 80 ) ولكم فيها منافع . . . . . > >
وقوله : ( ^ ولكم فيها منافع ) يعني : سوى الركوب والأكل من الرسل والنسل والوبر وغير ذلك .
وقوله : ( ^ ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم ) قال قتادة : الانتقال من بلد إلى بلد . قال مجاهد : أي حاجة كانت .
وقوله : ( ^ وعليها وعلى الفلك تحملون ) ظاهر المعنى ، والفلك : السفينة . < < غافر : ( 81 ) ويريكم آياته فأي . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون ) يعني : مع ظهورها ووضوحها . < < غافر : ( 82 ) أفلم يسيروا في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض ) قال مجاهد : قوله : ( ^ وآثارا في
____________________

( ^ كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ( 82 ) فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ( 83 ) فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين ) * * * * * * * * * * * * * * * * الأرض ) معناه : المشي فيها بأرجلهم . ويقال : الآثار في الأرض هي العروش والزروع والأبنية .
وقوله : ( ^ فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) أي : لم يدفع عنهم كسبهم شيئا حين ينزل العذاب بهم . < < غافر : ( 83 ) فلما جاءتهم رسلهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم ) فإن قيل : كيف يستقيم هذا ، ولم يكن عندهم [ علم ] أصلا ؟
قلنا : قد كان في ظنهم أنهم علماء ، فسمى ما عندهم علما على ظنهم ، وكان الذي ظنوه أن لا بعث ولا جنة ولا نار ولا حياة بعد الموت .
والقول الثاني في الآية : أن قوله : ( ^ فرحوا ) يرجع إلى الرسل ، ومعنى الآية : فرح الرسل بما عندهم من العلم بهلاك أعدائهم .
ويقال : فرحوا بما عندهم من العلم أي : رضوا بما عندهم من العلم ، ولم يطلبوا العلم الذي أنزله الله على الأنبياء وقنعوا بما عندهم ، وهو كان جهلا على الحقيقة .
وقوله : ( ^ وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) أي : نزل بهم وبال ما كانوا به يستهزئون . < < غافر : ( 84 ) فلما رأوا بأسنا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ) قد ذكرنا معنى البأس .
وقوله : ( ^ وكفرنا بما كنا به مشركين ) وهكذا جميع الكافرين ، يؤمنون عند البأس ، ولا ينفعهم ذلك .
____________________

( ( 84 ) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ( 85 ) ) < < غافر : ( 85 ) فلم يك ينفعهم . . . . . > >
وقوله : ( ^ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ) وقد استثنى منهم قوم يونس في سورة يونس ، وقد ذكرنا .
وقوله : ( ^ سنة الله التي قد خلت في عباده ) أي : مضت في عباده ، ومعنى السنة : هو إيمانهم وعدم النفع في إيمانهم .
وقوله : ( ^ وخسر هنالك الكافرون ) أي : هلك هنالك الكافرون .
فإن قيل : كيف قال ( ^ هنالك ) وهذا يقتضي ألا يكونوا في الحال خاسرين ؟
والجواب : أن الزجاج قال : كل كافر خاسر ، إلا أنه إذا رأى العذاب تبين له الخسران . فبهذا المعنى قال : ( ^ هنالك ) والله أعلم .
____________________

<
> بسم الله الرحمن الرحيم <
> ( ^ حم ( 1 ) تنزيل من الرحمن الرحيم ( 2 ) كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون ( 3 ) بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ( 4 ) وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * <
> تفسير سورة حم السجدة <
> <
> وهي مكية <
> < < فصلت : ( 1 ) حم > >
قوله سبحانه وتعالى : ( ^ حم ) قد ذكرنا معناه . < < فصلت : ( 2 ) تنزيل من الرحمن . . . . . > >
وقوله : ( ^ تنزيل من الرحمن الرحيم ) منهم من قال : في الآية تقديم وتأخير كأنه : تنزيل كتاب من الرحمن الرحيم فصلت آياته . وقال بعضهم : في الآية مضمر محذوف ، والمحذوف هو القرآن ، وكأنه قال : تنزيل القرآن من الرحمن الرحيم . قال الزجاج : وقوله : ( ^ تنزيل ) مبتدأ ، قوله : ( ^ كتاب ) خبره . < < فصلت : ( 3 ) كتاب فصلت آياته . . . . . > >
وقوله : ( ^ فصلت آياته ) قال مجاهد : فسرت ، وقال الحسن البصري : فصلت بالوعد والوعيد ، والثواب والعقاب . ويقال : فصلت بالحلال والحرام .
وقوله : ( ^ قرآنا عربيا ) أي : بلسان العرب .
وقوله : ( ^ لقوم يعلمون ) أي : يتدبرون ما فيه عن علم . < < فصلت : ( 4 ) بشيرا ونذيرا فأعرض . . . . . > >
قوله : ( ^ بشيرا ونذيرا ) معناه : قرآنا بشيرا ونذيرا . فالقرآن بشير للمؤمنين ، نذير للكافرين .
وقوله : ( ^ فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ) أي : لا يستمعون إلى القرآن . < < فصلت : ( 5 ) وقالوا قلوبنا في . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ) أي : في أغطية . قال مجاهد : كالجعبة للنبل .
وقوله : ( ^ وفي آذاننا وقر ) أي : صمم .
____________________

( ^ ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون ( 5 ) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين ( 6 ) الذين لا يؤتون ) * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ ومن بيننا وبينك حجاب ) أي : حاجز . وقال بعضهم : ( تفرق في النحلة حاجز في الطريقة ) . وروى بعضهم : أن أبا جهل استغشى بثوب ثم قال : يا محمد ، بيننا وبينك حجاب . استهزاء ، ومعنى الآية : أنهم لما لم يستمعوا إلى القرآن استماع من يقبله كانوا كأن قلوبهم في أغطية ، وفي آذانهم وقر وصمم ، وبينه وبينهم حجاب .
وقوله : ( ^ فاعمل إننا عاملون ) معناه : [ فاعمل ] بما [ تعلم ] من دينك إننا عاملون بما نعلم من ديننا ، قاله الفراء . وقال بعضهم : فاعمل في هلاكنا فإنا نعمل في هلاكك . وقال بعضهم : فاعمل لمعبودك فإنا نعمل لمعبودنا . < < فصلت : ( 6 - 7 ) قل إنما أنا . . . . . > >
قوله : ( ^ إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي إنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه ) أي : توجهوا إليه بالطاعة والعبادة .
وقوله : ( ^ واستغفروه ) أي : من الشرك الذي أنتم عليه .
وقوله : ( ^ وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة ) أي : لا يرون الزكاة واجبة عليهم كما يراه المسلمون . ويقال : معنى الإيتاء هو على ظاهره ، والكافر يعاقب في الآخرة بترك إيتاء الزكاة ؛ لأنهم مخاطبون بالشرائع . ذكره جماعة من أهل العلم . وقال بعضهم : لا يؤتون الزكاة أي : لا يفعلون ما يصيرون به أزكياء . وقال بعضهم : لا يؤتون الزكاة أي : لا يقولون لا إله إلا الله ، قال ابن عباس ، في رواية عطاء ، فعلى هذا معناه : لا يطهرون أنفسهم من الشرك بقبول التوحيد . وعن قتادة قال : الزكاة فطرة الإسلام ؛ فمن قبلها نجا ، ومن ردها هلك . وأما القول الذي قلناه إنها الزكاة بعينها ،
____________________

( ^ الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون ( 7 ) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ( 8 ) قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له اندادا ذلك رب العالمين ( 9 ) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في ) * * * * * * * * * * * * *
قاله الحسن البصري وجماعة .
وقوله : ( ^ وهم بالآخرة هم كافرون ) ظاهر المعنى . < < فصلت : ( 8 ) إن الذين آمنوا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ) أي : غير مقطوع ، ويقال معناه : غر ممنون عليهم . < < فصلت : ( 9 - 12 ) قل أئنكم لتكفرون . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ) قال ابن عباس : يوم الأحد ويوم الاثنين . فإن قال قائل : ما الحكمة في خلقها في يومين ، وقد كان قادرا على خلقها في ساعة وأقل من ذلك ؟ قلنا : خلق في يومين ليرشد خلقه إلى الإناة في الأفعال ؛ وليكون أبعد من توهم اتفاق أو فعل طبع ، ولأنه لا سؤال عليه في خلقه فكيفما شاء خلق .
وقوله : ( ^ وتجعلون له أندادا ) أي : أشباها وأمثالا وشركاء . قال حسان بن ثابت :
( أتهجوه ولست له بند ** فشركما لخير كما الفداء )
قال أهل المعاني : قوله ( ^ وتجعلون له أندادا ) أي : تطيعون غيره في معاصيه . وقال بعضهم : من ذلك أن يقول الرجل : لولا كلبة فلان لدخل اللصوص داري ، ولولا إرشاد فلان لهلكت ، وما أشبه ذلك .
وقوله : ( ^ ذلك رب العالمين ) أي : الذي فعل ذلك الفعل هو رب العالمين .
قوله تعالى : ( ^ وجعل فيها رواسي ) أي : جبالا رواسي ، وسماها رواسي لثبوتها . وفي القصة : أن الله تعالى لما خلق الأرض جعلت تميد ولا تستقر ، فخلق الله الجبال عليها فاستقرت ، فهو معنى قوله : ( ^ وجعل فيها رواسي من فوقها ) .
وقوله : ( ^ وبارك فيها ) أي : أكثر فيها البركة . والبركة : المنافع ، ومن بركاتها
____________________

( ^ أربعة أيام سواء للسائلين ( 10 ) ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ) * * * * * * * * * * * * * * * * الأشجار التي تنبت بغير غرس ، والحبوب التي تنبت بغير بذر ، وكل ما لم يعمله بنو آدم . وفي بعض الآثار : أن الله تعالى جمع في ( الخبز ) بركات السماء والأرض .
وقوله : ( ^ وقدر فيها أقواتها ) في التفسير أن معناه : الحنطة لقوم ، والشعير لقوم ، والذرة لقوم ، والتمر لقوم ، والسمك لقوم ، واللحم لقوم . ويقال : المصري لمصر ، والسابري لسابر ، والعربي للعرب ، وكل طعام في موضعه .
وقوله : ( ^ في أربعة أيام ) أي : ( في تمام أربعة أيام ) . فإن قال قائل : قد قال هاهنا خلق الأرض في يومين فذكر أنه بدأ بخلق الأرض وقال في موضع آخر : ( ^ والأرض بعد ذلك دحاها ) فكيف وجه الجمع بين الآيتين ؟ والجواب : أن معنى قوله : ( ^ والأرض بعد ذلك دحاها ) أي : مع ذلك ، وهذا ضعيف في اللغة ، والأصح أن معنى قوله : ( والأرض بعد ذلك دحاها ) أي : بسطها ، وكان الله تعالى خلق الأرض قبل السموات في يومين ، وخلق الأرزاق والأقوات فيها ، وأجرى الأنهار ، وأظهر الأشجار ، وخلق البحار في يومين آخرين ، فذلك تمام أربعة أيام ، ولم يكن بسط الأرض وجعلها بحيث يسكن فيها ، فلما خلق السموات بسط الأرض وجعلها بحيث يسكنها الناس .
وقوله : ( ^ سواء للسائلين ) أي : عدلا للسائلين ، ومعناه : من سألك عن هذا فأجبه بهذا ، فإنه الحق والعدل .
قوله تعالى : ( ^ ثم استوى إلى السماء وهي دخان ) أي : قصد إلى خلق السماء وهي دخان ، وفي القصة ان الله تعالى خلق أول ما خلق ماء يضطرب ، فأزبد الماء زبدا ، وارتفع من الزبد دخان ، فخلق الأرض من الزبد ، وخلق السماء من الدخان .
وقوله : ( ^ فقال لها وللأرض ائتيا طوع أو كرها ) قال بعضهم : معنى قوله :
____________________

( ^ ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ( 11 ) فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في ) * * * * * * * * * * * * * * * * *
( ^ ائتيا ) أي : كونا كما قدرتكما طوعا أو كرها ، وعلى هذا يكون هذا القول قبل الخلق ، والقول الثاني هو قول الأكثرين أن هذا القول من الله تعالى بعد أن خلقهما ، فعلى هذا معنى قوله : ( ائتيا طوعا أو كرها ) أي : أعطيا الطاعة فيما خلقهما له جبرا واختيارا .
وقوله : ( ^ قالتا أتينا طائعين ) منهم من قال : هذا كله على طريق المجاز ، وليس على طريق الحقيقة ، وكأن الله تعالى لما أجرى أمرهما على مراده وتقديره جعل ذلك بمنزلة قول منه وإجابة منهما بالطواعية ، والعرب قد تذكر القول في مثل هذا الموضع ، قال الشاعر :
( امتلأ الحوض وقال قطني ** مهلا رويدا قد ملأت بطني )
وقال بعضهم : إن القول والإجابة على طريق الحقيقة ، وركب في السموات والأرض ما عقلا به خطابه وأجاباه بالطواعية ، وهذا هو الأولى . وعن ابن السماك في موعظه : سل الأرض : من غرس أشجارك ؟ وأجرى أنهارك ؟ وأخرج ثمارك ؟ فإن لم تجبك اختيارا أجابتك اعتبارا . فإن قيل : كيف قال : ( ^ طائعين ) وكان من حق اللغة أن يقول : طائعات قلنا : إنما قال : ( ^ طائعين ) لأنه لما جعلها بمنزلة من يعقل في الخطاب معها وجوابها ذكر الكلام على نعت العقلاء .
قوله تعالى : ( ^ فقضاهن سبع سموات ) أي : خلقهن سبع سموات ( ^ في يومين ) وهو يوم الخميس و [ يوم ] الجمعة . وفي بعض الآثار : ' أن الله تعالى خلق الأرض يوم الأحد والاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، وخلق الأقوات والأشجار يوم الأربعاء ، وخلق السموات يوم الخميس ، وخلق فيها البروج والكواكب والشمس والقمر يوم الجمعة ، وخلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة على عجل ' ، وقد حكيت اللفظة
____________________

( ^ كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ( 12 ) ) * * * * * * الأخيرة عن ابن عباس .
وقوله : ( ^ وأوحى في كل سماء أمرها ) أي : قدر في كل سماء أمرها ، ويقال : خلق في كل سماء ما أراد أن يخلق فيها ، وذلك من سكانها وغير ذلك .
وقوله : ( ^ وزينا السماء الدنيا بمصابيح ) أي : بالكواكب .
وقوله : ( ^ وحفظا ) أي : حفظنا السماء بالكواكب من الشيطان .
وقوله : ( ^ ذلك تقدير العزيز العليم ) ظاهر المعنى ، ويذكر تفسير هذه الآية من وجه آخر على ما نقل في التفاسير .
فقوله تعالى : ( ^ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ) هو يوم الأحد والاثنين ، والاثنان هو العدد العدل ؛ لأنه أكثر من الواحد الذي ليس دونه شيء ، ولم يبلغ الثلاث الذي هو جمع . وقيل : هو خلق في يومين ، ليكون اعتبارا للملائكة في النظر إلى خلقه أكثر ، فيكون أدل على وحدانيته .
وقوله : ( ^ وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين ) قد بينا .
وقوله : ( ^ وجعل فيها رواسي من فوقها ) روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : خلق الجبال يوم الثلاثاء ، وخلق السماء والأشجار والبحار والأنهار يوم الأربعاء .
وقوله : ( ^ وبارك فيها ) أي : أكثر فيها الخير .
وقوله : ( ^ وقدر فيها أقواتها ) في التفسير : أنه جعل في كل بلد ما ليس في غيره ، ليتعايش الناس ويتجروا فيها نقلا من بلد إلى بلد . يقال هو اليماني باليمن ،
____________________

والقوهى بقوهستان ، والسابري بسابور ، والقراطيس بمصر ، والمروى بمرو ، والبغدادي ببغداد ، والهروى بهراة . وعن مجاهد قال : قوله : ( ^ قدر فيها أقواتها ) هو المطر .
وقوله : ( ^ في أربعة أيام ) أي : في تمام أربعة أيام ، فإن قيل : قد ذكر يومين في الآية الأولى ، وأربعة في هذه الآية ، ويومين من بعد ، فيكون قد خلق الله السموات والأرض في ثمانية أيام ؟ قلنا : لا ، بل خلقها في ستة أيام .
وقوله : ( ^ في أربعة أيام ) أي : في تمام أربعة أيام مع اليومين الأولين ، وهذا كالرجل يقول : ذهبت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام ، وذهبت من بغداد إلى الكوفة في خمسة عشر يوما أي : في تمام خمسة عشر يوما مع العدل الأول ، هذا كلام العرب ، ومن طعن فيه فلم يعرف كلام العرب .
وقوله : ( ^ سواء للسائلين ) قد بينا أحد المعنيين ، والمعنى الآخر : وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام للسائلين أي : المحتاجين إلى القوت .
وقوله : ( ^ سواء ) ينصرف إلى الأيام أي : مستويات تامات . وقيل : ( ذوات ) سواء . وقد قرئ بالخفض : ' سواء للسائلين ' . ويقال : استوى سواء على القراءة الأولى .
قوله تعالى : ( ^ ثم استوى إلى السماء وهي دخان ) في التفسير : أن الدخان كان من تنفس الماء ، ويقال : إنه خلق سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات ، وقد ذكرنا من قبل
وقوله : ( ^ فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ) قال بعضهم : هو على طريق المجاز مثل : قول الشاعر :
( وقالت له العينان سمعا وطاعة ** وحذرتا كالدر لما تثقب )
وتقول العرب : قال الحائط فمال
وقوله : ( ^ ائتيا طوعا أو كرها ) أي : أجيبا طوعا وإلا ألجأتكما إلى الإجابة كرها ،
____________________

وإنما ذكروا هذا المعنى ؛ لأن الأمر لا يرد إلا بالفعل طوعا . وذكر بعضهم : أن الله تعالى خلق في السموات تمييزا وعقلا ، فخاطبهما وأجابا على الحقيقة ، وقد ذكرنا . وأورد بعضهم : أن الخطاب لمن في السموات والأرض . وفي تفسير النقاش : أن الموضع الذي أجاب من الأرض هو الأردن ، وفيه أيضا : أن الله تعالى خلق سبعة عشر نوعا من الأرض ، هذا الذي تراه أصغر الكل ، وأسكن تلك الأرضين قوما ليسوا بإنس ولا جن ولا ملائكة ، والله أعلم .
وقوله : ( ^ قالتا أتينا طائعين ) ولم يقل : طائعتين ، قالوا : لأن المراد هو السموات بمن فيها ، والأرض بمن فيها . ويقال : لأن السموات سبع والأرضون سبع ، وهذا مروي عن الحسن البصري في الأرض فقال : طائعين لأجل هذا العدد .
قوله تعالى : ( ^ فقضاهن سبع سموات في يومين ) أي : خلقهن . وفي التفسير : أن الله تعالى خلق السموات يوم الخميس ، وخلق الشمس والقمر والكواكب والملائكة وآدم يوم الجمعة ، وسميت الجمعة جمعة ؛ لأنه اجتمع فيها الخلق . وفي بعض التفاسير : أن الله تعالى خلق آدم في آخر ساعة من ساعات الجمعة ، وتركه أربعين سنة ينظر إليه ويثني على نفسه ، ويقول : ( ^ تبارك الله رب العالمين ) وفي بعض التفاسير أيضا : أن الله تعالى لما خلق الأرض قال لها : أخرجي أشجارك وأنهارك وثمارك فأخرجت ، ولما خلق الله السماء قال لها : أخرجي شمسك وقمرك ونجومك فأخرجت .
وقوله : ( ^ وأوحى في كل سماء أمرها ) أي : ما يصلحها ، ويقال : جعل فيها سكانها من الملائكة .
وقوله : ( ^ وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ) قد بينا .
وقوله : ( ^ وحفظا ) أي : وحفظناها حفظا من الشياطين بالشهب والنجوم .
وقوله : ( ^ ذلك تقدير العزيز العليم ) أي : تقدير القوى على ما يريد خلقه ، العليم بخلقه وما يصلحهم .
____________________

( ^ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ( 13 ) إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون ( 14 ) فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون ( 15 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < فصلت : ( 13 ) فإن أعرضوا فقل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فإن أعرضوا ) أي : أعرضوا عن الإيمان بما أنزلت عليك .
وقوله : ( ^ فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ) الصاعقة نار تنزل من السماء إلى الأرض ، وهي في هذا الموضع كل عقوبة مهلكة . < < فصلت : ( 14 ) إذ جاءتهم الرسل . . . . . > >
وقوله : ( ^ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ) أي : إلى الآباء ( ^ ومن خلفهم ) أي : الأبناء الذين كانوا خلف الآباء ، ويجوز أن يرجع قوله : ( ^ ومن خلفهم ) إلى خلف الرسل الأولين .
وقوله : ( ^ ألا تعبدوا إلا الله ) ظاهر .
وقوله : ( ^ قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون ) أي : جاحدون . < < فصلت : ( 15 ) فأما عاد فاستكبروا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة ) وفي القصة : أنه كان من قوتهم أن الرجل منهم كان يضرب رجله على الصخرة الصماء فتغوص فيها رجله إلى ركبته ، ومن قوتهم أنهم سدوا الفج الذي كان يخرج منه الريح بصدورهم ، حتى قويت الريح وأهلكتهم واحدا بعد واحد .
وقوله : ( ^ أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون ) أي : ينكرون . < < فصلت : ( 16 ) فأرسلنا عليهم ريحا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا ) قال مجاهد : شديدة السموم . وقال قتادة : شديدة البرد من الصر وهو البرد ويمكن الجمع بين القولين ؛ لأنه قيل : إنها كانت ريحا باردة تحرق كما يحرق السموم ، ويقال : صرصرا أي : ذات صيحة ، ومنه سمي نهر الصرصر ، وهو نهر يأخذ من الفرات .
____________________

( ^ فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الاخرة أخزى وهم لا ينصرون ( 16 ) وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ( 17 ) ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ( 18 ) ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون ( 19 ) حتى إذا ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ في أيام نحسات ) وقرئ : ' نحسات ' بجزم الحاء أي : مشئومات ، وكانت هذه الأيام مشائيم عليهم ؛ لأنهم عذبوا فيها .
وقوله : ( ^ لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ) أي : عذابا يخزيهم وينكل بهم .
وقوله : ( ^ ولعذاب الآخرة أخزى ) أي : أشد إخزاء ( ^ وهم لا ينصرون ) أي : لا يمنعون من عذابنا . < < فصلت : ( 17 ) وأما ثمود فهديناهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وأما ثمود فهديناهم ) حكى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : هديناهم أي : دللناهم على الهدى . وقال مجاهد : بينا لهم طريق الهدى . وقيل : طريق الخير والشر . وفي بعض التفاسير : هديناهم أي : دعوناهم .
وقوله : ( ^ فاستحبوا العمى على الهدى ) أي : آثروا طريق الضلال على طريق الرشد .
وقوله : ( ^ فأخذتهم صاعقة العذاب الهون ) فصاعقة العذاب : نار نزلت من السماء إلى الأرض فتصيب من يستحق العذاب .
وقوله : ( ^ الهون ) أي : ذي الهون ، والهون والهوان بمعنى واحد ، وهو عذاب يهينهم ويهلكهم .
وقوله : ( ^ بما كانوا يكسبون ) ظاهر المعنى . < < فصلت : ( 18 ) ونجينا الذين آمنوا . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ) أي : يتقون الشرك . < < فصلت : ( 19 ) ويوم يحشر أعداء . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون ) أي : يحتبس أولهم على آخرهم .
____________________

( ^ ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ( 20 ) وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ( 21 ) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < فصلت : ( 20 ) حتى إذا ما . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ) أكثر المفسرين أن الجلود هاهنا هي الفروج ، وفي بعض الأخبار : ' أن الله تعالى يحشر العباد مقدمين بالفدام ، فأول ما ينطق من جوارح الإنسان فخذه وكفه ' وقيل : إن قوله : ( ^ وجلودهم ) هي الجلود المعروفة . وفي الخبر المعروف برواية أنس ' أن النبي ضحك مرة ، فسئل : مم ضحكت ؟ فقال : عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة فيقول : أي رب ، أليس وعدتني أن لا تظلمني ؟ فيقول : نعم . فيقول العبد : فإني لا أجيز اليوم شاهدا علي إلا مني ، فحينئذ يختم الله على فمه وتنطق جوارحه بما فعله ، فيقول العبد : بعدا لكن وسحقا ، فعنكن كنت أناضل ' . < < فصلت : ( 21 ) وقالوا لجلودهم لم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ) أي : كل شيء ينطق .
وقوله تعالى : ( ^ وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ) أي : تردون . < < فصلت : ( 22 ) وما كنتم تستترون . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ) في الأخبار المعروفة عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : كنت مستترا تحت ستر الكعبة ، فجاء قرشيان وثقفي ، أو ثقفيان وقرشي ، قليل فقه قلوبهم ، كثير شحم بطونهم ، فقال بعضهم لبعض : أسمع الله ما نقول ؟ فقال أحدهم : يسمع إذا جهرنا ، ولا يسمع إذا أخفينا ، فأنزل الله تعالى : ( ^ وما كنتم تستترون ) أي : تستخفون .
وقوله : ( ^ أن يشهد ) معناه : من أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم .
____________________

( ^ جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون ( 22 ) وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين ( 23 ) فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين ( 24 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون ) هو قول من قال : إن الله يسمع إذا جهرنا ، ولا يسمع إذا أخفينا . < < فصلت : ( 23 ) وذلكم ظنكم الذي . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ) هو ما قلناه .
وقوله : ( ^ أرداكم ) أي : أهلككم . وقد ثبت أن النبي قال : ' . . . أنا عند ظن عبدي ، وأنا معه حين يذكرني . . . ' .
وفي بعض الأحاديث : ' أن الله تعالى يأمر بعبد من عبيده إلى النار ، فيقول : أي رب ، ما كان هذا ظني بك . فيقول : وما كان ظنك بي ؟ فيقول العبد : كان ظني أن تغفر لي وتدخلني الجنة ، فيغفر الله له ' .
وفي بعض التفاسير : أن العبد إذ ظن الخير فعل الخير ، وإذا ظن الشر فعل الشر .
وقوله : ( ^ فأصبحتم من الخاسرين ) أي : الهالكين . < < فصلت : ( 24 ) فإن يصبروا فالنار . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ) المثوى : المنزل .
وقوله : ( ^ وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين ) الاستعتاب طلب الإعتاب ، والإعتاب أن يعود الإنسان إلى ما يحبه بعد أن فعل ما يكرهه . تقول العرب : أستعتب فلانا فأعتبني ، بمعنى ما قلنا .
وقوله : ( ^ فماهم من المعتبين ) أي : لا يرجع بهم إلى ما كانوا يحبون . وقيل : إن ما يحبون هو أن يعيدهم إلى الدنيا فيعبدوا الله ويطيعوه .
وأما قوله : ( ^ فإن يصبروا ) معناه : فإن يصبروا أو لا يصبروا . ومعناه : لا ينفعهم
____________________

( ^ وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ( 25 ) وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه لعلكم تغلبون ( 26 ) فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ) صبر ولا جزع . < < فصلت : ( 25 ) وقيضنا لهم قرناء . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وقيضنا لهم ) أي : صيرنا لهم ، ويقال : سببنا لهم .
وقوله : ( ^ قرناء ) أي : الشياطين .
وقوله : ( ^ فزينوا لهم ) أي : الشياطين زينوا لهم .
( ^ ما بين أيديهم ) أي : زينوا لهم أن لا بعث ولا جنة ولا نار .
وقوله : ( ^ وما خلفهم ) أي : زينوا لهم لذات الدنيا ، وزينوا لهم جمع المال وإمساكه وترك إنفاقه في سبيل الخير .
وقوله : ( ^ وحق عليهم القول ) أي : وجب عليهم القول ( ^ في أمم ) أي : مع أمم .
وقوله : ( ^ قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ) أي : هالكين ، فكل من هلك فقد خسر نفسه . < < فصلت : ( 26 ) وقال الذين كفروا . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ) اللغو كل كلام لا وجه له ولا معنى تحته . وقيل : كل مالا يعبأ به فهو لغو . ويقال : اللغو هاهنا هو الصفير والتصفيق اللذان كان يفعلهما المشركون عند سماع القرآن ، وذلك المكاء والتصدية . وقد ذكرنا من قبل . وقرئ في الشاذ : ' والغوا فيه ' بضم الغين ، وهو في معنى الأول . وقيل معناه : استعلوا عند سماع القرآن باللغو ، وهو الضجيج والصياح لكيلا تسمعوا .
وقوله : ( ^ لعلكم تغلبون ) أي : تغلبون محمدا . < < فصلت : ( 27 ) فلنذيقن الذين كفروا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون ) أي : جزاء أعمالهم السيئة .
____________________

( ^ ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون ( 27 ) ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون ( 28 ) وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين ( 29 ) إن الذين قالوا ربنا ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < فصلت : ( 28 ) ذلك جزاء أعداء . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد ) أي : دار الخلود .
قوله تعالى : ( ^ جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون ) أي : ينكرون . < < فصلت : ( 29 ) وقال الذين كفروا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس ) قال أهل التفسير : الذي من الجن هو إبليس ، والذي من الإنس قابيل الذي قتل هابيل ، وهما أول من سن المعصية من الجن والإنس ، وهذا هو القول المشهور ، وهو محكي عن علي رضي الله عنه ذكره الأزهري بإسناده . وفي الآية قول آخر : وهو أن المراد كل داع إلى الضلالة من الجن والإنس . وفي بعض الآثار : أنه ما من أحد من الجن يعمل شرا إلا ويلعن إبليس عند موته ، وما من أحد من الإنس يعمل شرا إلا ويلعن ابن آدم عند موته ، وهو قابيل . ويقال : يلعنهما كل عامل بالشر ؛ لأنهما اللذان سنا الشر والمعاصي .
وقوله : ( ^ نجعلهما تحت أقدامنا ) أي : نجعلهما تحت أقدامنا في النار ، وهو الدرك الأسفل . وقالوا ذلك حقدا عليهم وانتقاما منهم .
وقوله : ( ^ ليكونا من الأسفلين ) أي : أسفل منا في النار وأشد منا في العذاب .
وأما قوله : ( ^ ربنا أرنا ) قيل معناه : أعطنا ، وقيل معنى قوله : ( ^ أرنا ) أي : دلنا عليهما ، وهو الأولى . وعن السدى قال : ما من كافر يدخل النار إلا وهو يلعن إبليس ؛ لأنه أول من سن الكفر ، وما من عاص يدخل النار إلا ويلعن قابيل ؛ لأنه أول من سن المعصية . < < فصلت : ( 30 ) إن الذين قالوا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) وروى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : استقاموا أي لم يشركوا بالله شيئا ، وعن عمر رضي الله عنه قال : لم يروغوا روغان الثعالب . ومن المعروف أن الاستقامة [ هي ] طاعة الله ، وأداء فرائضه ، واتباع سنة نبيه محمد .
____________________

( ^ الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
روى ثابت عن أنس : ' أن النبي قرأ قوله تعالى : ( ^ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) ثم قال : قد قال قوم ولم يستقيموا عليه ، فمن قال ومات عليه فقد استقام ' .
وعن سفيان بن عبد الله الثقفي انه قال : ' قلت يا رسول الله ، قل لي في الإسلام قولا أثبت عليه ، فقال له : قل ربي الله ثم استقم . فقلت له : يا رسول الله ، ما أخوف ما تخاف علي ؟ قال : هذا وأشار إلى لسانه ' .
ومن المعروف أيضا أن النبي قال : ' استقيموا ولن تحصوا ، ولا يحافظ على العصر إلا مؤمن ' .
وقوله : ( ^ تتنزل عليهم الملائكة ) أي : عند الموت ، ويقال : عند البعث . في التفسير : أنه إذا بعث العبد تلقاه الملكان اللذان كانا يحفظانه ويكتبان عليه ، ويقولان له : لا تخف ولا تحزن وأبشر بالجنة التي كنت توعد ، ولا يهولك الذي تراه ، فإنما أريد به غيرك . وعن أبي العالية الرياحي قال : يبشر المؤمن في [ ثلاثة ] مواطن : عند دخول القبر ، وعند البعث ، وعند دخوله الجنة .
وقوله : ( ^ ألا تخافوا ) أي : لا تخافوا ما بين أيديكم .
وقوله : ( ^ ولا تحزنوا ) على ما خلفتم من أهل وولد وضيعة .
وقوله : ( ^ وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ) أي : توعدون في كتب الله وعلى ألسنة رسله .
____________________

( ^ توعدون ( 30 ) نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلاً من غفور رحيم ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً < < فصلت : ( 31 ) نحن أولياؤكم في . . . . . > >
قوله : ( ^ نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ومعنى الولاية : هو الحفظ والنصرة والمعونة .
وقوله : ( ^ في الحياة الدنيا ) أي : عند الموت .
( ^ وفي الآخرة ) أي : بعد البعث .
وقوله : ( ^ ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ) أي : تلذه أنفسكم . ويقال : ما يخطر على قلوبكم .
وقوله : ( ^ ولكم فيها ما تدعون ) أي : تتمنون ، تقول العرب : ادع على ما شئت أى : تمن على ما شئت .
ويقال ( ولكم فيها ما تدعون ) أى ما ادعيت أنه لك فهو لك . < < فصلت : ( 32 ) نزلا من غفور . . . . . > >
وقوله : ( ^ نزلا من غفور رحيم ) أي : عطاء من غفور رحيم . ومنه نزل الضيف . أي : عطاؤه . ويقال : منا .
( ^ من غفور رحيم ) والغفور الساتر ، والرحيم العطوف . < < فصلت : ( 33 ) ومن أحسن قولا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا ) قال ابن عباس : من دعا إلى الله هو الرسول . وحكى عن ابن عباس أنه قال : ' دعا إلى الله ' عام في كل من يدعو إلى الله . وعن مجاهد أنه قال : الآية في المؤذنين . وحكى هذا القول عن عائشة رضي الله عنها وقد ضعف بعضهم هذا القول ؛ لأن السورة مكية ، والأذان كان بعد الهجرة إلى المدينة .
وقوله : ( ^ وعمل صالحا ) أي : عمل بينه وبين ربه . ويقال : عمل صالحا بأداء الفرائض ، وقيل : عمل صالحا بإخلاص الدعوة والعمل .
____________________

وقال إنني من المسلمين ( 33 ) ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ( 34 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ وقال إنني من المسلمين ) أي : أقر بالإسلام وثبت عليه . ويقال : من المستسلمين لحكم الله . ومن المعروف عن عائشة رضي الله عنها أن المراد من قوله : ( ^ وعمل صالحا ) هو ركعتان بين الأذان والإقامة . وهذا على القول الذي قلنا : إنه ورد في المؤذنين . < < فصلت : ( 34 ) ولا تستوي الحسنة . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ) معناه : ولا تستوي الحسنة والسيئة و ' لا ' صلة .
وأما الحسنة والسيئة ففيهما أقوال :
أحدها : أنهما التوحيد والشرك ، والآخر : أنهما العفو والانتصار ، والثالث : أنهما المداراة والغلظة . والرابع : أنهما الصبر والجزع . والخامس : أنهما الحلم عند الغضب والسفه .
وقوله : ( ^ ادفع بالتي هي أحسن ) أي : ادفع السيئة بالخلة التي هي أحسن ، والخلة هي أحسن الحلم عند الغضب ، والعفو عند القدرة ، والصبر عند البلاء ، وما أشبه ذلك .
وفي الآية قول آخر : أن معنى قوله : ( ^ ادفع بالتي هي أحسن ) أي : بالسلام ، قاله مجاهد . ومعناه : أنه يسلم على من يؤذيه ، ولا يقابله بالأذى ، وعن ابن عباس : أن معنى قوله تعالى : ( ^ ادفع بالتي هي أحسن ) هو أنه إذا أذاك إنسان وشتمك ونسبك إلى القبيح تقول له : إن كنت صادقا فغفر الله لي ، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك .
وقوله : ( ^ فإذا الذي بينك وبينه عداوة ) هذا في الحلم عند الغضب ، والعفو عند القدرة .
وقوله : ( ^ كأنه ولي حميم ) أي : صديق قريب ، فالولي هو الصديق ، والحميم هو القريب .
____________________

( ^ وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ( 35 ) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ( 36 ) ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < فصلت : ( 35 ) وما يلقاها إلا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وما يلقاها إلا الذين صبروا ) أي : وما يؤتى هذه الخصلة ، وهي دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا أي : صبروا على أوامر الله .
وقوله : ( ^ وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) أي : ذو نصيب وافر من الدين . ويقال : وما يلقاها أي : وما يؤتى الجنة إلا ذو حظ عظيم أي : نصيب وافر . وقيل : ذو جد عظيم ، والجد هو البخت . < < فصلت : ( 36 ) وإما ينزغنك من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ) أي : غضب . وفي بعض الأخبار : أن الغضب جمرة في الإنسان يوقد فيها الشيطان . ويقال : نزغ أي : ( وسوسة ) .
وقوله : ( ^ فاستعذ بالله ) أي : اعتصم بالله . وقد روينا أن النبي كان يقول : ' أعوذ بالله من الشيطان من همزه ونفثه ونفخه ' .
وقوله : ( ^ أنه هو السميع لعليم ) ظاهر المعنى . < < فصلت : ( 37 ) ومن آياته الليل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ) فالآية في الليل والنهار في زيادتها ونقصانها ، والآية في الشمس والقمر في دورانهما على حساب معلوم .
وقوله : ( ^ لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ) قال عكرمة : الشمس مثل الدنيا وثلثها ، والقمر مثل الدنيا مرة واحدة . وعن بعضهم قال : الشمس طولها ثمانون فرسخا ، وعرضها ستون فرسخا ، والله أعلم .
وقوله : ( ^ واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ) أي : توحدون . < < فصلت : ( 38 ) فإن استكبروا فالذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فإن استكبروا ) أي : تكبروا .
____________________

( ^ إياه تعبدون ( 37 ) فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون ( 38 ) ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير ( 39 ) إن الذين يلحدون في ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ فالذين عند ربك ) أي : الملائكة .
( ^ يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون ) أي : لا يملون . وعن كعب الأحبار أنه قال : التسبيح للملائكة كالنفس والطرف لبني آدم ، فكما لا يلحق الآدمي تعب في الطرف والنفس ، فكذلك لا يلحقهم التعب بالتسبيح . < < فصلت : ( 39 ) ومن آياته أنك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ) أي : هامدة متهشمة ميتة ليس عليها شيء .
وقوله : ( ^ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ) أي : تحركت للنبات .
وقوله : ( ^ وربت ) أي : ارتفع النبات . والقول الثاني : أن هذا على التقديم والتأخير ، ومعناه : ربت واهتزت ، أي : ربت الأرض بخروج النبات منها ، واهتزت أي : تحركت .
وقوله : ( ^ إن الذى أحياها ) أى : أحيا الأرض الميتة ( ^ المحى الموتى ) أي : في القيامة .
وقوله : ( ^ إنه على كل شيء قدير ) أي : قادر . < < فصلت : ( 40 ) إن الذين يلحدون . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن الذين يلحدون في آياتنا ) أي : يميلون إلى الحجد و [ التكذيب ] في آياتنا . وكل من مال من الحق إلى الباطل ، ومن التوحيد إلى الشرك فهو ملحد .
وقوله : ( ^ لا يخفون علينا ) أي لا يخفى كفرهم علينا .
قوله : ( ^ أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة ) فيه أقوال : أحدها : أن الذي يلقى في النار هو أبو جهل ، والذي يأتي آمنا هو عمار ، قال عكرمة وغيره .
____________________

( ^ آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير ( 40 ) إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز ( 41 ) لا يأنيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ( 42 ) ما يقال ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
والقول الثاني : أن من يلقى في النار هو أبو جهل ، ومن يأتى آمنا هو حمزة بن عبد المطلب .
والقول الثالث : أن من يلقى في النار هو كل كافر ، والذي يأتي آمنا هو الرسول . ويقال : كل مؤمن قد أمن من الخلود في النار . ويقال : من يلقى في النار هم الذين يبغضون آل النبي ، ومن يأتي آمنا هم الذين يحبونهم ، وقيل : هذا في الصحابة . والله أعلم .
وقوله : ( ^ اعملوا ما شئتم ) هذا على طريق التهديد والوعيد . ومعناه : اعملوا ما شئتم فستقدمون عليه .
وقوله : ( ^ إنه بما تعملون بصير ) ظاهر المعنى . < < فصلت : ( 41 ) إن الذين كفروا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ) أي : بالقرآن ، وفيه حذف ، والمحذوف ، سيجازون على ذلك .
وقوله : ( ^ وأنه لكتاب عزيز ) أي : كريم على الله . ويقال : كتاب أعزه الله . < < فصلت : ( 42 ) لا يأتيه الباطل . . . . . > >
وقوله : ( ^ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) فيه قولان : أحدهما : لا يأتيه التكذيب من الكتب المتقدمة ، ولا يأتيه من بعده كتاب ينسخه ويرفعه ، والقول الثاني : أن الباطل هو إبليس عليه اللعنة ، ومعناه : أنه لا يأتيه بزيادة ولا نقصان أي : لا سلطان له عليه بواحدة منهما .
وقوله : ( ^ تنزيل من حكيم حميد ) أي : حكيم في فعله ، محمود في قوله . < < فصلت : ( 43 ) ما يقال لك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ) هذا على طريق التعزية والتسلية للنبي ، فإن الكفار كانوا يقولون : إنه كافر وساحر وشاعر ومجنون ، فقال
____________________

( ^ لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم ( 43 ) ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * تعالى معزيا ومسليا له : ( ^ ما يقال لك إلا ماقد قيل للرسل من قبلك ) أي : لست بأول من قيل له هذا ، فقد نسب الأنبياء من قبلك إلى هذه الأشياء . وقد تم الكلام على هذا ثم قال : ( ^ وإن ربك لذو مغفرة ) أي : لذنوب العباد ، لمن أراد أن يغفر له .
وقوله : ( ^ وذو عقاب أليم ) أي : لمن أراد أن لا يغفر له .
وفي قوله : ( ^ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) قول آخر : وهو أن معناه : لا يأتيه الباطل قبل تمام نزوله فهو من بين يديه .
وقوله : ( ^ من بين يديه ) أي : قبل النزول ، فإن الرسل بشرت بالقرآن ، فلا يأتيه ما يدحضه ويبطله ( ^ ولا من خلفه ) أي : بعد النزول ، ومعناه : أنه لا يأتيه كتاب ينسخه . < < فصلت : ( 44 ) ولو جعلناه قرآنا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولو جعلناه قرآنا أعجميا ) أي : بلسان العجم . ويقال : أعجميا أي : غير مبين ، قاله المفضل ، والأول هو المشهور .
وقوله : ( ^ لقالوا لولا فصلت آياته ) أي : بينت آياته ( ^ أأعجمي وعربي ) معناه : أقرآن أعجمي ، ورسول عربي ؟ .
وقرأ ابن عباس والحسن : ' لولا فصلت آياته عجمي وعربي ' لا على وجه الاستفهام أي : هلا جعل بعض آياته عجميا ، وبعض آياته عربيا ، والمختار هي القراءة الأولى على المعنى الأول . والأعجمي كل من في لسانه عجمة ، وإن كان عربيا ، ومنه زيادة الأعجمي الشاعر . والعجمي هو الواحد من العجم ، والأعرابي كل من يسكن البدو ، والعربي الواحد من العرب ، قال الشاعر :
( ولم أر مثلي هاجه صوت مثلها ** ولا عربيا هاجه صوت أعجما . )
ويقال : إن الآية نزلت في يسار بن فكيهة غلام ابن الحضرمي ، وكان يدخل على رسول الله ، وكان يهوديا قد قرأ الكتب ، فقالوا : علم محمدا يسار أبو فكيهة ،
____________________

( ^ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ( 44 ) ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
فقال أبو فكيهة : لا ، بل أنا أتعلم منه ، وهو يعلمني .
وقوله : ( ^ قل هو للذين آمنوا ) أي : القرآن ( ^ هدى وشفاء ) أي : هدى للأبصار ، وشفاء للقلوب .
وقوله : ( ^ والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر ) أي : ثقل وصمم ، كأنه جعلهم بمنزلة الصم حين لم يسمعوا سماع قابل .
وقوله : ( ^ وهو عليهم عمى ) قال الفراء : عموا وصموا على القرآن حيث لم ينتفعوا به . وقيل : عميت أبصارهم عن القرآن ، فالقرآن عليهم بمنزلة العمى .
وقوله : ( ^ أولئك ينادون من مكان بعيد ) أي : بعيد من قلوبهم ، حكى هذا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ويقال : ينادون من مكان بعيد أي : السماء ، قال الفراء : تقول العرب لمن لا يفهم القول : إنه يأخذه من مكان بعيد ، وإذا كان يفهم يقولون : إنه يأخذه من مكان قريب .
وذكر بعض النحويين أن قوله : ( ^ أولئك ينادون من مكان بعيد ) جواب لقوله تعالى : ( ^ إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ) والذي ذكرنا أن الجواب محذوف هو الأولى ، وقد بينا . أورده النحاس . < < فصلت : ( 45 ) ولقد آتينا موسى . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ) الكتاب هو التوراة ، والاختلاف فيه أنه آمن به بعضهم وكفر بعضهم .
وقوله : ( ^ ولولا كلمة سبقت من ربك ) أي : تأخير القيامة إلى أجل معلوم عنده . وعن عطاء قال : الكلمة التي سبقت من ربه هي أن آدم صلوات الله عليه لما عطس ألهمه الله تعالى حتى قال : الحمد لله ، فقال الله تعالى : يرحمك ربك . فهي الكلمة التي سبقت من الله .
____________________

( ^ سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب ( 45 ) من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد ( 46 ) إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ لقضي بينهم ) أي : لعجل لهم العذاب .
وقوله : ( ^ وإنهم لفي شك منه مريب ) أي : مرتاب . < < فصلت : ( 46 ) من عمل صالحا . . . . . > >
وقوله : ( ^ من عمل صالحا فلنفسه ) أي : نفع ذلك عائد إلى نفسه .
وقوله : ( ^ ومن أساء فعليها ) أي : وبال ذلك راجع إليه .
وقوله : ( ^ وما ربك بظلام للعبيد ) لأن ما يفعله يكون عدلا ، ولا يكون ظلما . ويقال : معنى قوله : ( ^ وما ربك بظلام للعبيد ) أي : لا يعاقب أحدا من غير جرم . < < فصلت : ( 47 ) إليه يرد علم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إليه يرد علم الساعة ) معناه : إلى الله برد علم الساعة ، وهذا على العموم ، فإن كل من سئل عن الساعة يقول : الله أعلم .
وقوله : ( ^ وما تخرج من ثمرة من أكمامها ) أي : من أوعيتها وغلفها ، والكم : غلافها ، ويقال : هو جف الطلع .
وقوله : ( ^ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعمله ) أي : يعلم مدة الحمل ، ويعلم وقت وضعه .
وقوله : ( ^ ويوم يناديهم ) يعني : ينادي الكفار ( ^ أين شركائ ) على زعمكم ؟
وفي التفسير : أن الله تعالى يقول : أين الملوك ؟ أين الجبابرة ؟ أين الآلهة ؟ أنا الرب ، لا رب غيري ، أنا الله ، لا إله غيري ، أنا الملك ، لا ملك غيري .
وقوله : ( ^ قالوا آنذاك ) أي : أعلمناك ، ومنه أخذ الأذن والأذان والمؤذن . وهذا من قول الآلهة .
قال الفراء وغيره : ومعناه : أن الآلهة تقول : آذناك أي : أعلمناك يا رب تكذيبهم وكفرهم ( ^ ما منا من شهيد ) أي : ليس منا أحد يشهد أن قولهم حق ، وزعمهم صحيح .
____________________

( ^ قالوا آذناك ما منا من شهيد ( 47 ) وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص ( 48 ) لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط ( 49 ) ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < فصلت : ( 48 ) وضل عنهم ما . . . . . > >
وقوله : ( ^ وضل عنهم ) أي : بطل عنهم وفات عنهم ( ^ ما كانوا يدعون من قبل ) .
وقوله : ( ^ وظنوا ما لهم من محيص ) أي : أيقنوا مالهم من ملجأ ومهرب . < < فصلت : ( 49 ) لا يسأم الإنسان . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ لا يسأم الإنسان من دعاء لخير ) أي : من دعاء المال . ويقال : هو الغنى بعد الفقر ، والعافية بعد السقم . وقيل إن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة كان لا يزال يدعو بكثرة المال ، وفيه نزل قوله تعالى : ( ^ وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ) .
وقوله : ( ^ وإن مسه الشر ) أي : البلاء الفقر والشدة .
وقوله : ( ^ فيئوس قنوط ) أي : يئوس من الخير ، قنوط من الرحمة . وقيل : قنوط : أي : سيء الظن بربه ، كأنه يقول : لا يكشف الله تعالى ما بي من البلاء والشدة . < < فصلت : ( 50 ) ولئن أذقناه رحمة . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ) أي : رخاء بعد شدة ، وغنى بعد فقر .
وقوله : ( ^ ليقولن هذا لي ) أي : باجتهادي واستحقاقي .
وقوله : ( ^ وما أظن الساعة قائمة ) أي : آتية .
وقوله : ( ^ ولئن رجعت إلى ربي ) أي : رددت .
وقوله : ( ^ إن لي عنده للحسنى ) أي : للخير الكثير .
قال بعض أهل العلم : الكافر بين منيتين باطلتين في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا يقول : لئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ، وأما في الآخرة يقول حين رأى ما
____________________

( ^ رجعت إلى ربي أن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ ( 50 ) وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ( 51 ) قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * قدمت يداه : يا ليتني كنت ترابا . وفي تفسير النقاش : أن الآية نزلت في شأن عقبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة وأبي بن خلف وأمية بن خلف وغيرهم ، وقد كانوا يمنون أنفسهم الأباطيل .
وقوله : ( ^ فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ) هذا على طريق التهديد والوعيد .
وقوله : ( ^ ولنذيقهم من عذاب غليظ ) أي : شديد . < < فصلت : ( 51 ) وإذا أنعمنا على . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونآى بجانبه ) وقرئ : ' وناء بجانبه ' : ومعنى نائ بجانبه تباعد بجانبه .
وقوله : ( ^ وإذا مسه الشر ) أي : الشدة والبلاء .
وقوله : ( ^ فذو دعاء عريض ) أي : كثير . قال النقاش : والآية في الذين سبق ذكرهم . وعن بعض أهل العلم أنه قال : رب عبد يعرف الله في الرخاء ، ولا يعرفه في الشدة ، ورب عبد يعرف الله في الشدة ولا يعرفه في الرخاء . والمؤمن من يعرفه في الرخاء والشدة جميعا . وفي الخبر المعروف أن النبي قال لابن عباس : ' احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، تعرف إلى الله في الرخاء ، يعرفك في الشدة ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله . . . . ' . الخبر إلى آخره . < < فصلت : ( 52 ) قل أرأيتم إن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قل أرأيتم إن كان من عند الله ) معناه : قل ياأيها الكفار أرأيتم إن كان من عند الله ؟ أي : القرآن .
وقوله : ( ^ ثم كفرتم به ) أي : بالقرآن .
وقوله : ( ^ من أضل ممن هو في شقاق بعيد ) أي : في عناد للحق كبير ، والمعنى : أنكم أيها الكافرون في الشقاق والضلال . < < فصلت : ( 53 ) سنريهم آياتنا في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) الآيات في الآفاق آيات
____________________

( ^ شقاق بعيد ( 52 ) سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ( 53 ) ألا أنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط ( 54 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * السموات والأرضين ، وذلك من رفع السماء ، وخلق الكواكب ، ودوران الفلك ، وإضاءة الشمس والقمر ، وما أشبه ذلك ، وكذلك بسط الأرض ، ونصب الجبال ، وتفجير الأنهار ، وغرس الأشجار ، إلى ما لا يحصى .
وقوله : ( ^ وفي أنفسهم ) أي : من السمع والبصر ، وخلق سائر الجوارح وجميع الحواس . وفي بعض التفاسير : أن من الآيات في النفس دخول الطعام والشراب من مكان واحد ، وخروجه من مكانين . وقيل : دخول الأطعمة على ألوان كثيرة ، وخروجها على لون واحد . وقال السدى : الآيات في الآفاق هي فتح الأمصار ، وفي الأنفس فتح الرسول مكة . ويقال : الآيات في الآفاق هي الفتوح التي كانت بعد الرسول ، وفي أنفسهم هي التي كانت في زمان الرسول . وقيل : الآيات في الآفاق ما أخبر من الأمم المتقدمة وما نزل بهم ، والآيات في الأنفس هي ما أنذرهم من الوعيد والعذاب . وقال مجاهد : الآيات في الآفاق هو إمساك المطر من السماء . والآيات في الأنفس هي البلايا في الأجساد .
وقوله : ( ^ حتى يتبين لهم أنه الحق ) يعني : أن الرسول حق . وقيل : القرآن حق .
وقوله : ( ^ أولم يكف بربك ) يعني : أولم يكفك يا محمد من ربك [ أنه ] على كل شيء شهيد وقيل معناه : أو ليس في شهادة ربك كفاية . وقيل : أو ليس في الدلالة التي أقامها على التوحيد كفاية .
وقوله : ( ^ إنه على كل شيء شهيد ) أي : لأنه على كل شيء شهيد ، أو بأنه على كل شيء شهيد . < < فصلت : ( 54 ) ألا إنهم في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ) أي : في شك من البعث والنشور .
وقوله : ( ^ ألا إنه بكل شيء محيط ) أي : محيط علمه بجميع ذلك . تمت السورة .
____________________

<
> بسم الله الرحمن الرحيم <
> ( ^ حم ( 1 ) عسق ( 2 ) كذلك يوحي إليك ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * <
> تفسير سورة حم عسق <
> <
> وهي مكية <
>
( قال مقاتل ) : إلا قوله تعالى : ( ^ ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا ) الآية ، وكذلك قوله تعالى : ( ^ والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) . <
> بسم الله الرحمن الرحيم <
> < < الشورى : ( 1 - 2 ) حم > >
قوله تعالى : ( ^ حم عسق ) حكى عكرمة عن ابن عباس : أن الر ، وحم ، ونون نظم قوله الرحمن ، وعن الحسن وقتادة : أنه اسم من أسماء القرآن . وعن محمد بن كعب القرظي : الحاء من الحليم والميم من الملك ، والعين من العالم ، والسين من القدوس ، والقاف من القادر ، وعن بعضهم : أن هذا قسم فكأنه أقسم بحلمه وملكه وعلمه وسنائه وقدرته ، وحكى الضحاك عن ابن عباس : أن ' حم عسق ' اسم الله الأعظم ، وقرأ ابن مسعود وابن عباس : ' حم سق ' بغير العين ، وعن حذيفة رضي الله عنه قال : معناه مضى عذاب سيكون واقعا . وقيل : إن الحاء إشارة إلى حرب سيكون ، والميم انتقال ملك من قوم إلى قوم ، والعين عدو يغلب العرب ، ثم الدولة تكون للعرب ، والسين هو [ سنو ] المجاعة ، والقاف قدرة الله النافذة في ملوك الأرض . وفي تفسير النقاش : أن حروف الهجاء التي في أول هذه السورة إشارة إلى فتن تكون في هذه الأمة ، قال : وبها كان علي رضي الله عنه يعلمها ويقضي بها . وقوله : ( ^ كذلك ) في التفسير : أن ' حم عسق ' أوحى إلى كل نبي من الأنبياء . < < الشورى : ( 3 ) كذلك يوحي إليك . . . . . > >
وقوله : ( ^ كذلك يوحى إليك ) أي : كما أوحى الله نعالى إلى الأنبياء هذه
____________________

( ^ وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم ( 3 ) له ما في السموات وما في الأرض وهو العلي العظيم ( 4 ) تكاد السموات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم ( 5 ) الكلمات ، كذلك يوحيها إليك . ويقال : المراد منه الوحي على الجملة .
وقوله : ( ^ وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم ) يعني : أن الله تعالى يوحي إليك وإلى الذين من قبلك وهو العزيز الحكيم أي : من صفته العزة والحكمة ، ومعناه : عزيز في نصرته ، حكيم في فعله ، وقرئ : ' كذلك نوحي إليك ' بالنون ، ومعناه معلوم . < < الشورى : ( 4 ) له ما في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ له ما في السموات وما في الأرض وهو العلي العظيم ) ظاهر المعنى . < < الشورى : ( 5 ) تكاد السماوات يتفطرن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ تكاد السموات يتفطرن ) وقرئ : ' ينفطرن ' ومعناه : يتشققن .
وقوله : ( ^ من فوقهن ) أي : من فوق الأرضين ، وانفطارها لعظيم ما جاء به الكفار . وقيل : خوفا من الله تعالى . ويقال : هيبة وإجلالا . وقيل : لعظمة الله تعالى .
وقوله : ( ^ والملائكة يسبحون بحمد ربهم ) أي : يصلون بحمد ربهم ، ويقال : ينزهون ربهم .
وقوله : ( ^ ويستغفرون لمن في الأرض ) معناه : للمؤمنين الذين في الأرض ، وهذا محكى عن ابن عباس ، واللفظ عام أريد به الخاص ، وقيل : إن الذين يستغفرون للمؤمنين حملة العرش خاصة على ما ذكر تعالى في سورة المؤمن . وقيل : هم جميع الملائكة . وفي التفسير : أن استغفارهم لمن في الأرض من الوقت الذي افتتن هاروت وماروت بالمرأة التي تسمى زهرة ، وفعلا ما فعلا ، واختارا عذاب الدنيا ، وقد كانت الملائكة من قبل يدعون على العصاة ، فمن ذلك الوقت كانوا يستغفرون للعصاة من المؤمنين .
وقوله : ( ^ ألا إن الله هو الغفور الرحيم ) أي : الستور لذنوب عباده .
____________________

( ^ والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل ( 6 ) وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير ( 7 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ الرحيم ) أي : الرحيم بهم . < < الشورى : ( 6 ) والذين اتخذوا من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ والذين اتخذوا من دونه أولياء ) أي : من دون الله أولياء .
وقوله : ( ^ الله حفيظ عليهم ) أي : شاهد لأعمالهم ، حافظ لها ؛ ليجازيهم بها .
وقوله : ( ^ وما أنت عليهم بوكيل ) أي : بمسلط ، وهذا قبل نزول آية السيف . < < الشورى : ( 7 ) وكذلك أوحينا إليك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وكذلك أوحينا إليك ) قد بينا من قبل .
وقوله : ( ^ لتنذر أم القرى : أى أهل أم القرى . وهى مكة ، وسميت أم القرى ، لأن الأرض دحيت من تحتها .
وقوله : ( ^ ومن حولها ) أي : وتنذر أهل من حولها .
وقوله : ( ^ وتنذر يوم الجمع ) أي : يوم القيامة ، وهو اليوم الذي يجتمع فيه أهل السموات وأهل الأرض ، وقيل : يجتمع فيه الأولون والآخرون . ومعناه : لتنذر بيوم الجمع .
وقوله : ( ^ لا ريب فيه ) أي : لا شك في مجيئه .
وقوله : ( ^ فريق في الجنة وفريق في السعير ) روى عبد الله بن عمرو بن العاص : أن النبي خرج يوما وفي يده كتابان ، ثم قال لأصحابه : ' هل تدرون ما فيهما ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال للكتاب الذي في يمينه : هذا كتاب فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم ، قد أجمل على آخرهم لا يزداد فيهم ولا ينقص ، وقال للكتاب الذي في شماله : هذا كتاب فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم ، قد أجمل على آخرهم ، لا يزاد فيها ولا ينقص ، قالوا : ففيم نعمل إذا ؟ قال : اعملوا ، فمن كان من أهل الجنة يختم له بعمل أهل الجنة ، ومن كان من أهل النار يختم له بعمل أهل النار ، وإن عمل
____________________

( ^ ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير ( 8 ) أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ( 9 ) وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * أي عمل ، ثم قال : فرغ ربكم من خلقه ، فريق في الجنة ، وفريق في السعير ' .
وفي التفسير : أنهم يتفرقون في الجنة والسعير فلا يجتمعون أبدا . < < الشورى : ( 8 ) ولو شاء الله . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ) أي : أهل دين واحد .
وقوله : ( ^ ولكن يدخل من يشاء في رحمته ) أي : يدخل من يشاء في الإسلام .
وقوله : ( ^ والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير ) أي : ولي يشفع لهم ، وولي ينصرهم من العذاب . < < الشورى : ( 9 ) أم اتخذوا من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم اتخذوا من دونه أولياء ) أي : بل اتخذوا من دون الله أولياء .
وقوله : ( ^ فالله هو المولى ) أي : هو المتولي للأشياء .
وقوله : ( ^ وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ) ظاهر المعنى . < < الشورى : ( 10 ) وما اختلفتم فيه . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ) استدل من منع القياس في الحوادث بهذه الآية ، قال : الحكم إلى الله لا إلى رأى الرجال ، وكذلك كان الخوارج يقولون : لا حكم إلا لله ، وأنكروا الحكمين ، وهذا الاستدلال فاسد ؛ لأن عندنا من قال بالقياس والاجتهاد فهو رجوع إلى الله في حكمه ، فإن أصول المقايسات هي : الكتاب ، والسنة .
____________________

( ^ عليه توكلت وإليه أنيب ( 10 ) فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( 11 ) له مقاليد ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب ) أي : به وثقت ، وإليه أرجع في أموري . < < الشورى : ( 11 ) فاطر السماوات والأرض . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فاطر السموات والأرض ) أي : خالق السموات والأرض .
قوله : ( ^ جعل لكم من أنفسكم أزواجا ) أي : النساء ، وقيل : ' من أنفسكم أزواجا ' أي : أصنافا ، ذكورا ، وإناثا .
وقوله : ( ^ ومن الأنعام أزواجاً ) أى : أصنافاً ذكوراً وإناثاً .
وقوله : ( ^ يذرؤكم فيه ) قال الفراء : أي : يكثركم به ، وقال مجاهد : نسلا من بعد نسل من الناس والبهائم إلى قيام الساعة . وفي الآية قول آخر : وهو أن معنى قوله : ( ^ يذرؤكم فيه ) أي : يخلقكم في هذا الوجه الذي ذكره .
وقوله : ( ^ ليس كمثله شيء ) قال ثعلب : ليس كهو شيء ، وزعم كثير من النحويين أن الكاف هاهنا زائدة ، ومعناه : ليس مثله شيء ، وزعم بعضهم : أن لغة تهامة أنهم يقولون : أنا كمثلك أو أنت كمثلي أي : أنت مثلي وأنا مثلك . وقال أهل المعاني : ولا يستقيم قول من يقول : ليس كمثله شيء أى : ليس كمثله مثل ؛ لأن في هذا ( إثبات ) المثل ، والله تعالى لا يوصف بالمثل ، جل وتعالى عن ذلك .
وقوله تعالى : ( ^ وهو السميع البصير ) ظاهر المعنى ، وأنشدوا على القول الأول :
( سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم ** ما إن كمثلهم في الناس من أحد ) < < الشورى : ( 12 ) له مقاليد السماوات . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ له مقاليد السموات والأرض ) في المقاليد قولان : أحدهما : أنها فارسية ، وهي الأكاليد واحدها إكليد . والقول الثاني : وهو الأصح أنها عربية ، قال الشاعر في المقاليد :
____________________

( ^ السموات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم ( 12 ) شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
( فتى لو تنادى الشمس ألقت قناعها ** أو القمر الساري لألقي المقالد )
واختلف القول في معنى المقاليد ، قال بعضهم : مقاليد السموات هي الأمطار ، ومقاليد الأرض هي أنواع النبات . وقيل : مقاليد السموات والأرض هي العيون فيها . وقيل : ما يحدثه بمشيئته . وفي بعض الأخبار عن ابن عمر أن النبي قال في مقاليد السموات والأرض : ' لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وسبحان الله وبحمده ، واستغفر الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، هو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، بيده الخير يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير ، فمن قالها عصم من إبليس وجنوده ' .
وقوله : ( ^ يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) أي : يوسع الرزق على من يشاء ، ويضيق على من يشاء .
وقوله : ( ^ إنه بكل شيء عليم ) أي : عالم . < < الشورى : ( 13 ) شرع لكم من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ شرع لكم من الدين ) أي : بين لكم من الدين ، والشرع هو البيان ، ويقال : أظهر لكم وأمركم .
وقوله : ( ^ ما وصى به نوحا ) أي : أمر به نوحا ، ويقال : إن نوحا عليه السلام أول من جاء بتحريم الأمهات والأخوات والبنات .
وقوله : ( ^ والذي أوحينا إليك ) أي : وشرع الذي أوحينا إليك .
وقوله : ( ^ وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ) أي : وما أمرنا به إبراهيم وموسى وعيسى .
وقوله : ( ^ أن أقيموا الدين ) أي : اثبتوا على التوحيد ، وقيل : أقيموا الدين أي : استقيموا على الدين . ويقال : أقيموا الدين هو فعل الطاعات وامتثال الأوامر .
____________________

( ^ أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ( 13 ) وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب ( 14 ) فلذلك فادع ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ ولا تتفرقوا فيه ) أي : كما تفرقت اليهود والنصارى أي : آمنوا بالبعض وكفروا بالبعض .
وقوله : ( ^ كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ) أي : عظم عند المشركين ما تدعوهم إليه من التوحيد ، وهو معنى قوله تعالى : ( ^ أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ) .
وقوله : ( ^ الله يجتبي إليه من يشاء ) أي : يستخلص لدينه من يشاء .
وقوله : ( ^ ويهدي إليه من ينيب ) أي : يرشد إلى الرجوع إليه من اختار الرشد والإنابة . < < الشورى : ( 14 ) وما تفرقوا إلا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) يعني : اليهود والنصارى ، وقوله : ( ^ بغيا بينهم ) أي : حسدا بينهم .
وقوله : ( ^ ولولا كلمة سبقت من ربك ) قال أهل التفسير : الكلمة التي سبقت من الله قوله تعالى : ( ^ بل الساعة موعدهم ) .
وقوله : ( ^ إلى أجل مسمى لقضى بينهم ) أي : لفصل بينهم الأمر في الحال ( ^ وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم ) أي : من الذين تقدموا ، وقوله : ( ^ أورثوا ) أي : أعطوا .
وقوله : ( ^ لفي شك منه مريب ) ظاهر المعنى . < < الشورى : ( 15 ) فلذلك فادع واستقم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فلذلك فادع ) أي : فإلى هذا فادع ، وهو التوحيد ، وذكر النحاس : أن في الآية تقديما وتأخيرا ، ومعناه : كبر على المشركين ما تدعوهم إليه فلذلك فادع [ أي ] : إلى ذلك فادع ، وقد تذكر اللام بمعنى إلى ، قال الشاعر :
____________________

( ^ واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير ( 15 ) والذين يحاجون في الله ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * <
> أوحى لها القرار فاستقرت <
>
أي أوحى إليها .
وقوله : ( ^ واستقم كما أمرت ) قد بينا .
وقوله : ( ^ ولا تتبع أهواءهم ) أي : أهواء الكفار .
وقوله : ( ^ وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ) أي : التوراة والإنجيل والقرآن وسائر الكتب .
وقوله : ( ^ وأمرت لأعدل بينكم ) أي : لأقضي بينكم بالعدل .
وقوله : ( ^ الله ربنا وربكم ) أي : خالقنا وخالقكم .
وقوله : ( ^ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) أي : لنا جزاء أعمالنا ، ولكم جزاء أعمالكم .
وقوله : ( ^ لا حجة بيننا وبينكم ) أي : لا محاجة بيننا وبينكم ، وقد كان من حجتهم أنهم قالوا : نبينا قبل نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، ومعنى قوله : ( ^ لا حجة بيننا وبينكم ) أي : لا ( حجة ) لكم ؛ لأن الله تعالى قد أدحض حجتكم ، وإذا أدحض حجتهم لا تبقى بينهم وبين المؤمنين محاجة .
وقوله : ( ^ الله يجمع بيننا ) يعني : يوم القيامة .
وقوله : ( ^ وإليه المصير ) أي : وإليه المرجع . < < الشورى : ( 16 ) والذين يحاجون في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ والذين يحاجون في الله ) أي : يخاصمون في الله ، وقد بيننا حجتهم التي تعلقوا بها ، والمخاصمة في الله أنهم كانوا يقولون : نحن أولى بالله منكم ، وهو معنى قوله تعالى : ( ^ هذان خصمان اختصموا في ربهم ) .
____________________

( ^ من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد ( 16 ) الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب ( 17 ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ من بعد ما استجيب له ) أي : من بعد ما استجاب المؤمنون للرسول .
وقوله : ( ^ حجتهم داحضة ) أي : باطلة .
وقوله : ( ^ عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد ) قد بينا من قبل . فإن قيل : قد قال : من بعد ما استجيب له ، فأي معنى لاستجابة الناس له في هذا المحل ، وحجتهم داحضة سواء استجاب له الناس أو لم يستجيبوا له ؟ والجواب : أن الكفار ظنوا أن أمر محمد سيزول عن قريب ، ويعود الأمر إلى ما هم عليه ، وأن الناس لا يستجيبون له ولا يدخلون في دينه ، فذكر من بعد ما استجيب له أي : قد استجابه الناس ، وبطل ظنكم أن أمره يزول عن قريب ، وهذا أحسن فائدة . وفيه قول آخر : أن قوله : ( ^ من بعد ما استجيب له ) أي : من بعد ما استجاب الله بما طلب من إظهار المعجزات علبه . وعن بعضهم : أن المحاجة بالباطل هي نصرة الاعتقاد الفاسد ، ثم نصرة الاعتقاد الفاسد تكون على وجهين : بإيراد شبهة ، وبمدافعة حجة من غير حجة . < < الشورى : ( 17 ) الله الذي أنزل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ الله الذي أنزل الكتاب بالحق ) أي : أنزل القرآن بالأمر والنهي والثواب والعقاب .
وقوله : ( ^ والميزان ) أي : العدل ، وسمي العدل ميزانا ؛ لأن الميزان يكون ( مناصف ) الناس فيما بينهم ، وقيل : هو الميزان نفسه ، ومعنى الإنزال : أن الله تعالى أنزل الحديد من السماء ، ومن الحديد لسان الميزان وصنجاته .
وقوله : ( ^ وما يدريك لعل الساعة قريب ) فإن قيل : يتم لم يقل قريبة ، والساعة مؤنثة ؟ والجواب : أن تأنيث الساعة ليس بحقيقي ؛ لأنها بمعنى الزمان والوقت ، ويجوز أن تكون الساعة بمعنى البعث والنشور ، فتكون الكتابة راجعة إلى المعنى .
____________________

( ^ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقين منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد ( 18 ) الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز ( 19 ) من كان يريد حرث الآخرة ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < الشورى : ( 18 ) يستعجل بها الذين . . . . . > >
وقوله : ( ^ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ) في التفسير : أن الكفار كانوا يأتون النبي ويسألونه عن الساعة متى تكون ؟ ويقولون : هلا سألت ربك أن يقيمها الآن ؟ وكان بعضهم يقول : اللهم من كان منا على الباطل فأقم عليه القيامة الساعة ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وقوله : ( ^ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ) وكان استعجالهم بها على طريق الاستبعاد لقيامها تكذيبا بها .
قوله : ( ^ والذين آمنوا مشفقون منها ) أي : خائفون وجلون منها ، وخوفهم من المحاسبة الموعودة والجزاء الواقع على الأعمال .
وقوله : ( ^ ويعلمون أنها الحق ) أي : أنها قائمة لا محالة .
وقوله : ( ^ ألا إن الذين يمارون في الساعة ) أي : يشكون فيها ، وقيل : يختلفون فيها اختلاف الشاكين .
وقوله : ( ^ لفي ضلال بعيد ) أي : في خطأ طويل . < < الشورى : ( 19 ) الله لطيف بعباده . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ الله لطيف بعباده ) أي : بار حفي رحيم بهم ، ويقال : معنى اللطيف هاهنا الرزاق أي : لا يهلكهم جوعا بل يرزقهم . وقد قال بعض أهل العلم : إن المعني بعباده في كل موضع ذكره هو المؤمنون خاصة ، والهاء للإضافة ، وباء التخصيص توجب هذا وتقتضيه .
وقوله : ( ^ ويرزق من يشاء وهو القوي العزيز ) أي : القوي في نصرة المؤمنين ، وقيل : في القدرة على إيصال الرزق إليهم ، وقوله : ( ^ العزيز ) أي : الغالب الذي لا يغالب . < < الشورى : ( 20 ) من كان يريد . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ من كان يريد حرث الآخرة ) أي : العمل للآخرة ، ومنه قول
____________________

( ^ نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ( 20 ) أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم ( 21 ) ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * عبد الله بن عمرو وقيل : ابن مسعود : احرث لدنياك كأنك تعيش [ أبدا ] ، واحرث لآخرتك كأنك تموت غدا .
وقوله : ( ^ نزد له في حرثه ) أي : نضاعف له في الحسنات ، وعن قتادة قال : إن الله تعالى يعطي الدنيا بعمل الآخرة ، ولا يعطي الآخرة بعمل الدنيا . فهذا قول ثان في معنى الآية ، والقول الثالث : أن معنى الآية : ( ^ نزد له في حرثه ) أي : نعنه [ ونوفقه ] على زيادة الطاعات والاستكثار منها .
وقوله : ( ^ ومن كان يريد حرث الدنيا ) أي : عمل الدنيا ( ^ نؤته منها ) أي : على ما نشاء ونريد ، على ما قال في آية أخرى : ( ^ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ) وقيل : نؤته منها بقدر ما قسم له .
وقوله : ( ^ وما له في الآخرة من نصيب ) هذا فيمن لم يعمل إلا للدنيا ، فأما من عمل للدنيا والآخرة فيجوز أن يؤتيه الله الدنيا والآخرة . < < الشورى : ( 21 ) أم لهم شركاء . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم لهم شركاء ) أي : بل لهم شركاء .
وقوله : ( ^ شرعوا لهم من الدين ) أي : وضعوا .
وقوله : ( ^ ما لم يأذن به الله ) أي : لم يأمر به الله .
وقوله : ( ^ ولولا كلمة الفصل ) أي : ما أخر لهم من العذاب ( لقضي بينهم ) أي : لفصل الأمر بينهم في الحال .
وقوله : ( ^ وإن الظالمين لهم عذاب أليم ) أي : شديد . < < الشورى : ( 22 ) ترى الظالمين مشفقين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا ) أي : خائفين وجلين .
____________________

( ^ بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير ( 22 ) ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ وهو واقع بهم ) ومعناه : أن العذاب الذي يخافونه نازل بهم ، وهذا يوم القيامة .
وقوله : ( ^ والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ) أي : البساتين .
وقوله : ( ^ لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير ) أي : العظيم . < < الشورى : ( 23 ) ذلك الذي يبشر . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) أي : هذا الذي يبشر الله عباده .
وقوله : ( ^ قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) فيه أربعة أقاويل : أظهرها وأشهرها أن معناه : لا أسألكم إلا أن تودوني لقرابتي منكم . وقيل : تصلوا القرابة التي بيني وبينكم بالاستجابة لي إلى ما أدعو إليه ، وتكفوا عني أذاكم ، وهذا قول ابن عباس أورده البخاري عنه في الصحيح على لفظ معلوم مقبول ، وهو قول طاوس ومجاهد وقتادة ، وعامة المفسرين . قال قتادة : كانت قريش تصل الأرحام ، فطلب منهم النبي أن يصلوا القرابة التي بينه وبينهم ، وألا يقطعوها .
وعن ابن عباس قال : ما من بطن من بطون قريش إلا ولرسول الله فيهم قرابة ، فسألهم أن يصلوها .
والقول الثاني : ما حكى عن الحسن البصري أنه قال : ( ^ قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) معناه : أن يتوددوا إلى الله بما يقربكم إليه من العمل الصالح .
والقول الثالث : ما حكى عن الضحاك أن الآية منسوخة بقوله : ( ^ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله ) وهذا القول غير مرضي عند أهل
____________________

( ^ ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور ( 23 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * المعاني ؛ لأن قوله : ( ^ إلا المودة في القربى ) ليس باستثناء صحيح حتى يكون مخالفا لقوله : ( ^ إن أجري إلا على الله ) بل هو استثناء منقطع ، ومعناه : قل لا أسالكم عليه أجرا أي : مالا ، وتم الكلام . ومعنى قوله : ( ^ إلا المودة في القربى ) لكن صلوا قرابتي بالاستجابة لي أو تكفوا أذاكم عني .
وفي بعض التفاسير : أن أهل الجاهلية لما علموا جد النبي ظنوا انه يطلب مالا ، فجمعوا له شيئا حسنا من أموالهم ، وقالوا : نعطيك هذا المال ، وكف عما أنت عليه ، فأنزل الله الآية على المعنى الذي قدمنا .
والقول الرابع : ما روى في بعض الغرائب من الروايات برواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أن معنى قوله : ( ^ إلا المودة في القربى ) أن تودوا أقربائي وتحبوهم .
وحكى بعضهم : أن النبي سئل عن هذه ، وعن معنى القربى فقال : ' علي وفاطمة وولدهما ' ، وهذا أغرب الأقاويل وأضعفها .
وقوله : ( ^ ومن يقترف حسنة ) أي : يكتسب حسنة أي : طاعة ( ^ نزد له فيها حسنا ) أي : نضاعف له الحسنة .
وقوله : ( ^ إن الله غفور شكور ) أي : غفور للكثير من الذنوب ، شكور لليسير في الطاعات .
____________________

( ^ أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور ( 24 ) وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < الشورى : ( 24 ) أم يقولون افترى . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم يقولون افترى على الله كذبا ) أي : يقول على الله ما لم يقله ولم ينزله .
وقوله : ( ^ فإن يشأ الله يختم على قلبك ) أي : ينسك القرآن حتى لا تذكر منه حرفا ، قاله قتادة ، والقول الثاني : يختم على قلبك أي : يربط بالصبر على أذاهم ، وهذا قول معروف أورده الفراء والزجاج وغيرهما .
وقول : ( ^ ويمح الله الباطل ) قيل : هذا ابتداء كلام ، ومعناه : ويمحو الله الكفر ويزيله .
وقوله : ( ^ ويحق الحق بكلماته ) أي : ينصر دينه بالمعجزات التي يظهرها ، وقيل : بتحقيق وعده ، وقيل : بنصرة رسوله بإظهار دينه على الدين كله .
وقوله : ( ^ إنه عليم بذات الصدور ) أي : بما في الصدور . < < الشورى : ( 25 ) وهو الذي يقبل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ) أي : الذنوب ( ^ ويعلم ما تفعلون ) أي : تعملون ، وقد ثبت عن النبي برواية الزهري ، عن [ أبي ] سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال : ' لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يضل بعيره بفلاة وعليه متاعه وطعامه فيطلبه ولا يجده ، ثم ينام نومة فينتبه فإذا هو عند رأسه ' . قال الشيخ الإمام أخبرنا أبو محمد عبد الله ابن أحمد أخبرنا أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن الرازي ، أخبرنا أبو بكر محمد ابن زكريا العذافري ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري الخبر .
____________________

( ^ عن السيئات ويعلم ما تفعلون ( 25 ) ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد ( 26 ) ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير ( 27 ) وهو الذي ينزل ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن رجل زنى بامرأة ثم تزوجها ، هل يجوز ؟ قال : نعم ، وقرأ قوله تعالى : ( ^ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده . . . ) إلى آخر الآية . < < الشورى : ( 26 ) ويستجيب الذين آمنوا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) أي : يجيب دعاءهم .
وقوله : ( ^ ويزيدهم من فضله ) أي : الثناء الحسن في الدنيا ، وقيل : الشفاعة في الآخرة ، والمعروف مضاعفة الحسنات .
وقوله : ( ^ والكافرون لهم عذاب شديد ) ظاهر المعنى . < < الشورى : ( 27 ) ولو بسط الله . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولو بسط الله الرزق لعباده ) أي : وسع عليهم الرزق ، وقيل : أعطاهم كل ما يتمنونه .
وقوله : ( ^ لبغوا في الأرض ) أي : عصوا وطغوا في الأرض ، والبغي في الأرض هو العمل فيها بغير حق ( وقيل : هو ) البطر والأشر .
وقوله : ( ^ ولكن ينزل بقدر ما يشاء أى بقدر كما تشاء .
وقوله : ( ^ إنه بعباده خبير بصير ) أي : خبير بما يصلحهم ، بصير بما يفعلونه ويطلبونه . < < الشورى : ( 28 ) وهو الذي ينزل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ) أي : أيسوا ، وفي بعض الأخبار ، أن رجلا اتى النبي وقال : يا رسول الله ، قد اجدبت الأرض ، وقنط الناس ، فادع الله ينزل الغيث لنا فقال [ له ] : ' ارجع إلى قومك فقد مطرتم ' . فكان
____________________

( ^ الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد ( 28 ) ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ( 29 ) وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ( 30 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * كما قال .
( ^ وينشر رحمته ) أي : بإنزال الغيث .
وقوله : ( ^ وهو الولي الحميد ) أي : المالك لما يفعله ، المستحق للحمد فيما ينزله من الغيث . < < الشورى : ( 29 ) ومن آياته خلق . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة ) فيه قولان : أحدهما : أن المراد به وما بث في الأرض من دابة ، فذكر السماء والأرض ، والمراد أحدهما ، وهو مثل قوله تعالى : ( ^ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) وإنما يستخرج من أحدهما ، وهو المالح دون العذب .
والقول الثاني : أن قوله : ( ^ وما بث فيهما من دابة ) وهو على حقيقته ، والدابة كل ما يدب ، والملائكة مما يدب ، قاله مجاهد وغيره .
( ^ وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ) أي : قادر . < < الشورى : ( 30 ) وما أصابكم من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) فإن قال قائل : قد نرى من تصيبه المصيبة بغير ذنب سبق منه ، فكيف وجه الآية ؟ والجواب من وجوه : أحدها : أن قوله : ( ^ وما أصابكم من مصيبة ) هي الحدود تقام إلا على العاصي ولا تقام على العاصين ، وهذا قول حسن .
____________________

( ^ وما انتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ( 31 ) ومن آياته ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
والثاني : أن قوله : ( ^ وما أصابكم من مصيبة ) يراد بها المعاقبة فيما كسبت أيديكم ، فعلى هذا يجوز أن يصيب الإنسان مصيبة من غير ذنب ولا كسب إذا لم يرد بها المعاقبة .
والقول الثالث : أن الآية على العموم ، ولا يصيب أحدا بلاء وشدة إلا بذنب سبق منه ، أو تنبيه لئلا يعمل ذنبا ، أو ليعتبر به ذو ذنب .
وقد روي عن النبي [ أنه ] أنه قال : ' ما من خدش أو عثرة قدم أو اختلاج عرق إلا بذنب ، وما يغفر الله أكثر ' . وعن العلاء بن بدر : ما يصيب أحدا مصيبة إلا بذنب منه ، فقيل له : كيف هذا ، وقد عميت صغيرا ، وما كنت أعمى ؟ فقال : بذنب والدي .
تعلق بهذه الآية بعض من يقول بالتناسخ ، وقال : إنا نرى البلاء يصيب الأطفال ولم يكن منهم ذنب ، فدل انه سبق منهم ذنوب من قبل وعوقبوا بها .
وتعلق بهذه الآية أيضا من يقول إن الأطفال لا يألمون أصلا فكذلك البهائم ، وإنما صياحهم لأذى قلوب الوالدين .
وكلا القولين باطل ، ويجوز عند أهل السنة أن يوجد الله الألم إلى ما يشاء من عباده بغير ذنب سبق منه ، وكذلك على جميع الحيوانات ، وأما وجه الآية قد بينا ، وكذلك قول من يقول : إن الأطفال لا يألمون باطل ؛ لأنه دفع الحس والعيان . < < الشورى : ( 31 ) وما أنتم بمعجزين . . . . . > >
وقوله : ( ^ وما انتم بمعجزين في الأرض ) أي : بمعجزين الله في الأرض ، وقد بينا معناه فيما سبق .
____________________

( ^ الجوار في البحر كالأعلام ( 32 ) إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ( 33 ) أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ( 34 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) ظاهر المعنى . < < الشورى : ( 32 ) ومن آياته الجوار . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام ) أي : السفن ، وقوله : ( ^ كالأعلام ) أي : كالجبال ، قالت الخنساء تمدح أخاها صخرا :
( وإن صخرا لتأتم الهداة ** به كأنه علم في رأسه نار )
أي : جبل . < < الشورى : ( 33 ) إن يشأ يسكن . . . . . > >
وقوله : ( ^ إن يشأ يسكن الريح ) معناه : إن يشأ تسكين الريح يسكن الريح ، قال قتادة : إن السفن تجري بالرياح ؛ فإذا هبت سارت ، وإذا سكنت وقفت .
وقوله : ( ^ فيظللن رواكد على ظهره ) أي : ثوابت على ظهر البحر ، ومعناه : الريح إذا سكنت بقيت السفن ثوابت على ظهر البحر ، لا تجرى .
قوله : ( ^ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) أي : صبار على البلايا ، شكور للنعم ، وعن بعضهم : إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أي : المؤمن ؛ لأن المؤمن هو الصبار الشكور ، قال مطرف : نعم العبد المؤمن إذا ابتلي صبر ، وإذا أعطي شكر . وعن عون بن عبد الله قال : رب منعم عليه غير شكور ، ومبتلى غير صبور . < < الشورى : ( 34 ) أو يوبقهن بما . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أو يوبقهن بما كسبوا ) أي : يهلك السفن بمن فيها ، وقيل : أهل السفن . وقوله : ( ^ بما كسبوا ) أي : بما كسبوا من الذنوب ، وقوله : ( ^ أو ) معناه : أو إن يشأ يوبقهن .
وقوله : ( ^ ويعف عن كثير ) أي : يتجاوز عن كثير من الذنوب ، وحكى أن شريحا رؤي وفي يده ( قرحة ) فقيل له : ما هذا يا أبا أمية ؟ فقال : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير .
____________________

( ^ ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص ( 35 ) فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ( 36 ) والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا وهم يغفرون ( 37 ) والذين استجابوا ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < الشورى : ( 35 ) ويعلم الذين يجادلون . . . . . > >
وقوله : ( ^ ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ) وقرئ : ' ويعلم ' بضم الميم ، فأما القراءة بنصب الميم فبتقدير أن ، وأما بالرفع فمعناه وسيعلم الذين يجادلون في آياتنا .
( ^ ما لهم من محيص ) أي : ملجأ ومهرب ، قاله السدى وغيره . < < الشورى : ( 36 ) فما أوتيتم من . . . . . > >
وقوله : ( ^ فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا ) أي : منفعة الحياة الدنيا .
وقوله : ( ^ وما عند الله خير وأبقى ) أي : الجنة خير وأدوم .
وقوله : ( ^ للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) ظاهر المعنى . < < الشورى : ( 37 ) والذين يجتنبون كبائر . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ والذين يجتنبون كبائر الإثم ) وقرئ : ' كبير الإثم ' ، وقد بينا تفسير الكبائر من قبل .
وفي التفسير : أن قتل النفس ، وقذف المحصنات ، والإشراك بالله ، وعقوق الوالدين والفرار من الزحف ، وأكل مال اليتيم ، والتأفيف ، والسحر ، وشرب الخمر ؛ من الكبائر ، ويقال : كل ما أوعد الله عليه في النار فهو من الكبائر . وأما إضافة الكبائر إلى الإثم فيقال : إنما أضافها إليه ؛ لأن في الإثم كبيرا وصغيرا . ويقال : إضافة الكبائر إلى الإثم كإضافة الصفة إلى الموصوف .
وقوله : ( ^ والفواحش ) الفواحش : هي القبائح من الزنا وغيره .
وقوله : ( ^ وإذا ما غضبوا هم يغفرون ) أي : يتجاوزون ، وفي الخبر المعروف أن النبي قال : ' ألا أنبئكم بالشديد ؟ قالوا : نعم . قال : من ملك نفسه عند الغضب ' .
____________________

( ^ لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقتاهم ينفقون ( 38 ) والذين إذا ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < الشورى : ( 38 ) والذين استجابوا لربهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ والذين استجابوا لربهم ) يقال : إن الآية نزلت في الأنصار ، ويقال : إنها عامة .
وقوله : ( ^ وأقاموا الصلاة ) إقامة الصلاة إتيانها بشرائطها وحفظها بحدودها .
وقوله : ( ^ وأمرهم شورى بينهم ) ذكر النقاش : أن هذا في الأنصار وكانوا يتشاورون في الأمر بينهم ؛ فمدحهم الله على ذلك ، وذلك دليل على اتفاق الكلمة ، وترك الاستبداد بالرأي ، والرجوع إلى الرأي عند نزول الحادثة . وقيل : إن الأنصار تشاوروا فيما بينهم حين دعاهم النبي إلى الإيمان ، ثم أجابوا إلى الإيمان .
وعن الحسن البصري قال : ما تشاور قوم إلا هدوا إلى ارشد أمورهم . والشورى مأخوذة من قولهم : شرت الدابة أشورها إذا سيرتها مقبلة ، ومدبرة لاستخراج السير منها . ويقال : لذلك الموضع المشوار . والعرب تقول : إياك والخطب فإنها مشوار كثير العناد . وفي الخبر برواية [ أبي ] عثمان النهدي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال : ' إذا كانت أمراؤكم خياركم ، وأغنياؤكم أسخياؤكم وأمركم شورى بينكم ، فظهر الأرض خير لكم ، من بطنها ، وإذا كانت أمراؤكم شراركم ، وأغنياؤكم ( بخلاؤكم ) ، وأمركم إلى نسائكم ؛ فبطن الأرض خير لكم من ظهرها ' .
واعلم أن هذه السورة تسمى سورة الشورى .
وقوله : ( ^ ومما رزقناهم ينفقون ) أي : يتصدقون . < < الشورى : ( 39 ) والذين إذا أصابهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) أي : الظلم ، وقوله :
____________________

( ^ أصابهم البغي هم ينتصرون ( 39 ) وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * ( ^ ينتصرون ) أي : يتناصرون ، فينتصر بعضهم بعضا لرفع البغي ، وهو من باب الحسبة ، ينتصرون بالأمر بالمعروف . وقيل : ينتصرون أي : ينتصرون من الظالم ، والانتصار من الظالم هو أخذ الحق منه . وفي التفسير عن الحسن البصري وغيره قال : كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم حتى لا يجترئ عليهم الفساق .
وذكر الكلبي : أن الآية نزلت في شأن ابي بكر الصديق ، فروى أن رجلا من الأنصار سب أبا بكر عند النبي ، فسكت أبو بكر وسكت التبي ، ثم إن أبا بكر أجابه ، فقام النبي مغضبا ، وذهب فتبعه أبو بكر ، وقال : يا رسول الله ، إن الذي فعلت بي أشد مما فعله الأنصاري ، سبني فسكت ، ولم تنكر عليه ، ثم لما أجبت قمت مغضبا ، فقال : كان الملك يرد عليه حين سكت ؛ فلما أجبت ذهب الملك ؛ فذهبت ، وأنزل الله تعالى هذه الآية : ( ^ والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) فيجوز للمظلوم الانتصار من ظالمه . < < الشورى : ( 40 ) وجزاء سيئة سيئة . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وجزاء سيئة سيئة مثلها ) سمى الثاني [ سيئة ] على ازدواج الكلام ، وعند الفقهاء أن الآية في القتل والجراحات ؛ فإذا قتله يقتله وليه ، وإذا حرجه . يجرحه ، وذهب جماعة من السلف إلى أن هذا في غير القتل والجراحات أيضا فإذا قال : أخزاك الله ، يقول : أخزاك الله ، وإذا قال : لعنك الله ، يقول : لعنك الله ، ولا يزيد عليه ، وكذلك قالوا : إذا سب سبه ، وهذا فيما لا يدخله الكذب ، فأما ما يدخله الكذب فلا ينبغي أن يكذب عليه ، وما ذكرنا مروي عن مجاهد وغيره .
____________________

( ^ الله إنه لا يحب الظالمين ( 40 ) ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ( 41 ) إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ( 42 ) ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ( 43 ) ومن يضلل الله ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
قوله : ( ^ فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) يعني : عفا عن الظالم وأصلح الأمر بينه وبينه ( ^ فأجره على الله ) أي : ثوابه على الله ، وفي بعض الأخبار : ' أن الله تعالى يقول يوم القيامة : : ألا ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا ' .
وقوله : ( ^ إنه لا يحب الظالمين ) أي : من يتجاوز عن الحق إلى غير الحق . < < الشورى : ( 41 ) ولمن انتصر بعد . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ) أي : من سبيل في القيامة . < < الشورى : ( 42 ) إنما السبيل على . . . . . > >
وقوله : ( ^ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق ) أي : يطلبون زيادة ليست لهم ، وقيل : يسعون في الأرض بالمعاصي .
وقوله : ( ^ أولائك لهم عذاب أليم ) أي : مؤلم موجع . < < الشورى : ( 43 ) ولمن صبر وغفر . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولمن صبر وغفر ) أي : صبر على الأذى ، وغفر للمؤذي ، ويقال : صبر عن المعاصي وغفر لمن يظلمه . ويقال : صبر عن ظلم الناس ، ومن ظلمه عفا عنه .
وقوله : ( ^ إن ذلك من عزم الأمور ) أي : من حق ( الأمور ) ، وقيل : من عزائم الله التي ندب إليها عباده . ويقال : من ثابت الأمور التي لا تنسخ . قال الزجاج : ندب الله تعالى المظلوم أن ( يعفو ) عن الظالم ، ويصبر عن الظلم ؛ لينال الثواب في
____________________

( ^ فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل ( 44 ) وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * الآخرة ، فمن كان أرغب في ثواب الآخرة فهو أتم عزما على الصبر . < < الشورى : ( 44 ) ومن يضلل الله . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده ) أي : يضلله الله .
وقوله : ( ^ فما له من ولي من بعده ) أي : لا يجد من بعد الله من يهديه .
وقوله : ( ^ وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل ) أي : من رجوع إلى الدنيا ليتوب . < < الشورى : ( 45 ) وتراهم يعرضون عليها . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وتراهم يعرضون عليها ) أي : على النار ، ويقال : إن الآية في آل فرعون ، ويقال : في آل فرعون وغيرهم . والأصح أن هذا في القيامة ، ويعرضون على النار ليدخلوا فيها .
وقوله : ( ^ خاشعين من الذل ) أي : خاضعين من الذل ، ومعناه : [ الانكسار ] وذلة النفس حين يرون العذاب وتنزل بهم الندامة .
قوله : ( ^ ينظرون من طرف خفي ) أي : يسارقون النظر إلى النار ، ويقال : ينظرون بأنصاف عيونهم ، ولا يفتحون أعينهم عليها خوفا منها . وعن بعضهم قال : ينظرون بقلوبهم ؛ لأنهم يحشرون عميا ، فالطرف الخفي هو رؤية القلب .
وقوله : ( ^ وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ) أما خسرانهم أنفسهم فبدخولهم النار ، وأما خسرانهم أهليهم فلأنهم لو آمنوا أصابوا أهلا في الجنة ، فلما كفروا ودخلوا النار فاتهم أهلوهم في الجنة ، فهو خسران الأهل . ويقال : لكل واحد من الكفار أهل مسمى في الجنة لو آمن .
وقوله : ( ^ ألا إن الظالمين في عذاب مقيم ) أي : دائم .
____________________

( ^ عذاب مقيم ( 45 ) ما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل ( 46 ) استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير ( 47 ) فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < الشورى : ( 46 ) وما كان لهم . . . . . > >
قوله : ( ^ وما كان لهم من أولياء ينصروهم من دون الله ) أي : يمنعون عنهم عذاب الله .
وقوله : ( ^ ومن يضلل الله فما له من سبيل ) أي : من طريق إلى الجنة . < < الشورى : ( 47 ) استجيبوا لربكم من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ استجيبوا لربكم ) أي : استجيبوا لربكم بقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله .
وقوله : ( ^ من قبل أن ياتي يوم لا مرد له من الله ) أي : لا رد له .
وقوله : ( ^ ما لكم من ملجأ يومئذ ) أي : مهرب وملاذ .
وقوله : ( ^ وما لكم من نكير ) أي : إنكار ، ويقال : ليس لكم من أن تنكروا العقوبة التي تنالكم . وقيل : ما لكم من نكير أي : تغيير . < < الشورى : ( 48 ) فإن أعرضوا فما . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا ) أي : حافظا .
وقوله : ( ^ إن عليك إلا البلاغ ) أي : التبليغ .
وقوله : ( ^ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة ) أي : النعمة والعافية .
وقوله : ( ^ فرح بها ) أي : سر بها .
وقوله : ( ^ وإن تصبهم سيئة ) أي : شدة وبلاء ، وقيل : الجدب الذي هو ضد الخصب .
وقوله : ( ^ بما قدمت أيديهم ) أي : من الذنوب .
وقوله : ( ^ فإن الإنسان كفور ) معناه : كافر لنعم الله لا يشكرها .
____________________

( ^ فإن الإنسان كفور ( 48 ) لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ( 49 ) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير ( 50 ) وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < الشورى : ( 49 ) لله ملك السماوات . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ) أي : يعطي الإناث دون الذكور ، والذكور دون الإناث . < < الشورى : ( 50 ) أو يزوجهم ذكرانا . . . . . > >
وقوله : ( ^ أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ) أي : يجمع الذكور والإناث في العطاء ، ومعنى قوله : ( ^ يزوجهم ) أي : يصنفهم كأنه يجعل الأولاد صنفين : صنفا إناثا ، وصنفا ذكورا .
وقوله : ( ^ ويجعل من يشاء عقيما ) أي : لا يولد له أصلا ، وفي التفسير : أن الآية في الأنبياء ، فقوله : ( ^ يهب لمن يشاء إناثا ) هو لوط النبي كان له بنات ، ولم يكن له ولد ذكر ، وقوله : ( ^ ويهب لمن يشاء الذكور ) هو إبراهيم صلوات الله عليه كان له بنون ، ولم تكن له أنثى ، وقوله : ( ^ أو نزوجهم ذكرانا وإناثا ) هو الرسول صلوات الله عليه ولد له أربعة بنين ، وأربع بنات ، فالبنون : القاسم وبه كني رسول الله ، وعبد الله ، والطاهر ، وكان يسمى الطيب أيضا وإبراهيم ، فالثلاثة الأولون من خديجة رضي الله عنها وإبراهيم بن مارية القبطية ، وأما البنات : فزينب ، ورقية ، وأم كلثوم ، وفاطمة ، كلهن من خديجة رضي الله عنها وعنهن ، وقوله : ( ^ ويجعل من يشاء عقيما ) وهو يحيى وعيسى عليهما السلام لم يكن لهما ولد ولا زوجة .
وقوله : ( ^ إنه عليم قدير ) ظاهر المعنى . < < الشورى : ( 51 ) وما كان لبشر . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ) ذكر النقاش في تفسيره : أن سبب نزول الآية هو ان المشركين قالوا للنبي : هلا كلمك الله ونظرت إليه كما كان موسى ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وقوله : ( ^ إلا وحيا ) فيه قولان : أحدهما أنه الإلهام من الله تعالى بالنفث في
____________________

( ^ رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم ( 51 ) وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * صدره ، والآخر : أنه الرؤيا في المنام . وفي بعض الروايات عن ابن عباس : لم ير جبريل من الأنبياء غير أربعة هم : موسى ، وعيسى ، وزكريا ، ومحمد عليهم الصلاة والسلام وأما الباقون فكان لهم وحي وإلهام ، وهذه رواية غريبة .
وقوله : ( ^ أو من وراء حجاب ) أي : كما كلم موسى من وراء حجاب ، وقيل : بالحجاب على موضع الكلام لا على الله . [ وقيل ] : إن موسى عليه السلام لما سمع كلام الله ولم يره كان بمنزلة من يسمع من وراء الحجاب .
وقوله : ( ^ أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ) يعني : يرسل جبريل بالوحي إلى من يشاء من الأنبياء ، [ وجملة ] الذي وصل إلى الأنبياء من الوحي على ثلاثة وجوه : وحي إلهام ، ورؤيا في المنام ، ووحي بتكليم الله تعالى ، ووحي بلسان جبريل عليه لسلام . وعن مجاهد أنه قال : أوحى الله تعالى الزبور إلى داود فقرأه من قلبه ، ولم يكن على لسان جبريل . وفي بعض الآثار : أن الله تعالى وكل بحفظ الوحي جبريل عليه السلام ، وكذلك بإيصاله إلى الأنبياء ، وكذلك وكله بنصرة الأنبياء وعذاب الكفار ، ووكل ميكائيل بالقطر والنبات ، ووكل إسرافيل بالصور ، وهو أيضا من حملة العرش ، ووكل ملك الموت بقبض الأرواح ؛ فهم موكلون على هذه الأشياء بإذن الله تعالى .
وفي بعض الأخبار أن جبريل عليه السلام كان يلقى النبي في ثياب بياض ملفوفة بالدر والياقوت ورجلاه مغموستان في خضرة . وقد ذكرنا في رواية عن النبي ' أن المرسلين من الأنبياء مائة [ وخمسة ] عشر [ جما غفيرا ] أولهم آدم
____________________

( ^ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * وآخرهم محمد عليهما السلام ' .
وقوله : ( ^ إنه علي حكيم ) أي : متعال مما يصفونه ( المشركون ) ، حكيم في جميع ما يفعله . < < الشورى : ( 52 ) وكذلك أوحينا إليك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) الروح هاهنا هو القرآن سماه روحا ؛ لأنه تحيا به القلوب كالروح تحيا به النفوس ، وقيل : إنه النبوة ، والأول أشهر .
وقوله : ( ^ من أمرنا ) أي : بأمرنا .
وقوله : ( ^ وما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ) الكتاب هو القرآن ، وقيل : ما كنت تدري ما الكتاب لولا أنزلنا إياه عليك . وقوله : ( ^ ولا الإيمان ) المعروف أن المراد به شرائع الإيمان ، وهذا قد حكى عن محمد بن إسحاق بن خزيمة وغيره من أئمة السنة .
وعن بعضهم أن معناه : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان أي : قبل البلوغ . والقول الثالث : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان أي : أهل الإيمان ، وهذا حكى عن الحسين بن الفضل البجلي .
وفي بعض المسانيد برواية النزال بن سبرة عن علي رضي الله عنه أنه قال : ' قيل لرسول الله : هل عبدت وثنا قط ؟ قال : لا . وقيل له : هل شربت خمرا قط ؟ قال : لا . وما زلت أعرف أن ما هم عليه باطل ، ولم يوح إلى كتاب ولا إيمان ' والخبر غريب .
وقوله : ( ^ ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) أي : تدعو ، وفي قراءة أبي بن كعب : ' وإنك لتدعو إلى صراط مستقيم '
____________________

( ^ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ( 52 ) صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ( 53 ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * هي تبين معنى القراءة المعروفة ، وقرأ عاصم الجحدري : ' وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ' على ما لم يسم فاعله ، ومعناه بين . < < الشورى : ( 53 ) صراط الله الذي . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ) أي : ترجع الأمور ، والله أعلم .
____________________

<
> بسم الله الرحمن الرحيم <
> ( ^ حم ( 1 ) والكتاب المبين ( 2 ) إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ( 3 ) وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ( 4 ) أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين ( 5 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * <
> تفسير سورة الزخرف <
> <
> وهي مكية <
> < < الزخرف : ( 1 ) حم > >
( ^ حم ) قد ذكرنا معنى حم . < < الزخرف : ( 2 ) والكتاب المبين > >
وقوله : ( ^ والكتاب المبين ) هو القرآن ، وسماه مبينا ؛ لأنه أبان فيه الهدى من الضلالة ، والخير من الشر ، وأبان فيه جميع ما يؤتى وجميع ما يتقى . ومعنى الآية هو القسم ، فكأنه أقسم بحم وبالقرآن ، وجواب القسم قوله : ( ^ إنا جعلناه قرآنا عربيا ) وكذلك قوله : ( ^ وإنه في ام الكتاب ) جواب القسم أيضا . < < الزخرف : ( 3 ) إنا جعلناه قرآنا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إنا جعلناه ) قال السدى : أنزلناه وقال مجاهد : قلناه . وعن بعضهم : بيناه ، قاله سفيان الثوري . واستدل بهذا من زعم أن القرآن مخلوق ، وذكر أن الجعل بمعنى الخلق بدليل قوله تعالى : ( ^ الذي جعل لكم الأرض مهدا ) أي : خلق لكم ، وعندنا هذا التعلق باطل ، والقرآن كلام الله غير ومخلوق ، وعليه إجماع أهل السنة ، وزعموا أن من قال : إنه مخلوق فهو كافر ؛ لأن فيه نفي كلام الله تعالى ، وقد بينا وجه الآية عند السلف ومن يعتمد في تفسيره .
وقد ورد الجعل في القرآن لا بمعنى الخلق ، قال الله تعالى : ( ^ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) ومعناه : أنهم وصفوهم بالأنوثة وليس المعنى أنهم خلقوهم .
وقوله : ( ^ قرآنا عربيا ) أي : بلسان العرب .
وقوله : ( ^ لعلكم تعقلون ) أي : تعقلون ما فيه . < < الزخرف : ( 4 ) وإنه في أم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وإنه في أم لكتاب ) أي : القرآن في اللوح المحفوظ . وفي بعض
____________________

( ( 5 ) وكم أرسلنا من نبي في الأولين ( 6 ) وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون ( 7 ) فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين ( 8 ) ولئن سألتهم من خلق ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * التفاسبر : أن أم الكتاب مذكور عند الله تعالى ، قد بين فيه جميع الأشياء ، فإذا كان يوم القيامة عورض ما كان من المكاتبات بذلك الذكر فتوجد على السواء .
وقد ثبت عن النبي [ أنه ] قال : ' إن أول ما خلق الله تعالى القلم ، فقال له : اكتب ، قال : وما أكتب ؟ قال : ما هو كائن إلى يوم القيامة ' .
وقوله : ( ^ لدينا ) أي : عندنا .
وقوله تعالى : ( ^ لعلى ) أي : رفيع لا يناله أحد بتبديل ولا تغيير .
وقوله : ( ^ حكيم ) أي : أحكمت آياته لا يزاد فيها ولا ينقص . < < الزخرف : ( 5 ) أفنضرب عنكم الذكر . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أفنضرب عنكم الذكر صفحا ) معناه : أفنصفح عنكم وقد كذبتم بآياتي وتركتم أوامري . قال القتيبي : وهذا مأخوذ من قولهم : ضرب فلان دابته وصفحت عنه أي : مالت عنه ، وحقيقة المراد : أفنضرب عنكم الذكر صافحين أي : نمهلكم ونترككم فلا نأمركم ولا ننهاكم ولا نعرفكم ما يجب عليكم ( ^ أن كنتم قوما مسرفين ) أى لان كنتم قوماً مسرفين . ويقال معناه : نترككم والتكذيب ولا نعاقبكم عليه . < < الزخرف : ( 6 ) وكم أرسلنا من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وكم أرسلنا من نبي في الأولين ) كم للتكثير .
وقوله : ( ^ من نبي في الأولين ) أي : في القرون الماضية . < < الزخرف : ( 7 ) وما يأتيهم من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وما ياتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون ) أي : يسخرون ، وهذا على الأكثر ؛ لأنه قد كان فيهم من آمن . < < الزخرف : ( 8 ) فأهلكنا أشد منهم . . . . . > >
وقوله : ( ^ فأهلكنا أشد منهم بطشا ) أي : فأهلكنا من هو أشد من قومك بطشا أي : قوة .
وقوله : ( ^ ومضى مثل الأولين ) أي : عقوبات الأولين ، وذكر بلفظ المثل على
____________________

( ^ السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ( 9 ) الذي جعل لكم لأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون ( 10 ) والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * معنى أنها سنة المكذبين من قبل . وقرئ : ' مثل الأولين ' بضم الميم والثاء على الجمع ، ومعناه ما بينا . < < الزخرف : ( 9 ) ولئن سألتهم من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ) أي : ولئن سالت المشركين من خالق السموات والأرض ( ^ ليقولن خلقهن العزيز العليم ) وهذا على طريق التعجيب من حالهم أي : كيف يعبدون الأصنام ويزعمون أن لله شريكا ، وقد أقروا أن الله تعالى خالق السموات والرض ؟ < < الزخرف : ( 10 ) الذي جعل لكم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ الذي جعل لكم الأرض مهدا ) هذا ابتداء كلام من الله تعالى من غير أن يكون حكاية عن الكفار ؛ لأن كلامهم قد تم في الآية الأولى .
وقوله : ( ^ وجعل لكم الآرض مهدا ) قد بينا من قبل .
وقوله : ( ^ وجعل لكم فيها سبلا ) أي : [ طرقا ] .
وقوله : ( ^ لعلكم تهتدون ) أي : تهتدون بسلوكها في أسفاركم . وقيل : في معايشكم وتصرفاتكم . < < الزخرف : ( 11 ) والذي نزل من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ والذي نزل من السماء ماء بقدر ) أي : بمقدار معلوم ، فلا ينقص عن حاجات الناس فلا ينتفعون به ، ولا يزيد فيكون سيلا مهلكا ، وهذا على أكثر الأحوال ، وقد يكو بخلافه .
وقوله : ( ^ فأنشرنا به بلدة ميتا ) معناه : أحيينا به أرضا ميتة .
وقوله : ( ^ كذلك تخرجون ) يعني : تبعثون يوم القيامة . < < الزخرف : ( 12 ) والذي خلق الأزواج . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ والذي خلق الأزواج كلها ) أي : الأصناف كلها ، ويقال : لكل شيئين قرينين زوجان ، وكل واحد منهما زوج صاحبه ، وذلك السماء والأرض ، والليل والنهار ، والشمس والقمر ، والجنة والنار ، وما أشبه ذلك . وكذلك ما يعود إلى
____________________

( ^ بلدة ميتا كذلك تخرجون ( 11 ) والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ( 12 ) لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ( 13 ) وإنا إلى ربنا لمنقلبون ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * أحوال الإنسان من المرض والصحة ، والفقر والغنى ، والخير والشر ، والنوم واليقظة ، وما أشبه ذلك .
وقوله : ( ^ وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ) الفلك : هي السفن ، واختلف القول في الأنعام ، فذهب مقاتل إلى أنها الإبل والبقر ، والقول الثاني : أنها الإبل خاصة ، وهو الأولى ، قال أبو معاذ النحوي : ومتى ركبت البقرة ؟ ! وفي بعض الأخبار : أن رجلا ركب بقرة فتكلمت البقرة ، وقالت : ما خلقنا لهذا ، وإنما خلقنا للحرث . < < الزخرف : ( 13 ) لتستووا على ظهوره . . . . . > >
وقوله : ( ^ لتستوا على ظهوره ) فإن قيل : كيف لم يقل : على ظهورها ، وقد تقدم لفظ الجمع ؟ والجواب : أن قوله : ( ^ على ظهوره ) ينصرف إلى كلمة ' ما ' ، ومعناه : لتستووا على ظهور ما تركبونه .
وقوله : ( ^ ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ) أي : مطيقين ، أي : ما كنا نطيق تذليله وتسخيره لولا أن الله تعالى ذلله وسخره لنا . قال عمرو بن معد يكرب :
( وقد علم القبائل ما عقيل ** لنا في النائبات بمقرنينا )
وعن بعضهم أنه ركب بعيره وقال : سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ، فسمعه الحسين بن علي رضي الله عنهما فقال : أهكذا أمرت ؟ إنما أمرت أن تذكر نعمة الله تعالى ثم تقول هذا ، فإذا ركبت فقل : الحمد لله الذي هدانا للإسلام ومن علينا بمحمد ، والحمد لله الذي جعلنا من خير أمة أخرجت للناس ، ثم قال : ' سبحان الذي سخر لنا هذا ' .
وقد ثبت برواية ابن عمر أن النبي كان إذا استوى على بعيره متوجها في سفر ،
____________________

( ^ وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين ( 15 ) أم اتخذ مما يخلق ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * كبر الله ثلاثا ، ثم قال : ' سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى والعمل بما ترضى ، اللهم هون علينا سفرنا ، واطو علينا بعده ، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل ، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر ، وكآبة المنظر ، وسوء المنقلب في الأهل والمال والولد ' . وإذا رجع قال : آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون ' . خرجه مسلم في الصحيح .
وفي بعض الكتب عن سليمان بن يسار أنه قال : كنا في سفر وكان الناس إذا استووا على دوابهم قالوا : ( ^ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ) وكان أعرابي على بعير هزيل فاستوى على بعيره وقال : أما إني لهذا مقرن ، [ فقمص ] به ، فوقع واندقت عنقه ومات .
وفي بعض الآثار أيضا : أن رجلا شابا خرج في حلة له ، قد رجل شعره ، فقيل له : إنك لحميل اليوم ، فقال : إن الله يعجب من جمالي ؛ فمسخه الله تعالى .
وعن بعضهم أيضا أنه كان يكتب القرآن فانعقد حبره ولم يحضره الماء ، فقطر فيه قطرة بول فكتب ، فجفت يده . < < الزخرف : ( 14 ) وإنا إلى ربنا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ) أي : راجعون . < < الزخرف : ( 15 ) وجعلوا له من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وجعلوا له من عباده جزءا ) أي : نصيبا ، والنصيب الذي جعلوه لله تعالى هو أنهم قالوا : الملائكة بنات الله تعالى . [ يقال ] : أجزأت المرأة ، إذا
____________________

( ^ بنات وأصفاكم بالبنين ( 16 ) وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم ( 17 ) أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ( 18 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * ولدت أنثى .
وقوله : ( ^ إن الإنسان لكفور مبين ) أي : كفور للنعم بين الكفران . < < الزخرف : ( 16 ) أم اتخذ مما . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم اتخذ مما يخلق بنات ) معناه : أم اتخذ الله مما يخلق بنات ( ^ وأصفاكم بالبنين ) أي : اختار لكم البنين ، وهذا ، [ على ] طريق الإنكار لقولهم . وفي التفسير : أن هذا القول كان يقوله بنو كنانة وبنو عامر وحي ثالث . وعن بعضهم : أن جميع قريش كانت تقوله ، فقيل لهم : من أين تقولون هذا ؟ فقالت : سمعنا آباءنا يقولون كذلك ، ونحن نشهد أنم لم يكذبوا . < < الزخرف : ( 17 ) وإذا بشر أحدهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وإذا بشر أحدكم بما ضرب للرحمن مثلا ) أي : وصف الله به .
وقوله : ( ^ ظل وجهه مسودا وهو كظيم ) أي : حزين مكروب ، ويقال مملوء غما وهما . < < الزخرف : ( 18 ) أو من ينشأ . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أو من ينشأ في الحلية ) أي يربي وينبت . وقرئ : ' أو من ينشأ أي : ينبت
وقوله : ( ^ في الحلية ) أي : في الحلي ، والحلية : الزينة ، والمعنى : أنها مشغولة بزينتها ليس لها رأي في الأمور ، ولا تصرف في الأشياء .
وقوله : ( ^ وهو في الخصام غير مبين ) أي : في الجدال ضعيف القول . وفي التفسير : قلما تكلمت امرأة بحجة فأمكنها أن تبلغ حجتها ، ويقال : قلما تكلمت امرأة بحجة إلا وتتكلم ما يكون حجة عليها ، والآية وردت للإنكار عليهم يعني : أنكم جعلتم نصيبي من عبادي مثل هؤلاء ، وجعلتم نصيبكم البنين . < < الزخرف : ( 19 ) وجعلوا الملائكة الذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) معناه : وصفوا ،
____________________

( ^ وجعلوا لملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون ( 19 ) وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * وليس الجعل هاهنا بمعنى الخلق ، إنما هو بمعنى الوصف والتسمية كما يقول القائل : جعل فلان زيدا أعلم الناس أي : وصفه به ، وحكم له بذلك ، وقرئ : ' عند الرحمن ' وهو عبارة عن القرب والرفعة .
وقوله : ( ^ أشهدوا خلقهم ) معناه : أحضروا خلقهم فعرفوا أنهم خلقوا إناثا ، وقرئ : ( اشهدوا خلقهم ) معناه : احضروا .
وقوله : ( ^ ستكتب شهادتهم ) وقرئ ( سنكتب ) بالنون يعنى : [ أنهم ] يجازون بشهادتهم الكاذبة . وقيل سنكتب ليجاوز .
وقوله : ( ^ ويسألون ) أي : يسألون عن شهادتهم يوم القيامة . < < الزخرف : ( 20 ) وقالوا لو شاء . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ) تعلق بهذه الآية القدرية ، وقالوا : حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا : لو شاء الرحمن ما عبدناهم ، ثم عقبه بالإنكار والتهديد فقال : ( ^ ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ) أي : يكذبون ، وعندكم أن الأمر على ما قالوا . والجواب من وجهين : أحدهما : أن معنى قوله : ( ^ ما لهم بذلك من علم ) أى : مالهم بقولهم إن الملائكة بنات الله من علم إن هم إلا يخرصون يعنى : في هذا القول وقد تم الكلام على هذا عند قوله : ( ^ لو شاء الرحمن ما عبدناهم ) والإنكار غير راجع إليه ، ويجوز أن يحكى من الكفار ما هو حق مثل قوله : ( ^ وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ) وهذا القول حق وصدق ، فإن قيل : أول الآية وآخرها خرج مخرج الإنكار عليهم فكيف يحكى عنهم ما هو حق ؟ والجواب عنه : أنهم قالوا هذا لا على اعتقاد الحق ولكن لدفع القبول عن أنفسهم ، وقد كانوا أمروا
____________________

( ^ يخرصون ( 20 ) أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون ( 21 ) بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ( 22 ) وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * بالقبول ، فأرادوا أن يدفعوا القبول من أنفسهم بهذا القول ، كما أن في الآية الآخرى أرادوا أن يدفعوا الأمر بالإنفاق عن أنفسهم بما قالوه ، والقول على هذا القصد غير صحيح .
والوجه الثاني : أن معنى قوله : ( ^ ما لهم بذلك من علم ) أي : ما لهم في هذا القول من عذر .
وقوله : ( ^ إن هم غلا يخرصون ) أي : يطلبون ما لا يكون من طلب العذر بهذا الكلام ، حكاه النحاس ، والأول ذكره الفراء والزجاج وغيرهما . < < الزخرف : ( 21 ) أم آتيناهم كتابا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم أتيناهم كتابا من قبله ) أي : بما زعموا ان الملائكة خلقوا إناثا .
وقوله : ( ^ فهم به مستمسكون ) أي : مستمسكون ، وهذا على طريق الإنكار أيضا . < < الزخرف : ( 22 ) بل قالوا إنا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة ) وقرئ : ' إمة ' بكسر الألف فقوله : ( ^ على أمة ) أي : على ملة ودين ، قال الشاعر :
( حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ** وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع )
أي : ذو ملة .
وأما الإمة بكسر الألف فهي بمعنى الطريقة ، قال الشاعر :
( ثم بعد الفلاح والملك وإلامة ** وارتهم هناك القبور )
فقوله : والإمة يعني : الطريقة الحسنة .
وقوله : ( ^ وإنا على آثارهم مهتدون ) أي : متبعون . < < الزخرف : ( 23 ) وكذلك ما أرسلنا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها )
____________________

( ^ نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ( 23 ) قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ( 24 ) فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ( 25 ) وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون ( 26 ) إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ( 27 ) وجعلها كلمة باقية في عقبه ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * أي : متنعموها . ووجه الإنكار أن الرفه منعهم عن طلب الحق .
وقوله : ( ^ إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) ظاهر المعنى .
وفي الآيتين دليل على ذم التقليد والرجوع إلى قول الآباء من غير حجة . < < الزخرف : ( 24 ) قال أولو جئتكم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ) معناه : أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جئتكم بأهدى منه .
وقوله : ( ^ قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ) أي : جاحدون . < < الزخرف : ( 25 ) فانتقمنا منهم فانظر . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فانتقمنا منهم ) أي : بالإهلاك والعقوبة .
وقوله : ( ^ فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ) أي : الجاحدين . < < الزخرف : ( 26 ) وإذ قال إبراهيم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وإذا قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون ) وفي قراءة ابن مسعود : ' بريء ' فقوله : ( ^ براء ) بمعنى قوله : ' بريء ' ، ويقال : إنه لغة اهل الحجاز يعني قوله : ( ^ براء ) وهو مما لا يثنى ولا يجمع . < < الزخرف : ( 27 ) إلا الذي فطرني . . . . . > >
وقوله : ( ^ إلا الذي فطرني ) فيه قولان : أحدهما : أنه على حقيقة الاستثناء إلا أنهم كانوا يعبدون الله وما دونه ، فيستقيم الاستثناء على هذا . والثاني : أنه استثناء منقطع ، ومعناه : لكن لذي فطرني أي : جعلني ( ^ فإنه سيهدين ) أي : يرشدني . < < الزخرف : ( 28 ) وجعلها كلمة باقية . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وجعلها كلمة باقية ) قال مجاهد : هي قول لا إله إلا الله . وقال قتادة : هي الإخلاص والتوحيد . وعن بعضهم : أن الكلمة هي قول إبراهيم :
____________________

( ^ لعلهم يرجعون ( 28 ) بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين ( 29 ) ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون ( 30 ) وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ( 31 ) أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * ( ^ أسلمت لرب العالمين ) . وذلك عندما قيل له : ( ^ أسلم ) . وأما قوله : ( ^ في عقبة ) أي : في ولده . وفي التفسير : لا يزال في عقب إبراهيم من هو مستقيم على كلمة التوحيد . وقيل : ( ^ في عقبه ) هو رجل واحد ، وذلك محمد . وقال السدى : في عقبه يعني : في آل محمد ورضي عنهم .
وقوله : ( ^ لعلهم يرجعون ) أي : يرجعون إلى الهدى بعد الضلالة . < < الزخرف : ( 29 ) بل متعت هؤلاء . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ بل متعت هؤلاء وآباءهم ) أي : أمتعتهم بأنفسهم وأموالهم وأولادهم ، وأمتعت آباءهم .
وقوله : ( ^ حتى جاءهم الحق ورسول مبين ) أي : جاءهم القرآن يبين الهدى من الضلالة ، والحق من الباطل . < < الزخرف : ( 30 ) ولما جاءهم الحق . . . . . > >
وقوله : ( ^ ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون ) أي : جاحدون . < < الزخرف : ( 31 ) وقالوا لولا نزل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وقالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) وتقديره : على رجل من رجلي القريتين عظيم . والقريتان هما مكة والطائف ، وأما الرجلان اختلفوا فيهما ، قال ابن عباس : الذي من مكة هو الوليد بن المغيرة ، والذي من الطائف هو حبيب بن عمرو الثقفي . وقيل : الذي من مكة هو عتبة بن ربيعة ، والذي من الطائف هو عروة بن مسعود الثقفي ، قاله قتادة . وقال مجاهد في الذي من الطائف : هو ابن عبد ياليل الثقفي . وعن السدى أيضا فيه : أنه كنانة بن عدي بن عمرو . < < الزخرف : ( 32 ) أهم يقسمون رحمة . . . . . > >
وقوله : ( ^ أهم يقسمون رحمة ربك ) أي : رسالة ربك فيختارون لها من شاءوا . ومعناه : أنه ليس لهم هذا الاختيار .
____________________

( ^ معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون ( 32 ) ولو لا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ) أي : كما قسمنا معيشة الحياة الدنيا فاخترنا للغنى من شئنا ، وللفقر من شئنا ، فكذلك اخترنا واصطفينا للرسالة من شئنا . وقد روى ابن مسعود أن النبي قال : ' إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم ، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا من يحبه ، ومن أعطاه الدين فقد أحبه ' . وعن قتادة : رب رجل ضعيف ( الجبلة ) عيي اللسان [ مبسوط له ] في الرزق ، ورب رجل شديد ( الجبلة ) ، فصيح اللسان مقتر عليه في الرزق .
وقوله : ( ^ ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ) أي : في الدنيا ، فغني وفقير ، وفاضل ومفضول ، وحر وعبد ، وصحيح وسقيم ، وأشباه ذلك .
وقوله : ( ^ ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) أي : خولا . وقيل : بتسخير الغني الفقير بماله ، والقوي الضعيف بفضل قوته . ويقال : تتخذونهم مماليك وعبيدا ، وبهذا القيام صلاح العالم ، وأنشد بعضهم :
( سبحان من سخر [ الأنام ] بعضهم ** للبعض حين استوى التدبير واطردا )
( فصار يخدم هذا ذاك من جهة ** وذاك من جهة هذا وإن بعدا )
( كل بما عنده مستبشر فرح ** يرى السعادة فيما نال واعتقدا )
وقوله : ( ^ ورحمة ربك خير مما يجمعون ) أي : النبوة خير مما يجمعون من الدنيا ، وقيل : الآخرة خير من الدنيا . وقرئ : ' تجمعون ' بالتاء ، والأول أشهر . < < الزخرف : ( 33 ) ولولا أن يكون . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ) معناه : ولولا أن يكون الناس كلهم كفارا . وقيل : لولا أن الدنيا تميل بالناس عن الدين ، لو فعلنا هذا بالكفار لفعلنا
____________________

( ^ لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ( 33 ) ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون ( 34 ) وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * هذا لهوان الدنيا عندنا .
وقوله : ( ^ لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ) وقرئ : ' سقفا ' بفتح السين يعني : جعلنا جدرها فضة .
وقوله : ( ^ ومعارج عليها يظهرون ) أي : جعلنا لهم مراقي من فضة يظهرون عليها على السقف . ومعناه : يظهرون يصعدون ويعلون . وفي الأخبار : أن نابغة بن جعدة أنشد للنبي :
( بلغت السماء عفة وتكرما ** وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا )
أي : معلا ، فقال له النبي : ' إلى أين يا أبا ليلى ؟ ' قال : إلى لجنة . قال : ' أجل إن شاء الله ' . < < الزخرف : ( 34 ) ولبيوتهم أبوابا وسررا . . . . . > >
وقوله : ( ^ ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون ) أي : جعلنا ذلك لهم من فضة . < < الزخرف : ( 35 ) وزخرفا وإن كل . . . . . > >
وقوله : ( ^ وزخرفا ) فيه قولان : أحدهما : وذهبا أي : ( جعلنا ) جميع ذلك من ذهب . فإن قال قائل لم أنتصب ؟ قلنا : لأن المعنى من فضة ومن ذهب ، فنزعت ' من ' فانتصب . وفي قراءة ابن مسعود : ' وذهبا ' وهذا يبين صحة هذا القول .
والقول الثاني : أن قوله : ( ^ وزخرفا ) أي : غنى . وعن الحسن قال : الزخرف هي النقوش . وقيل : كل ما هو زينة في الدنيا .
وقوله : ( ^ وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا ) أي : تكون مدة ويفنى سريعا .
____________________

( ^ عند ربك للمتقين ( 35 ) ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ( 36 ) وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون ( 37 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ والآخرة عند ربك للمتقين ) أي : للمتقين من الشرك والمعاصي . < < الزخرف : ( 36 ) ومن يعش عن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ومن يعش عن ذكر الرحمن ) قال قتادة : يعرض . ومنه قولهم : فلان يعشو أي : يمشي ببصر ضعيف . [ يقال ] : عشا يعشو إذا ضعف بصره ، وعشى يعشي إذا عمى بصره ، ومنه الأعشى . وفي الحديث أن سعيد بن المسيب ذهبت إحدى عينيه وجعل يعشو بالأخرى أي : يبصر بصرا ضعيفا . وقرئ : ' يعش ' بنصب الشين أي : يعمى . ويقال في معنى قوله : ( ^ يعش عن ذكر الرحمن ) أي : يذهب عن ذكره ؛ فيسير في ظلمة وخبط عن جهالة .
وقوله : ( ^ نقيض له شيطانا ) أي : نوكل به شيطانا . ويقال : نلقيه شيطانا . وفي التفسير : أن الكافر إذا خرج من القبر لقيه شيطان ، فأدخل يده في يده ، ولا يزال معه حتى يصير إلى النار ، والمؤمن إذا خرج من قبره يلقاه ملك ، فيدخل يده في يده ، فلا يزال معه حتى يصير إلى الجنة .
وقوله : ( ^ فهو له قرين ) أي : مقارن . ويقال : يجعلان في سلسلة واحدة . < < الزخرف : ( 37 ) وإنهم ليصدونهم عن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وإنهم ليصدونهم عن السبيل ) أي : الشياطين يصدونهم عن طريق الحق .
وقوله : ( ^ ويحسبون أنهم مهتدون ) أي : الكفار يحسبون أنهم مهتدون بإرشاد الشياطين .
وفي بعض المسانيد برواية أبي بكر رضي الله عنه أن النبي قال : ' عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار ، فأكثروا منها فإن إبليس قال : أهلكت بني آدم بالذنوب ،
____________________

( ^ حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ( 38 ) ولن ينفعكم اليوم إذا ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ( 39 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار ، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء ، ثم قرأ النبي : ( ^ ويحسبون أنهم مهتدون ) ' . < < الزخرف : ( 38 ) حتى إذا جاءنا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ حتى إذا جاءنا ) وقرئ : ' جاءانا ' ، فقوله : ' جاءنا ' هو الكافر وحده ، وقوله : ' جاءانا ' هو الكافر وقرينه الشيطان .
وقوله : ( ^ قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ) فيه قولان : أحدهما : بعد المشرق من المغرب ، وسماها مشرقين على عادة العرب ، فإنهم يذكرون [ شيئين ] مختلفين ويسمونهما باسم واحد ، قال الشاعر :
( أخذنا بآفاق السماء عليكم ** لنا قمراها والنجوم الطوالع )
أي الشمس والقمر .
وقال آخر :
( وبصرة الأزد لنا والعراق ** والموصلان ومنا مصر والحرم )
وأراد بالموصلين الموصل والجزيرة .
وروى أن أهل البصرة قالوا لعلي رضي الله عنه حين حاربوه مع عائشة يوم الجمل : إنا نطلب منك سنة العمرين يعني : أبا بكر وعمر ، وقال جرير :
( ما كان يرضى رسول الله فعلهم ** والعمران أبو بكر ولا عمر )
والقول الثاني : بعد المشرقين أي : مشرق الشتاء ومشرق الصيف .
وقوله : ( ^ فبئس القرين ) أي : بئس المقارن أنت . < < الزخرف : ( 39 ) ولن ينفعكم اليوم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ) أي : لن يسهل عليكم عذابكم رؤيتكم غيركم مشاركين لكم في العذاب ، فكأن الله
____________________

( ^ أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين ( 40 ) فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون ( 41 ) أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون ( 42 ) فاستمسك ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * تعالى منعهم التأسي بما يسهل على الإنسان المصيبة والعقوبة ، فإنه إذا كان في مصيبة فرأى غيره في مثلها سهل عليه . والتأسي [ التسلي ] . قالت الخنساء في أخيها صخر :
( ولولا كثرة الباكين حولي ** على إخوانهم لقتلت نفسي )
( وما يبكون مثل أخي ولكن ** أعزي النفس [ عنه ] بالتأسي ) < < الزخرف : ( 40 ) أفأنت تسمع الصم . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين ) أي : لا تسمع ولا تهدي . < < الزخرف : ( 41 ) فإما نذهبن بك . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون ) فيه قولان : أحدهما معناه : فإنما نخرجنك من مكة ، فإنا منتقمون منهم يوم بدر بالقتل والأسر .
والقول الثاني : ( ^ فإما نذهبن بك ) يعني : بالوفاة ، فإنا منتقمون منهم بعدك ، ويقال : يوم القيامة . < < الزخرف : ( 42 ) أو نرينك الذي . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أو نرينك الذي وعدناهم ) قال السدى : هذا في المشركين . وقال الحسن وقتادة : هذا في أمته . ' وروى أن النبي أرى في أمته بعض ما يصيرون إليه ، فما رؤي ضاحكا نشيطا بعد ذلك إلى أن فارق الدنيا ' .
وفي بعض التفاسير : أنه ما من نبي إلا وأري النقمة في أمته إلا نبينا ، فإن الله تعالى لم يره النقمة في أمته ، وقد كان في أمته من النقمات ، ويكون إلى قيام الساعة .
وقوله : ( ^ فإنا عليهم مقتدرون ) أي : قادرون .
____________________

( ^ بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم ( 43 ) وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون ( 44 ) واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < الزخرف : ( 43 ) فاستمسك بالذي أوحي . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فاستمسك بالذي أوحى إليك ) أي : بالقرآن .
وقوله : ( ^ إنك على صراط مستقيم ) أي : طريق واضح . < < الزخرف : ( 44 ) وإنه لذكر لك . . . . . > >
وقوله : ( ^ وإنه لذكر لك ولقومك ) أي : القرآن شرف لك ولقومك .
وقوله : ( ^ وسوف تسألون * ) أي : تسألون عن شكر هذه النعمة . وعن قتادة أو غيره في هذه الآية قال : يقال للرجل : ممن أنت ؟ فيقول : من العرب . فيقال له : من أي العرب ؟ فيقول : من قريش ، فهو معنى قوله : ( ^ وإنه لذكر لك ولقومك ) وروى بعضهم عن مالك بن أنس قال : ( ^ وإنه لذكر لك ولقومك ) هو قول القائل : حدثني أبي عن جدي ، والمعروف هو القول الأول ، ومعنى شرف قريش : أن القرآن نزل بلغتهم ، والرسول كان منهم . < < الزخرف : ( 45 ) واسأل من أرسلنا . . . . . > >
( ^ [ واسأل من أرسلنا من قبلك ] من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ) المعروف من القول في هذه الآية أن معناه : واسأل أمم من أرسلنا من قبلك من رسلنا . قال ابن الأنباري معناه : وسل تباع من أرسلنا من قبلك من رسلنا . وقال بعضهم : واسأل الذين يقرءون الكتاب ممن أرسلنا إليهم رسلا من قبلك . وفي مصحف ابن مسعود : ' واسال الذين أرسلنا إليهم رسلا من قبلك هل جعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ' وهي تفسير القراءة المعروفة .
والقول الثاني في الآية : ما رواه عطاء عن ابن عباس : أن الله تعالى جمع المرسلين ليلة الإسراء في مسجد بيت المقدس ثم إن جبريل أذن ، ثم أقام ، ثم قال للنبي : تقدم وصل بهم ، فلما فرغ من صلاته ، قال له : ' وسل من أرسلنا من قبلك من رسلنا
____________________

( ^ يعبدون ( 45 ) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين ( 46 ) فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون ( 47 ) وما نريهم من آية إلا هي أكبر ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * وزعم بعضهم أنه سألهم فأجابوا وقالوا : ما أمرنا الله تعالى إلا بالتوحيد والإخلاص . وفي بعض التفاسير : أن ميكائيل قال لجبريل : هل سأل محمد الرسل عما أمر به ؟ فقال : لا ، كان أشد يقينا وأعلم بالله من أن يسال عن ذلك . فإن قال قائل : ما وجه السؤال والجواب في هذه المسالة ؟ والسؤال عن هذا إنما يكون من شاك في الأمر أما من مستقين فلا ، والجواب : أن المراد من الآية هو تقرير الرسول على ما يعتقده وتوبيخ الكفار وتوقيفهم أن الأمر على ما يقول الرسول . وقال بعضهم : الخطاب للرسول والمراد منه الأمة ، ويقال : [ إن ] الخطاب للمشركين كأنه أمرهم أن يسألوا مؤمني أهل الكتاب ، هل أمر الله بما يزعمونه في كتاب من كتبهم ، وهو عبادة الأصنام وتعظيمها ؟ وقد كانوا يرجعون إلى قول أهل الكتاب في بعض الأشياء ، ويعتمدون عليه ، والله أعلم . < < الزخرف : ( 46 ) ولقد أرسلنا موسى . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين ) ظاهر المعنى . < < الزخرف : ( 47 ) فلما جاءهم بآياتنا . . . . . > >
وقوله : ( ^ فلما جاءهم بآياتنا ) أي : بالمعجزات والدلالات .
وقوله : ( ^ إذا هم منها يضحكون ) يعني : ضحك المستهزئين المكذبين ، والمراد من الآية تعجيب الرسول من ضحكهم وتكذيبهم مع ورود الآيات الظاهرة مع موسى صلوات الله عليه . < < الزخرف : ( 48 ) وما نريهم من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها ) أي : أعظم من الآية المتقدمة . وفي تفسير النقاش : أن الآية الأولى من آيات موسى أن فرعون كان قد جعل على قصره سبع حوائط ، بين كل حائطين سباغ وغياض ، والأبواب على الحيطان كانت تقفل ولا تفتح إلا بإذنه ؛ فلما حضر موسى باب فرعون ، انفتحت له الأبواب ،
____________________

( ^ من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون ( 48 ) وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * وانكسرت الأقفال ، وسجدت له السباع حتى وصل إلى قصر فرعون ، فهذه الآية الأولى ، ثم إنه لما أحضر فرعون السحرة وألقوا العصا والحبال ، وهي شبه الحيات الكبار في أعين الناس ثم ألقى موسى العصا التي كانت معه ، وتلقفت جميع الحبال والعصي على ما هو المعروف في القصة ، فهذه الآية أعظم من الأولى . وزعم بعضهم أن الآيات كلها سواء في الإعجاز والدلالة ، إلا أنه سمى الآية الحاضرة أكبر من الذاهبة لحضور هذه الآية وذهاب تلك . وهذا كالرجل يقول في علة تصيبه : ما مرت بي علة مثل هذه العلة ، وإن كان قد مرت عليه علل هي أكبر منها أو مثلها ، ولكنه يقول هذا القول ( لحضور ) هذه العلة وذهاب تلك العلة . ومنهم من قال : المراد من الآيات قوله تعالى : ( ^ فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ) وما من آية أظهرها بعد آية إلا وهي أكبر من الأولى ، وما ذكرناه من القول الأول هو الأحسن في المعنى .
وقوله : ( ^ وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون ) أي : إلى الله تعالى . < < الزخرف : ( 49 ) وقالوا يا أيها . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون ) فإن قيل : كيف قالوا : يا أيها الساحر ثم قالوا : إننا لمهتدون بك [ ولا يهتدي أحد ] بالساحر ؟ والجواب : أن الساحر عندهم هو العالم ، ومعنى قوله ( ^ يا أيها الساحر ) أي : يا أيها العالم ، وهذا قول الكلبي وغيره . وقال الزجاج : قالوا يا أيها الساحر على ما ( كانوا ) من قولهم له . وقال بعضهم : إنما قالوا ذلك على طريق الاستهزاء والسخرية ولم يكونوا اعتقدوا أن يؤمنوا به .
وقوله : ( ^ بما عهد عندك ) إنما قالوا ذلك لأن موسى قال لهم : إن آمنتم كشف الله عنكم هذه العقوبة ، وهذا مذكور في سورة الأعراف على ما سبق .
____________________

( ^ بما عهد عندك إننا لمهتدون ( 49 ) فلما كشفنا عنهم العذاب إذ هم ينكثون ( 50 ) ونادى فرعون فى قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < الزخرف : ( 50 ) فلما كشفنا عنهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فلما كشفنا عنهم العذاب إذ هم ينكثون ) أي : ينقضون العهد ، ولا يقولون بقولهم . < < الزخرف : ( 51 ) ونادى فرعون في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر ) قال بعضهم : كان ملكه أربعين فرسخا في أربعين . وقال بعضهم : مسيرة أربعين يوما في أربعين يوما .
وقوله : ( ^ وهذه الأنهار تجري من تحتي ) أي : من تحت قصري ، وقال قتادة : بين يدي . وفي تفسيرالنقاش : أنه كان في زمان فرعون خمسة أنهار بمصر اندرست من بعد ، ولم يبق منها شيء . وفي هذا التفسير أيضا : أنه كان بمصر سبع خلج التي واحدها خليج ، واندرست من بعد ، وكان فرعون يركب من فيوم إلى دمياط والإسكندرية فلا يسير إلا تحت الأشجار ملتفة وأنهار جارية .
وقد ثبت عن النبي أنه قال : ' رأيت ليلة المعراج سدرة المنتهى وإذا يخرج من أصلها أربعة أنهار : نهران باطنان ، ونهران ظاهران قال : فسألت جبريل عن الأنهار فقال : أما الباطنان ففي الجنة ، وأما الظاهران فالنيل والفرات ' .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال : إن الله تعالى يغذي النيل بجميع الأنهار من بين المشرق والمغرب ، وذلك عند زيادته إلى أن تنتهي الزيادة منتهاها ، ثم يرجع إلى ما كان عليه .
وقوله : ( ^ أفلا تبصرون ) يعني : أفلا ترون . وفي بعض التفاسير : أن معنى الأنهار في هذه الآية هي الأموال ، وسماها أنهار لكثرتها وظهورها .
وقوله : ( ^ تجري من تحتي ) أي : أفرقها على من شئت . قالوا : وإظهار الترغيب
____________________

( ^ أفلا تبصرون ( 51 ) أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ( 52 ) فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترين ( 53 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * والقدرة في هذا أكبر منه في الأنهار ، ذكره الماوردي أبو الحسن القاضي . < < الزخرف : ( 52 ) أم أنا خير . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ) قال بعضهم قوله : ( ^ أم ) متصل بما قبله ، ومعناه : أفلا تبصرون أم تبصرون . وقيل : أم أنتم بصراء وتم الكلام على هذا ، ثم ابتداء قوله : ( ^ أنا خير ) وهذا محكي عن الخليل وسيبويه ، وقال بعضهم : ' أم ' صلة زائدة ، والكلام في قوله : ( ^ أنا خير من هذا الذي هو مهين ) وفي بعض القراءات : ( أنا خير ) على التفخميم .
وقوله : ( ^ من هذا الذي هو مهين ) أي : ضعيف حقير .
وقوله : ( ^ ولا يكاد يبين ) قال أهل التفسير : إنما قال هذا للثغة التي كانت في لسانه ، وذلك بما كان بقي في لسانه من العقدة بإلقائه الجمرة في فيه . وقال بعضهم : إنه كان بلسانه لا يمكنه تبيين الكلام غاية البيان ، وأنشدوا فيما ذكرنا من قوله : ( ^ أم ) قول الشاعر :
( فيا ظبية الوغا بين خلاخل ** وبين النقا أنت أم سالم )
معناه : أنت أحسن أم سالم . < < الزخرف : ( 53 ) فلولا ألقي عليه . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب ) وفي قراءة ابن مسعود : ' أساور من ذهب ' وفي القصة : أنهم كانوا إذا سوروا [ رجلا ] سوروه بسوار من ذهب في يده ، وطوقوه بطوق من ذهب في عنقه . والمراد من الآية أنهم قالوا : ولو كان موسى نبيا فهلا سوره الله سوارا ، أو طوقه بطوق ، أو بعث معه لملائكة أعوانا له على أمره ، فهو معنى قوله : ( ^ أو جاء معه الملائكة مقترنين ) أي : متتابعين يتب بعضهم بعضا .
____________________

( ^ فاستخف قومه فأطاوه إنهم كانوا قوما فاسقين ( 54 ) فلما آسفونا انتقمنت منهم فأغرقناهم أجمعين ( 55 ) فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين ( 56 ) ولما ضرب ابن مريم ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < الزخرف : ( 54 ) فاستخف قومه فأطاعوه . . . . . > >
وقوله : ( ^ فاستخف قومه فأطاعوه ) أي : حركهم بدعائه إياهم ( إلى ) باطله ، فخفوا معه وأجابوه ، ويقال : استفزهم ، فأطاعوه بجهلهم .
وقوله : ( ^ إنهم كانوا قوما فاسقين ) أي : خارجين عن الطاعة . ويقال : استخف قومه أي : حملهم على خفة الجهل ، ومع العقل الوقار ، ومع الجهل الخفة . < < الزخرف : ( 55 - 56 ) فلما آسفونا انتقمنا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فلما آسفونا ) أي : أغضبونا وأسخطونا . فإن قيل : الأسف إنما يكون على شيء فائت ، والله تعالى لا يفوته شيء ؟
والجواب [ عنه ] : أن معناه الغضب كما بينا ، وقال بعضهم : آسفونا أي : فعلوا فعلا لو فعلوه مع مخلوق لكان متأسفا حزينا . وفي بعض الآثار : أن عروة بن الزبير كان جالسا مع وهب بن منبه ، فجاء قوم فشكوا عاملهم ، وكان العامل حاضرا ، فغضب وهب بن منبه وأخذ عصا وشج رأس العامل ، فضحك عروة بن الزبير فقال : انظروا إلى هذا ينهى عن الغضب ويغضب ؟ فقال وهب : لا ، لا تلمني ، فإن الله تعالى يغضب وهو خالق الأحلام ، ثم قرأ قوله تعالى : ( ^ فلما آسفونا انتقمنا منهم ) ومعنى قوله : ( ^ انتقمنا منهم ) أي : بالإغراق والإهلاك ، وهو معنى قوله : ( ^ فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين ) أي : سلفا للكبار ومن بعدهم ، ومثلا لمن فعل مثل فعلهم . ومعنى ' مثلا ' أي : عظة وعبرة . وقرئ ' سلفا ' وهو جمع سليف ، وقرئ : ' سلفا ' والمعنى في الكل واحد . وعن زيد بن أسلم قال : ما من أحد إلا وله سلف في الخيروالشر . < < الزخرف : ( 57 ) ولما ضرب ابن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولما ضرب ابن مريم مثلا ) أكثر المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مخاصمة عبد الله بن الزبعري رسول الله في قوله تعالى : ( ^ إنكم وما
____________________

( ^ مثلا إذا قومك منه يصدون ( 57 ) وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * تعبدون من دون الله حصب جهنم ) ، فإنه لما نزل قوله تعالى : ( ^ إنكم وما تعبدون ) إلى قوله : ( ^ أنتم له واردون ) وقرأها رسول الله على كفار قريش ، قال عبد الله بن الزبعري : هذا لنا ولآلهتنا خاصة أم لنا ولجميع الأمم وآلهتهم ؟ . فقال : بل لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم وآلهتهم ، فقال ابن الزعبري : خصمتك ورب الكعبة ، ثم ذكر ما أوردنا من قبل في حق عيسى وعزيز والملائكة عليهم السلام ، فعلى هذا قوله تعالى : ( ^ ولما ضرب ابن مريم مثلا ) معناه : لما جعلوا ابن مريم مثلا لآلهتهم ، وقالوا : إذا كان ابن مريم في النار فرضينا أن نكون نحن وآلهتنا في النار ' .
وقوله : ( ^ إذا قومك منه يصدون ) بكسر الصاد أي : يضجون ضجاج المجادلين ، ويقال : يصدون أي : يضحكون ويفرحون بقول ابن الزبعري . وقرئ ' ' يصدون ' بضم الصاد ، ومعناه : يعرضون ، وفي الآية قول آخر : وهو أن النبي لما ذكر حديث [ عيسى ] لقريش ، وأنه خلقه الله تعالى من غير أب كما خلق آدم من غير أب ، وذكر ما أظهر الله على يده من الآيات جعلت قريش يضحكون ، وقاوا ما يريد محمد من ذكر عيسى إلا أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى ، وهذا قول مجاهد . < < الزخرف : ( 58 ) وقالوا أآلهتنا خير . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وقالوا أآلهتنا خير أم هو ) على القول الأول معناه : أآلهتنا خير أم عيسى ؟ بل عيسى خير من آلهتنا ، فإذا كان عيسى في النار فلتكن آلهتنا في النار . وعلى القول الثاني : أآلهتنا خير أم هو ؟ يعني : محمدا ، فإذا كان محمد يطلب أن نعبده فنحن نعبد آلهتنا . وفي قراءة أبي بن كعب : ' أآلهتنا خير أم هذا ' ؟ وهذا يؤيد القول الثاني .
وقوله : ( ^ ما ضربوه لك إلا جدلا ) يعني : ما قالوا هذا القول إلا مجادلة بالباطل ؛
____________________

( ^ هم قوم خصمون ( 58 ) إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ( 59 ) ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ( 60 ) وإنه لعلم للساعة فلا تمترن ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * لأنهم علموا أن ابن مريم لا يدخل النار وعلموا أنه غير داخل في الآية ؛ لأن الله تعالى قال : ( ^ إنكم وما تعبدون ) و ' ما ' لمن لا يعقل ، لا لمن يعقل .
وقوله : ( ^ بل هم قوم خصمون ) أي : مخاصمون بغير الحق ، وقد ثبت عن النبي برواية أبي أمامة رضي الله عنه أنه عليه السلام قال : ' ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ، ثم قرأ قوله تعالى : ( ^ ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ) . والمراد بالآية المجادلة بالباطل لا المجادلة في طلب الحق أو لبيان الحق ؛ لأنه تعالى قد قال في موضع آخر : ( ^ وجادلهم بالتي هي أحسن ) وقال تعالى : ( ^ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) . < < الزخرف : ( 59 ) إن هو إلا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن هو إلا عبد ) يعني : عيسى عليه السلام وما عيسى ابن مريم إلا عبد ( ^ أنعمنا عليه ) أي : بالنبوة والآيات .
وقوله : ( ^ وجعلناه مثلا ) أي : عظة وعبرة لبني إسرائيل ، ويقال : جعلناه مثلا لهم أي : بشرا مثلهم . < < الزخرف : ( 60 ) ولو نشاء لجعلنا . . . . . > >
وقوله : ( ^ ولو نشاء لجعلنا منكم ) أي : بدلا منكم ( ^ ملائكة في الأرض يخلفون ) أي : تخلفكم ، ويقال : يخلف بعضكم بعضا . < < الزخرف : ( 61 ) وإنه لعلم للساعة . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وإنه لعلم للساعة ) معناه . أن عيسى عليه السلام شرط من
____________________

( ^ بها واتبعون هذا صراط مستقيم ( 61 ) ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين ( 62 ) ولما جاء عيسى بلبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * أشراط الساعة ، فيعلم بنزوله علم الساعة ، وقد ثبت عن النبي أنه قال : ' لينزلن ابن مريم حكماً مقسطا يكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ' . الخبر .
وفي بعض الأخبار : أنه ' ينزل على ثنية فوق جبل من جبال بيت المقدس وليه ممصرتان وبيده حربة يقتل بها الدجال ' ، وقرأ ابن عباس : ( ^ وإنه لعلم للساعة ) أي : آية من آيات حضورها .
قال الفرزدق يمدح علي بن الحسين :
( هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ** والركن يعرفه والحل والحرم )
( هذا ابن خير عباد الله كلهم ** هذا التقي النقي الطاهر العلم )
وقوله : ( ^ فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم ) أي : لا تشكن فيها أي : القيامة ، والباقي ظاهر المعنى . < < الزخرف : ( 62 ) ولا يصدنكم الشيطان . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين ) قال ابن عباس : من عداوته أنه أخرج أباكم من الجنة ، ونزع عنهم لباس النور . < < الزخرف : ( 63 ) ولما جاء عيسى . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ) قال أبو عبيدة : كل الذي تختلفون فيه . وقال غيره من أهل اللغة : لا يصح البعض بمعنى الكل ، ومعنى الآية : ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه في الإنجيل ، وبعض الذي تختلفون فيه في غير الإنجيل . ويقال معناه : ولأبين لكم ما اختلفتم فيه من أمر دينكم لا من أمر دنياكم ، فهو بعض ما اختلفتم فيه ، والله أعلم .
____________________

( ^ فاتقوا الله وأطيعون ( 63 ) إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ( 64 ) فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم ( 65 ) هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون ( 66 ) الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ فاتقوا الله وأطيعون ) ظاهر المعنى . < < الزخرف : ( 64 ) إن الله هو . . . . . > >
وقوله : ( ^ إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ) قد بينا . < < الزخرف : ( 65 ) فاختلف الأحزاب من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فاختلف الأحزاب من بينهم ) هؤلاء هم الذين اختلفوا في عيسى بعد رفعه إلى السماء ، فقال بعضهم : هو ابن الله ، وقال بعضهم : هو الله ، وقال بعضهم : هو ثالث ثلاثة .
وقوله : ( ^ فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم ) أي : موجع . < < الزخرف : ( 66 ) هل ينظرون إلا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ) أي : فجأة ، وقوله : ( ^ وهم لا يشعرون ) أي : لا يعلمون بمجيئها ، قال أهل العلم : وقد أخفى الله تعالى أمر الساعة وزمان قيامها ليكون أبلغ في الإنذار والتخويف . < < الزخرف : ( 67 ) الأخلاء يومئذ بعضهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو ) في التفسير : أنهم أمية بن خلف ، وعقبة بن أبي معيط ، والوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، وأبو جهل بن هشام ، والنضر بن الحارث ، وحفص بن المغيرة ، وعتبة بن ربيعة . وذكر النقاش : أن عقبة بن أبي معيط كان صديقا لأمية بن خلف ، وكان غقبة يأتي النبي ويجلس عنده ويسمع كلامه ، فقال له أمية بن خلف : لقد صبوت يا عقبة ، فقال : والله ما صبوت . فقال : وجهي من وجهك حرام إن لم تتفل في وجه محمد ، ففعل عقبة ذلك ، فقال له الرسول : ' لئن قدرت عليك خارج الحرم لأريقن دمك ، فضحك عقبة ، وقال : يا ابن أبي كبشة ، ومن أين تقدر علي خارج الحرم ؟ فلما كان يوم بدر وأسر عقبة أمر النبي عليا في بعض الطريق أن يضرب عنقه ، فقال : يا معشر قريش ، مالي أقتل من بينكم . فقال النبي : بتكذيبك الله وتكذيبك رسوله . فقال : ومن للمصبية ؟ فقال : النار ' .
____________________

( ^ المتقين ( 67 ) يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ( 68 ) الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ( 69 ) ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ( 70 ) يطاف عليهم ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * وفي بعض الأخبار عن النبي ، وقيل : هو عن علي ، قال : ' الأخلاء أربعة : مؤمنان ، وكافران ، فيتقدم أحد المؤمنين فيقال له : ما تقول في فلان ؟ يعني : خليله فيقول : لقد عرفته آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ، اللهم بشره كما بشرتني ، وارض عنه كما رضيت عني ، ويتقدم أحد الكافرين فيقال له : ما تقول في فلان ؟ يعني : خليله ، فيقول : عرفته آمرا بالمنكر ناهيا عن المعروف ، اللهم أدخله النار كما أدخلتني ، واخزه كمت أخزيتني ' ؟
وفي التفسير : أن كل أخوة تكون في الدنيا عن معصية تصير عداوة يوم القيامة ، وكل أخوة تكون عن دين تبقى يوم القيامة .
وعن مجاهد قال : قال لي ابن عباس : أحب لله وأبغض لله ، ووال في الله ، وعاد في الله ، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بهذا .
وقوله : ( ^ إلا المتقين ) فقال : إن هذا في أصحاب النبي حين آخى رسول الله بينهم قال : رسول الله وعلى أخوان ، وأبو بكر وعمر أخوان ، وطلحة والزبير أخوان ، وعثمان وعبد الرحمن بن عوف أخوان ، إلى غير هذا . < < الزخرف : ( 68 ) يا عباد لا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يا عباد لا خوف عليكم اليوم ) وروى أن الله تعالى يقول يوم القيامة : ( ^ يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ) فيرفع جميع الخلائق رءوسهم ، < < الزخرف : ( 69 ) الذين آمنوا بآياتنا . . . . . > > فيقول : ( ^ الذين آمنوا بآياتنا ) فيرفع جميع المؤمنين واليهود والنصارى رءوسهم فيقول : ( ^ وكانوا مسلمين ) فينكس جميع الخلق رءوسهم سوى المسلمين . وذكر بعضهم قوله : ( ^ الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ) مرة واحدة في النداء . < < الزخرف : ( 70 ) ادخلوا الجنة أنتم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ) أي : تنعمون ، وقيل :
____________________

( ^ بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون ( 71 ) وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ( 72 ) لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون ( 73 ) إن المجرمين في عذاب حهنم خالدون ( 74 ) لا يفتر عنهم وهم فيه ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * تكرمون . والحبورة في اللغة هي السرور والفرح . يقال : ما من حبرة إلا وبعدها عبرة ، وعن يحيى بن أبي كثير قال : تحبرون هو السماع في الجنة . < < الزخرف : ( 71 ) يطاف عليهم بصحاف . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يطاف عليهم بصحاف من ذهب ) الصحاف : القصاع ، واحدها [ صحفة ] . وفي التفسير : سبعون ألف [ صحفة ] فيها ألوان الأطعمة .
وقوله : ( ^ وأكواب ) الأكواب واحدها كوب ، وهو إناء مستدير ليس له عروة ولا خرطوم .
وقوله : ( ^ وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ) أي : تشتهيه الأنفس ، وقد قرئ هكذا في بعض القراءة المعروفة .
وقوله : ( ^ وتلذ الأعين ) إنما نسب اللذة إلى الأعين ؛ لأن المناظر الحسنة تلذ النفوس ، فنسب اللذة إلى الأعين ؛ لأن نسبتها كانت إليها أليق .
وقوله : ( ^ وأنتم فيها خالدون ) أي : مقيمون لا يخرجون أبدا . < < الزخرف : ( 72 ) وتلك الجنة التي . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وتلك الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) قال ابن عباس : ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار ، فيرث المؤمن منزل الكافر في الجنة ، ويرث الكافر منزل المؤمن في النار . < < الزخرف : ( 73 ) لكم فيها فاكهة . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون ) ظاهر المعنى . < < الزخرف : ( 74 ) إن المجرمين في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون ) أي : مقيمون . < < الزخرف : ( 75 ) لا يفتر عنهم . . . . . > >
وقوله : ( ^ لا يفتر عنهم ) أي : لا يخفف عنهم .
____________________

( ^ مبلسون ( 75 ) وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ( 76 ) ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون ( 77 ) لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون ( 78 ) أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون ( 79 ) أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ وهو فيه مبلسون ) أي : آيسون من الخروج ، والملبس في اللغة هو الساكت الذي سكت تحيرا ويأسا . < < الزخرف : ( 76 ) وما ظلمناهم ولكن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ) معناه : إنا جازيناهم بعملهم ، ولم نزد عليهم شيئا . < < الزخرف : ( 77 ) ونادوا يا مالك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ) أي : ليمتنا ربك . قال عبد الله ابن عمرو بن العاص : ينادون [ مالكا ] أربعين سنة . وقال ابن عباس : ينادونه ألف سنة ثم يجيبهم فيقول : إنكم ماكثون ، ثم ينادون الله تعالى ، ويقولون ( ^ ربنا غلبت علينا شقوتنا ) فلا يجيبهم عمر الدنيا ، ثم يقول : ( ^ اخسأوا فيها ولا تكلمون ) . فلا يسمع منهم بعد ذلك إلا شبه صوت الحمر من الزفير والشهيق . < < الزخرف : ( 78 ) لقد جئناكم بالحق . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ لقد جئناكم بالحق ) أي : بالقرآن .
وقوله : ( ^ ولكن أكثرهم للحق كارهون ) أي : كرهتم مجيء الحق ودعوتكم إليه . < < الزخرف : ( 79 ) أم أبرموا أمرا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم أبرموا أمرا ) الإبرام هو إحكام الأمر ، ومعناه : أنهم عزموا وأجمعوا على التكذيب ، ونحن أجمعنا على التعذيب ، فهذا معنى قوله : ( ^ فإنا مبرمون ) ويقال : أم أبرموا أي : كادوا كيدا ، ومكروا مكرا ، وقوله : ( ^ فإنا مبرمون ) ) أي : نقابل كيدهم ومكرهم بالإبطال ، ونجازيهم جزاء مكرهم ، وهو في معنى قوله تعالى : ( ^ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) . < < الزخرف : ( 80 ) أم يحسبون أنا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ) روى أن الأخنس والأسود بن عبد يغوث كانا عند الكعبة ، فقال أحدهما لصاحبه : أترى الله يسمع ما
____________________

( ^ ورسلنا لديهم يكتبون ( 80 ) قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ( 81 ) سبحان ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * نقول : فقال الآخر : إن جهرنا يسمع ، وإن أسررنا لم يسمع ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وقوله : ( ^ بلى ورسلنا ) يعني : بلى نسمع ( ^ ورسلنا لديهم يكتبون ) أي : يكتبون بما يعملون ويقولون . < < الزخرف : ( 81 ) قل إن كان . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ) الآية مشكلة ، وفيها أقوال : أحدها : قول مجاهد ، وهو أن معناه : قل إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول العابدين أنه إله لا ولد له ولا شريك له ، وأن ما قلتموه باطل وكذب ، وهذا أحسن الأقاويل .
والقول الثاني : أن ' إن ' هاهنا بمعنى ' ما ' ، ومعناه : قل ما كان للرحمن ولد وتم الكلام ، ثم قال : فأنا أول العابدين ، وأهل النحو يستبعدون هذا ، ويقولون : لا يجوز أن تكون ' إن ' بمعنى ' ما ' إلا على بعد عظيم .
والقول الثالث : قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين أي : الآنفين ، يقال : عبد إذا أنف ، قال الفرزدق :
( أولئك آبائي فجئني بمثلهم ** وأعبد أن يهجى كليب بدارم ) أي : آنف . وحكى بعضهم : أن عليا رضي الله عنه قال : قيل لي : إنك قتلت عثمان فعبدت وسكت أي : أنفت .
وحقيقة المعنى في الآية على هذا القول : أنى غضب ( وله غضب ) أنف أن ينسب إليه ولد كما تزعمون .
____________________

( ^ رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون ( 82 ) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعون ( 83 ) وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم ( 84 ) وتبارك الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون ( 85 ) ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
والقول الرابع : أن هذا على النفي من الجانبين بمعنى : إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ، وليس له ولد ولا أنا أول عابد ، وهذا كالرجل يقول لغيره : إن كنت كاتبا فأنا حاسب يعني : لست بكاتب ولا أنا حاسب ، وحكى هذا عن سفيان بن عيينة والسدى . < < الزخرف : ( 82 ) سبحان رب السماوات . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ سبحان رب السموات والأرض ) أي : خالق السموات والأرض .
وقوله : ( ^ رب العرش عما يصفون ) أي : عما يصفونه بالولد . < < الزخرف : ( 83 ) فذرهم يخوضوا ويلعبوا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ) أي : يوم القيامة . < < الزخرف : ( 84 ) وهو الذي في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ) أي : معبود في السماء والأرض .
وقوله : ( ^ وهو الحكيم العليم ) قد بينا . < < الزخرف : ( 85 ) وتبارك الذي له . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وتبارك الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة ) أي : علم قيام الساعة .
وقوله : ( ^ وإليه ترجعون ) أي : تردون . < < الزخرف : ( 86 ) ولا يملك الذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ) قال مجاهد : أي : عيسى وعزيز والملائكة . وقال قتادة : الأصنام لأن للملائكة والنبيين شفاعة .
وقوله : ( ^ إلا من شهد بالحق ) معناه على القول الأول : إلا لمن شهد بالحق ، وهو من شهد بلا إله إلا الله . وعلى القول الثاني : لكن من شهد بالحق وهو يشفع ، فعلى
____________________

( ^ بالحق وهم يعلمون ( 86 ) ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون ( 87 ) وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ( 88 ) فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ( 89 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * هذا الأنبياء يشفعون ، والمؤمنون يشفعون .
وقوله : ( ^ وهو يعلمون ) ظاهر المعنى ، ومعناه : يشهدون عن علم . < < الزخرف : ( 87 ) ولئن سألتهم من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون ) أي : يصرفون . < < الزخرف : ( 88 ) وقيله يا رب . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وقيله يا رب ) فيه قراءتان معروفتان : ' وقيله ' بنصب اللام ، ' وقيله ' بكسر اللام ، والقراءة الثالثة : ' قيله ' بالضم ، وهي قراءة الأعرج ، أما بنصب اللام فمعناه : ويسمع قيله ، فهو راجع إلى قوله : ( ^ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ) أي : بلى نسمع سرهم ونجواهم ، ونسمع قيله . وقال الزجاج : ونعلم قيله ، وهو راجع إلى قوله : ( ^ وعنده علم الساعة ) ويعلم قيله . وعن بعضهم : ' وقيله ' أي : وقال : قيله أي : قال : قوله من الشكوى عن الكفار يعني : الرسول صلوات الله عليه .
وأما القراءة بكسر اللام فمعناه : وعنده علم قيله ، وهو عطف على قوله تعالى : ( ^ وعنده علم الساعة ) .
وأما رفع اللام فعلى الابتداء ، فكأنه قال : وقوله يارب ، إن هؤلاء قوم لا يؤمنون . < < الزخرف : ( 89 ) فاصفح عنهم وقل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فاصفح عنهم ) أي : أعرض عنهم ، وهذا قبل نزول آية السيف . [ فنسخت ] بآية السيف .
وقوله : ( ^ وقل سلام ) أي : قل ما تسلم به عن شرهم ، قال الحسن : ' وقل سلام ' أي : احلم عنهم . ويقال : هذا سلام توديع ، وليس بسلام تحية .
وقوله : ( ^ فسوف يعلمون ) تهديد ووعيد .
____________________

<
> بسم الله الرحمن الرحيم <
> ( ^ حم ( 1 ) والكتاب المبين ( 2 ) إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين ( 3 ) فيها يفرق كل أمر حكيم ( 4 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * <
> تفسير سورة حم الدخان <
> <
> وهي مكية <
> <
> بسم الله الرحمن الرحيم <
> < < الدخان : ( 1 - 2 ) حم > >
قوله تعالى : ( ^ حم والكتاب المبين ) أي : الكتاب الذي بين فيه الحلال والحرام ، والثواب والعقاب ، والوعد والوعيد . < < الدخان : ( 3 ) إنا أنزلناه في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) فيه قولان : أحدهما : أنها ليلة القدر ، وهذا قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وأكثر المفسرين .
والقول الثاني : قول عكرمة ، وهو أنها ليلة النصف من شعبان ، وسماها مباركة لكثرة الخير فيها . والبركة : نماء الخير ، ونقيضة الشؤم : نماء الشر . وقيل : مباركة لأنه يرجى فيها إجابة الدعاء .
وقوله : ( ^ إنا أنزلناه ) أي : القرآن ، وفي معنى هذا الإنزال قولان : أحدهما : أنه أنزل جميع القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ، ثم كان جبريل عليه السلام يأتي به شيئا فشيئا إلى أن أنزل جميعه .
والقول الثاني : أن المراد بالإنزال هاهنا ابتداء الإنزال .
ومعنى قوله : ( ^ أنزلناه ) أي : ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر .
وقوله : ( ^ إنا كنا منذرين ) أي : مخوفين . < < الدخان : ( 4 ) فيها يفرق كل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فيها يفرق كل أمر حكيم ) أي : يقضي كل أمر محكم ، وذلك من الأرزاق والآجال والحياة والموت والخير والشر . قال مجاهد : إلا السعادة والشقاوة
____________________

( ^ أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين ( 5 ) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم ( 6 ) رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ( 7 ) لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين ( 8 ) بل هم في شك يلعبون ( 9 ) فارتقب يوم تأتي السماء ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * فإنهما لا يبدلان ولا يغيران ، وعن بعضهم : إلا الموت والحياة أيضا ، وفي التفسير : أنه يفرق الأحكام في هذه الليلة إلى السنة القابلة عند هذه الليلة . < < الدخان : ( 5 ) أمرا من عندنا . . . . . > >
وقوله : ( ^ أمراً من عندنا ) نصب على المصدر كأنه قال : يفرق فرقا ، ثم وضع أمرا مكان قوله : فرقا .
وقوله : ( ^ من عندنا إنا كنا مرسلين ) أي : منزلين هذه الأشياء . < < الدخان : ( 6 ) رحمة من ربك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ رحمة من ربك ) أي : إنزال القرآن رحمة من ربك .
وقوله : ( ^ إنه هو السميع العليم ) ظاهر المعنى . < < الدخان : ( 7 ) رب السماوات والأرض . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ رب السموات والأرض ) وقرئ : ' رب السموات ' فقوله : ' رب ' بضم الباء عطف على قوله : ( ^ هو السميع العليم ) وأما بالكسر بدل عن قوله : ( ^ من ربك ) .
وقوله : ( ^ [ وما بينهما ] إن كنتم موقنين ) اليقين ثلج الصدر بما يعلمه . < < الدخان : ( 8 ) لا إله إلا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين ) أي : المتقدمين . < < الدخان : ( 9 ) بل هم في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ بل هم في شك يلعبون ) أي : يسمعون سماع لاعب ، ويقولون قول لاعب ، ويقبلون قبول لاعب . < < الدخان : ( 10 ) فارتقب يوم تأتي . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ) قال ابن مسعود : هذا الدخان في الدنيا ، وذلك أن النبي دعا على كفار مضر ، وقال : ' اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ' فأصابتهم المجاعة والقحط
____________________

( ^ بدخان مبين ( 10 ) يغشى الناس هذا عذاب أليم ( 11 ) ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ( 12 ) أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ( 13 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * الشديد ، وأجدبت الأرض حتى أكلت العظام والميتات ، وكان الرجل منهم ينظر إلى السماء فيرى بينه وبين السماء شبه الدخان من الجوع ، فروى ' أن أبا سفيان قدم على النبي ، وقال : يا محمد دعوت على قومك يعني قريشا وإنما هم إخوانك وأعمامك وأمهاتك وخالاتك فادع لهم فدعا لهم حتى سقوا ' .
وروى أنه بعث معه بذهب إلى فقراء مكة حتى قسمه فيهم .
والقول الثاني : أن الدخان يكون في القيامة ، وهذا قول الحسن وقتادة ، وقيل : هو الأصح . وفي التفسير : أن الناس يوم القيامة يأخذهم شبه دخان ، فأما المؤمنون فيصيبهم مثل الزكام ، وأما الكافرون فيدخل الدخان في مسامعهم وأنوفهم ، وتصير رؤوسهم مثل الجنابذ ، وقيل : إن الدخان شرط من أشراط الساعة ، وفي بعض الأخبار : ' بادروا بالأعمال ستا : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدابة ، والدجال ، وخاصة الرجل في نفسه ، وأمر العامة ' ومعنى خاصة الرجل هو الموت ، ومعنى أمر العامة هو القيامة . وكان ابن مسعود يقول : قد مضى خمس : الدخان ، والدم ، والقمر ، والبطشة ، واللزام . < < الدخان : ( 11 ) يغشى الناس هذا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يغشى الناس هذا عذاب أليم ) أي : مؤلم . < < الدخان : ( 12 ) ربنا اكشف عنا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ) أي : مصدقون بمحمد إن كشفت ، وهو حكاية عن الكافرين . < < الدخان : ( 13 ) أنى لهم الذكرى . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ) معناه : التذكرة
____________________

( ^ ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون ( 14 ) إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم ة عائدون ( 15 ) يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ( 16 ) ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم ( 17 ) أن أدوا إلى عباد الله إني لكم رسول أمين ( 18 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * والاتعاظ ، وقوله : ( ^ مبين ) أي : موضح ، ( ^ أنى ) بمعنى : كيف . < < الدخان : ( 14 ) ثم تولوا عنه . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون ) والمعنى : أين لهم الاتعاظ والتذكر ، وقد تولوا عن مثل هذا الرسول وأعرضوا عنه ، وزعموا أنه معلم مجنون ، ومعنى قوله : ( ^ معلم ) أي : علمه جبر غلام ابن الحصرمي وعداس ، وقد ذكرنا من قبل . < < الدخان : ( 15 ) إنا كاشفو العذاب . . . . . > >
قوله تعالى : ( إنا كاشفوا العذاب قليلا ) أي : بدعاء النبي ، والعذاب هو الدخان والقحط الذي ذكرنا ، وقوله : ( ^ قليلا ) أي : مدة قليلة .
وقوله : ( ^ إنكم عائدون ) أي : عائدون إلى الكفر ، وقيل : صائرون إلى العذاب وهو النار . < < الدخان : ( 16 ) يوم نبطش البطشة . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ يوم نبطش البطشة الكبرى ) فيه قولان أحدهما : أنه يوم بدر ، والبطشة الكبرى بالأسر والقتل ، والقول الآخر : أنه القيامة ، وهو الأصح .
وقوله : ( ^ إنا منتقمون ) أي : منتقمون بالعقوبة من الكفار . < < الدخان : ( 17 ) ولقد فتنا قبلهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون ) أي : ابتلينا .
وقوله : ( ^ وجاءهم رسول كريم ) أي : كريم على الله ، ويقال : كريم أي : حسن الأخلاق ، وهو موسى عليه السلام . < < الدخان : ( 18 ) أن أدوا إلي . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أن أدوا إلى عباد الله ) أي معناه : أرسلوا معي عباد الله ، يعني : بني إسرائيل ، وقيل معناه : ( ^ أدوا إلى عباد الله ) أي : ياعباد الله ، كأنه قال : أجيبوا لي وأطيعون ياعباد الله ، فهو معنى الأول .
وقوله تعالى : ( ^ إني لكم رسول أمين ) أي : ذو أمانة ، وعن أبي بكر الصديق
____________________

( ^ وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين ( 19 ) وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون ( 20 ) وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ( 21 ) فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون ( 22 ) فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون ( 23 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * رضي الله عنه < < الدخان : ( 19 ) وأن لا تعلوا . . . . . > > وألا تعلوا على عباد الله أي : لا تتكبروا ولا تبغوا بالجحود والتكذيب .
وقوله : ( ^ إني آتيكم بسلطان مبين ) أي : بحجة بينة . < < الدخان : ( 20 ) وإني عذت بربي . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وإني عذت بربي وربكم ) أي : التجأت إلى ربي وربكم واعتصمت به .
وقوله : ( ^ أن ترجمون ) أي : تقتلون ، وكانوا أوعدوه بالقتل ، وقيل : أن ترجمون أي : تسبون ، والقول الأول أولى ؛ لأنهم وصلوا إليه بالسب ، فإن النسبة إلى السحر والكذب أعظم السب ، ولم يصلوا إليه بالقتل . < < الدخان : ( 21 ) وإن لم تؤمنوا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وإن لم تؤمنوا لي ) أي : تصدقوني ( ^ فاعتزلون ) أي : اعتزلوا منى ، وكونوا كفافا ، لا لي ولا علي . < < الدخان : ( 22 ) فدعا ربه أن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون ) أي : مشركون . < < الدخان : ( 23 ) فأسر بعبادي ليلا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فأسر بعبادي ) أي : أوحى الله تعالى أن أسر بعبادي ( ^ ليلا ) أي : بليل .
وقوله : ( ^ إنكم متبعون ) يعني : أن فرعون وجنده يتبعونكم .
قوله تعالى : ( ^ واترك البحر رهوا ) في قوله : ( ^ رهوا ) أقوال : أحدها : ساكنا ، والآخر : يبسا ، والثالث : طريقا ، والرابع : سهلا دمثا ، وقال الشاعر :
( يمشين رهوا فلا الأعجاز داخلة ** ولا الصدور على الأعجاز تتكل )
وفي القصة : أن موسى لما عبر البحر عطف على البحر ليضربه بعصا فيعود إلى
____________________

( ^ واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون ( 24 ) كم تركوا من جنات وعيون ( 25 ) وزروع ومقام كريم ( 26 ) ونعمة كانوا فيها فاكهين ( 27 ) كذلك وأورثناها قوما آخرين ( 28 ) فما بكت عليهم السماء والأرض ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * ما كان ، فأوحى الله تعالى < < الدخان : ( 24 ) واترك البحر رهوا . . . . . > > : ( ^ واترك البحر رهوا ) أي : ساكنا .
وقوله : ( ^ إنهم جند مغرقون ) أي : فرعون وقومه ، وروى أن جند فرعون كانوا سبعة آلاف ألف رجل ، وجند موسى ستمائة ألف و ( نيف ) ، وقيل : ألف وستمائة ألف : والله أعلم . < < الدخان : ( 25 ) كم تركوا من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ كم تركوا من جنات ) أي : بساتين ، وقيل : كان من الفيوم إلى دمياط والإسكندرية بساتين متصلة .
وقوله : ( ^ وعيون ) أي : أنهار . < < الدخان : ( 26 ) وزروع ومقام كريم > >
وقوله : ( ^ وزروع ) أي : حروث .
وقوله تعالى : ( ^ ومقام كريم ) أي : المنازل الحسنة ، ويقال : المنابر ، وقيل : إن فرعون كان قد أمر باتخاذ منابر كثيرة بمصر ليثني عليها فيها . < < الدخان : ( 27 ) ونعمة كانوا فيها . . . . . > >
وقوله : ( ^ ونعمة كانوا فيها فاكهين ) أي : متنعمين ، وقرئ : ' فكهين ' أي ' معجبين ، والنعمة ما يتنعم به . < < الدخان : ( 28 ) كذلك وأورثناها قوما . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ كذلك وأورثناها قوما آخرين ) أي : بني إسرائيل ، وفي القصة : أن الله تعالى لما أغرق فرعون وقومه رجعت بنو إسرائيل إلى مصر ، ونزلوا منازل آل فرعون وسكنوها . < < الدخان : ( 29 ) فما بكت عليهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فما بكت عليهم السماء والأرض ) فيه أقوال : أحدها : ما روى أنس أن النبي قال : ' ما من مسلم إلا وله بابان في السماء باب يصعد منه عمله ، وباب ينزل منه رزقه ، فإذا مات بكيا عليه ، ثم تلا قوله تعالى : ( ^ فما بكت عليهم
____________________

السماء والأرض ) ' . وعن مجاهد قال : إذا مات العبد المسلم بكى عليه مصلاه أربعين صباحا ، وفي رواية عن علي رضي الله عنه أنه إذا مات العبد المسلم بكى عليه موضعه الذي كان يصلي فيه ، وبابه الذي كان يصعد [ منه ] عمله . قال أبو يحيى : قلت لمجاهد : كيف تبكي السماء والأرض ؟ فقال : ألا تبكي الأرض على من يعمرها بالركوع والسجود ، ولا تبكي السماء على مؤمن يصعد عليه عمله الصالح ؟ ! وعن الحسن البصري قال : فما بكت عليهم السماء والأرض أي : أهل السماء والأرض ، مثل قوله تعالى : ( ^ واسأل القرية ) أي : أهل القرية . وعن بعضهم : أن بكاء السماء حمرة أطرافها ، وعن بعض التابعين : أن الحسين بن علي رضي الله عنهما لما قتل احمرت أطراف السماء أربعين صباحا ، وكان ذلك لبكائها عليه . وعن بعضهم : أن معنى بكاء السماء والأرض هاهنا هو أنهما لو كانا ممن يبكيان لم يبكيا على الكافر لما يعرفان من شدة غضب الله عليه .
والمعروف من الأقوال هو الأول ، وهو المنقول عن السلف . وعن بعضهم قال : إنما ذكر بكاء السموات والأرض ؛ لأن العرب تقول في المصيبة العظيمة مثل هذا ، فيقولون : كسفت الشمس لموت فلان ، وبكت السماء عليه ، قال الشاعر :
( فالشمس كاسفة ليس بطالعة تبكي ** عليك نجوم الليل والقمرا )
وقوله : ( ^ وما كانوا منظرين ) أي : مؤخرين ممهلين .
____________________

( ^ وما كانوا منظرين ( 29 ) ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين ( 30 ) من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين ( 31 ) ولقد اخترناهم على علم على العالمين ( 32 ) وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين ( 33 ) إن هؤلاء ليقولون ( 34 ) إن هي إلا موتتنا ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < الدخان : ( 30 ) ولقد نجينا بني . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين ) في التفسير : أن فرعون كان يستحقر بني إسرائيل ويستذلهم ، وكان لإسرائيل وأولاده قدر عظيم عند الله تعالى . < < الدخان : ( 31 ) من فرعون إنه . . . . . > >
وقوله : ( ^ من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين ) أي : جبارا متكبرا من المشركين . < < الدخان : ( 32 ) ولقد اخترناهم على . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد اخترناهم على علم على العالمين ) معناه : اخترناهم على علم منا بهم ، وقوله : ( ^ على العالمين ) أي : على عالمي زمانهم ، ويقال : على جميع العالمين ؛ لأنه خصهم بكثرة الأنبياء منهم ، فلهم الفضل على جميع العالمين بهذا المعنى ، والمعروف هو الأول . < < الدخان : ( 33 ) وآتيناهم من الآيات . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين ) الآيات مثل : فلق البحر وإنحراق فرعون ، وإنجاء موسى ومن معه ، وإنزال المن والسلوى ، إلى غير ذلك من الآيات ، وقوله : ( ^ ما فيه بلاء مبين ) أي : نعمة حسنة ، تقول العرب : لفلان عندي بلاء حسن أي : نعمة حسنة ، وفي القصة : أن فرعون كان يستعمل الأقوياء من بني إسرائيل في العمل حتى دبرت صدورهم وظهورهم من نقل الحجارة ، ويذبح الأبناء ، ويستحي النساء ، ويستعلمهن في الغزل والنسيج ، وما أشبه ذلك ، وكان قد ضرب على ضعفاء بني إسرائيل على كل واحد منهم ضريبة فيؤديها كل يوم ، وكان القبطي يأتي إلى الإسرائيلي فيسخره فيما شاء من العمل ، فإذا كان الظهر خلاه ، وقال : اذهب واكتسب ما تأكله ، ولا يعطيه شيئا يأكله ؛ فنجاهم الله تعالى من هذه البلايا . < < الدخان : ( 34 ) إن هؤلاء ليقولون > >
وقوله تعالى : ( ^ إن هؤلاء ليقولون ) يعني : مشركي مكة . < < الدخان : ( 35 ) إن هي إلا . . . . . > >
وقوله : ( ^ إن هي إلا موتتنا الأولى ) معناه : أنا نموت مرة ولا نبعث بعد ذلك .
وقوله : ( ^ وما نحن بمنشزين ) أي : بمبعوثين ، قال الشاعر :
____________________

( ^ الأولى وما نحن بمنشرين ( 35 ) فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ( 36 ) أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين ( 37 ) وما خلقنا السموات والأرض ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
( يا آل بكر أنشروا لي كليبا ** يا آل بكر أين أين الفرار ) < < الدخان : ( 36 ) فأتوا بآبائنا إن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ) قال أهل التفسير : إن أبا جهل قال : يا محمد ، أنسر لنا بعض آبائنا وليكن فيهم قصي بن كلاب ، فإنه كان شيخا صدوقا . وروى أنهم طلبوا منه أن يحيي لهم لؤي بن غالب ، ومرة بن كعب ، وقصي بن كلاب . < < الدخان : ( 37 ) أهم خير أم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أهم خير أم قوم تبع ) يعني : أهم أكثر قوة وأعظم نعمة أم قوم تبع . وفي بعض الأخبار : أن النبي قال : ' لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم ' .
وعن عائشة رضي الله عنها أن تبعا كان مسلما ، والتبابعة في ملوك اليمن كالقياصرة في ملوك الروم ، والأكاسرة في ملوك العجم .
وفي القصة : أن تبعا خرج إلى العراق فحير الحيرة ، وغزا الصين ، وهو الذي هدم حصن سمرقند ، واستدل من قال : إن تبعا كان قد أسلم ، أن الله تعالى ذم قوم تبع ، ولم يذم تبعا ، وفي القصة : أن إسلامه كان على يد اليهود ، وكان أولئك اليهود على الحق .
وقوله : ( ^ والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين ) أي : ذو جرم . < < الدخان : ( 38 ) وما خلقنا السماوات . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ) أي : عابثين .
____________________

( ^ وما بينهما لاعبين ( 38 ) ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون ( 39 ) أن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين ( 40 ) يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون ( 41 ) إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم ( 42 ) إن شجرة الزقوم ( 43 ) طعام الأثيم ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < الدخان : ( 39 ) ما خلقناهما إلا . . . . . > > قوله تعالى : ( ^ وما خلقناهما إلا بالحق ) يعني : للثواب العظيم ، والعذاب العظيم ، والمراد أهل السموات والأرض .
وقوله : ( ^ ولكن أكثرهم لا يعلمون ) < < الدخان : ( 40 ) إن يوم الفصل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين ) يعني : يوم القيامة يفصل فيه بين الخلائق أي : يقضي ، ويقال : يقضي فيه بين المرء وعمله . < < الدخان : ( 41 ) يوم لا يغني . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا ) أي : قريبا عن قريب شيئا ، ومعناه : أن المؤمن لا ينصر قريبه الكافر ، ويقال : لا يتولى المؤمن الكافر لقرابته منه ، ومنه قول النبي : ' من كنت مولاه فعلي مولاه ' أي : من تولينه انا فعلي مولاه من ( موالاة ) المحبة والنصرة ، ويقال : إن الخبر ورد على سبب ، وهو أن عليا قال لأسامة رضي الله عنه : أنت مولاي ، فقال أسامة : لست مولاك ، إنما أنا مولى رسول الله : فقال رسول الله : ' من كنت مولاه فعلي مولاه ' .
وقوله : ( ^ لا يغنى ) أي : لا يدفع .
وقوله : ( ^ ولا هم ينصرون ) أي : لا يمنعون من العذاب . < < الدخان : ( 42 ) إلا من رحم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إلا من رحم الله ) يعني : أن المؤمنين يشفع بعضهم بعضا ، ويتولى بعضهم بعضا ، فالشفاعة : هو نفع الموالاة .
وقوله : ( ^ إنه هو العزيز الرحيم ) أي : المنيع في ملكه ، الرحيم بخلقه . < < الدخان : ( 43 - 44 ) إن شجرة الزقوم > >
قوله تعالى : ( ^ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ) أي : الفاجر ، وقيل : الكافر ، وهو أبو
____________________

( ( 44 ) كالمهل يغلي في البطون ( 45 ) كغلي الحميم ( 46 ) خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ( 47 ) ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ( 48 ) ذق إنك أنت العزيز الكريم ( 49 ) إن هذا ما كنتم به تمترون ( 50 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * جهل في قول أكثر المفسرين ، وقد بينا معنى الزقوم ، وروى أن المشركين أتوا أبا جهل وقالوا له : إن محمدا توعدنا بالزقوم ، فهل تدري ما الزقوم ؟ فقال : والله إذا أنزلته غارت ، هو الصرفان بالزبد ، نوع من التمر الجيد . واعلم أن الزقوم في اللغة كل طعام يتناول على كره شديد . وقال بعضهم : إن الزقوم هو الطعام اللين في لسان البربر لا في لسان العرب . < < الدخان : ( 45 ) كالمهل يغلي في . . . . . > >
وقوله : ( ^ كالمهل ) هو عكر الزيت ، وقيل : عكر القطران ، وقيل : الفضة المذابة .
قوله تعالى : ( ^ يغلي في البطون كغلي الحميم ) أي : يغلي المهل في البطون ، وقيل : القوم في البطون ، وهو الأصح . < < الدخان : ( 46 ) كغلي الحميم > >
وقوله : ( ^ كغلى الحميم ) أى : كغلي الماء الحار الذي انتهى حره . < < الدخان : ( 47 ) خذوه فاعتلوه إلى . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ خذوه فاعتلوه ) أي : جروه ، وقيل : سوقوه بعنف .
وقوله : ( ^ إلى سواء الجحيم ) أي : إلى وسط الجحيم . < < الدخان : ( 48 ) ثم صبوا فوق . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ) في التفسير : أنه يثقب وسط رأس أبي جهل ويصب فيه الحميم ، فتخرج أمعاؤه من أسفله . < < الدخان : ( 49 ) ذق إنك أنت . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ذق إنك أنت العزيز الكريم ) أي : يقال له : ذق ، وقوله : ( ^ العزيز الكريم ) أي : في زعمك ، وكان يقول : أنا أعز أهل ( الوادي ) وأكرمهم . ويقال : إنك أنت العزيز الكريم أي : لست بعزيز ولا كريم . وقيل : إن هذا يقال على طريق الاستهزاء به . < < الدخان : ( 50 ) إن هذا ما . . . . . > >
قوله : ( ^ إن هذا ما كنتم به تمترون ) أي : تشكون .
____________________

( ^ إن المتقين في مقام أمين ( 51 ) في جنات وعيون ( 52 ) يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين ( 53 ) كذلك وزوجناهم بحور عين ( 54 ) يدعون فيها بكل فاكهة آمنين ( 55 ) لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم ( 56 ) فضلا من ربك ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < الدخان : ( 51 ) إن المتقين في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن المتقين في مقام أمين ) أي : في منزل يأمنون فيه من الموت والزوال ، قال علي : وأمنوا من الموت فطاب لهم العيش . < < الدخان : ( 52 - 53 ) في جنات وعيون > >
وقوله : ( ^ في جنات وعيون يلبسون من سندس ) أي : الرقيق من الديباج ، وقيل : الخز الموشى .
وقوله : ( ^ وإستبرق ) أي : الديباج الغليظ ، ويقال : الإستبرق هو الديباج المرتفع الذي له بريق في الأعين .
وقوله : ( ^ متقابلين ) أي : لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض ، وقيل : متقابلين بالمحبة غير متدابرين بالعداوة . < < الدخان : ( 54 ) كذلك وزوجناهم بحور . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ كذلك وزوجناهم بحور عين ) أي : كما فعلنا بهم ما ذكرنا كذلك نزوجهم بالحور العين ، والحور الجواري البيض ، والعين : الحسان الأعين ، وقيل : سمين الحور ؛ لأن الأبصار تحار من جمالهن . وقرأ ابن مسعود : ' [ وعيس ] عين ' أي : البيض . < < الدخان : ( 55 ) يدعون فيها بكل . . . . . > >
قوله : ( ^ يدعون فيها بكل فاكهة آمنين ) ظاهر المعنى . < < الدخان : ( 56 ) لا يذوقون فيها . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ) أي : سوى الموتة الأولى . والموتة الأولى لا تكون في الجنة ، وإنما قال على طريق التوسع . وقيل : هذا استثناء منقطع ، ومعناه : لكن الموتة الأولى قد ذاقوها .
وقوله : ( ^ ووقاهم عذاب الجحيم ) أي : عذاب النار ، والجحيم معظم النار . < < الدخان : ( 57 ) فضلا من ربك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فضلا من ربك ) أي : تفضلا من ربك ( ^ ذلك هو الفوز العظيم )
____________________

( ^ ذلك هو الفوز العظيم ( 57 ) فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون فارتقب إنهم مرتقبون )
أى النجاة العظيمة . < < الدخان : ( 58 ) فإنما يسرناه بلسانك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فإنما يسرناه بلسانك ) أي : يسرنا القرآن بلسانك ، ويقال : أطلقنا به لسانك ، وهو في معنى قوله : ( ^ ولقد يسرنا القرآن للذكر . . . . ) الآية .
وقوله : ( ^ لعلهم يتذكرون ) أي : يتعظون . < < الدخان : ( 59 ) فارتقب إنهم مرتقبون > >
قوله تعالى : ( ^ فارتقب إنهم مرتقبون ) أي : ترقب عذابهم وانتظره إنهم منتظرون .
____________________

<
> بسم الله الرحمن الرحيم <
> ( ^ حم ( 1 ) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ( 2 ) إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين ( 3 ) وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون ( 4 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * <
> تفسير سورة الجاثية <
> <
> وهي مكية <
>
ألا آية واحدة وهي قوله تعالى : ( ^ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) فإنها نزلت بالمدينة ، ويقال : إن الجميع مكية . < < الجاثية : ( 1 - 2 ) حم > >
قوله تعالى : ( ^ حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) قوله : ( ^ حم ) مبتدأ ، و ( ^ تنزيل الكتاب ) خبره ، وقوله : ( ^ من الله العزيز الحكيم ) أي : الغالب على الأمور ، العدل في الأحكام . < < الجاثية : ( 3 ) إن في السماوات . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن في السموات والأرض لآيات ) أي : لدلائل وعبرا ، وذلك في رفعها بغير عمد ، وما خلق فيها من الشمس والقمر والنجوم ، ومن بسط الأرض واستقرارها بمن فيها ، وما نصب فيها من الجبال وأجرى فيها من الأنهار ، وخلق من الأشجار ، وغير ذلك ، وقوله : ( ^ للمؤمنين ) أي : للمصدقين . < < الجاثية : ( 4 ) وفي خلقكم وما . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وفي خلقكم ) أي : في خلقكم من التراب ثم من نطفة .
وقوله : ( ^ وما يبث من دابة ) أي : ما ينشر في الأرض من دابة ، والدابة كل حيوان يدب على الأرض .
وقوله : ( ^ آيات ) وقرئ : ' آيات ' بالرفع والخفض ، فمن قرأ بالخفض فمعناه : إن في السموات وإن في خلقكم لآيات ، ومن قرأ بالرفع فعلى الابتداء والاستئناف .
وقوله : ( ^ لقوم يوقنون ) قال ابن مسعود : الإيمان هو اليقين كله .
____________________

( ^ واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون ( 5 ) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ( 6 ) ويل لكل أفاك أثيم ( 7 ) يسمع آيات الله تتلى ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < الجاثية : ( 5 ) واختلاف الليل والنهار . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ واختلاف الليل والنهار ) ومعنى الاختلاف وهو الزيادة والنقصان والمجيء والذهاب .
وقوله : ( ^ وما أنزل الله من السماء من رزق ) أي : المطر ، قال كعب الحبر : ينزل المطر وفيه البنت فيدخل في الأرض ثم يخرج منها .
وقوله : ( ^ فأحيا به الأرض بعد موتها ) قد ذكرنا .
( ^ وتصريف الرياح ) معناه : مرة جنوبا ، ومرة شمالا ، ومرة رحمة ، ومرة عذابا .
وقوله : ( ^ آيات لقوم يعقلون ) أي : يعقلون الآيات ، وفي الخبر أن النبي قال : ' الريح من روح الله تأتي مرة بالعذاب ومرة بالرحمة ؛ فلا تسبوها ولكن إذا جاءت فسلوا الله خيرها ، واستعيذوا بالله من شرها ' . < < الجاثية : ( 6 ) تلك آيات الله . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ) أي : يصدقون ، وحقيقة المعنى أنهم إذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب فبأي كتاب بعده يؤمنون ، ولا كتاب بعد هذا الكتاب . < < الجاثية : ( 7 ) ويل لكل أفاك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ويل لكل أفاك أثيم ) في التفسير أن الويل واد في جهنم يهوى الكافر فيه سبعين خريفا قبل أن يبلغ قعره . وقوله : ( ^ لكل أفاك أثيم ) أي : كذاب فاجر . < < الجاثية : ( 8 ) يسمع آيات الله . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا ) أي : يصر على الكفر معرضا عن الحق إعراض المتكبرين ، والإصرار هو العقد على الشيء بالعزم
____________________

( ^ عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم ( 8 ) وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين ( 9 ) من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم ( 10 ) هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم ( 11 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * الصحيح .
وقوله : ( ^ كأن لم يسمعها ) أي : كأن لم يسمع الآيات .
وقوله : ( ^ فبشره بعذاب أليم ) أي : موجع . < < الجاثية : ( 9 ) وإذا علم من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذوها هزوا ) نزلت الآية في النضر بن الحارث بن كلدة كان يقول في القرآن إنه أساطير الأولين ، وهو مثل حديث رستم واسفنديار ، وكان يقول ذلك على جهة الاستهزاء .
وقوله : ( ^ أولئك لهم عذاب مهين ) قد بينا . < < الجاثية : ( 10 ) من ورائهم جهنم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ من ورائهم جهنم ) قال أبو عبيدة : من قدامهم جهنم .
وقوله : ( ^ ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ) قال بعض أهل التفسير : الآية في عبد الله بن أبي بن سلول ، وكسبه هو جهاده مع الرسول وصومه وصلاته وشفقته على أصحاب النبي . وقوله : ( ^ ولا يغني ) أي : لا يدفع ، وإنما لم يدفع ؛ لأنه كان منافقا يظهر الإسلام بلسانه ويعتقد الكفر ، والأكثرون على أن هذه الآية في النضر بن الحارث أيضا ، وهذا هو الأولى ؛ لأن السورة مكية ، وكسبه ما فعله من الخير على زعمه .
وقوله : ( ^ ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ) أي : الأصنام .
وقوله : ( ^ ولهم عذاب عظيم ) ظاهر المعنى . < < الجاثية : ( 11 ) هذا هدى والذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ هذا هدى ) أي : القرآن هدى للخلق .
وقوله : ( ^ والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم ) أي : عذاب من جهنم موجع .
____________________

( ^ الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ( 12 ) وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ( 13 ) قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < الجاثية : ( 12 ) الله الذي سخر . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ) أي : من رزقه .
وقوله : ( ^ ولعلكم تشكرون ) قال ابن عيينة : الشكر واجب على كل مسلم ؛ لأن الله تعالى قال : ( ^ لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) فرزق العباد ليشكروه . < < الجاثية : ( 13 ) وسخر لكم ما . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض ) أي : ذلل ، ومعنى التسخير والتذليل خلقها على وجه ينتفع بها العباد ، والانتفاع من السماء والأرض معلوم .
وقوله : ( ^ جميعا منه ) قال الفراء والزجاج : نعمة ورحمة منه ، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : منه النور ومنه الشمس والقمر والنجوم . وفي بعض الآثار : أن رجلا أتى عبد الله بن عمر وقال : مم خلق الله الخلق ؟ فقال : من النور والظلمة والريح ، فقال : مم خلق النور والظلمة والريح فقال : لا أدري ، فأتى ابن عباس وسأل عن الأول فذكر مثل ما ذكره ابن عمر ، فسأله عن الثاني فقرأ قوله تعالى : ( ^ وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه ) أي : من تكوينه كأنه قال لها : كن فكانت . وعن ابن عباس أنه قرأ : ' منة ' أي : سخر ما سخر نعمة من الله .
وقوله : ( ^ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) أي : يتدبرون .
وفي الخبر : ' تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق ' . < < الجاثية : ( 14 ) قل للذين آمنوا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) ذكر الضحاك وأبو صالح أن النبي وأصحابه نزلوا على ماء بالمريسيع ، فبعث عبد الله بن أبي بن سلول غلامه ليأتيه بالماء ، فأبطأ الغلام ، فلما رجع قال له : ما الذي أبطأ بك ؟ قال : جاء غلام عمر وجلس على فم البئر ، ومنع الناس حتى ملأ قربه النبي وقربة أبي بكرو قربة
____________________

( ^ ليجزي قوما بما كانوا يكسبون ( 14 ) من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون ( 15 ) ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين ( 16 ) وآتيناهم بينات من الأمر ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * مولاه ، فغضب عبد الله بن أبي لما سمع ذلك ، وقال : ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قيل : سمن كلبك يأكلك . ثم قال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فبلغ ذلك عمر فجاء بالسيف مشتملا عليه ليضرب به عبد الله بن أبي ، واستأذن النبي في ذلك ، فأنزل الله تعالى قوله : ( ^ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) وهذا على القول الذي قلنا إن الآية نزلت بالمدينة ، وقال بعضهم : شتم رجل من الكفار عمر بمكة فهم أن يبطش به ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وقوله : ( ^ للذين لا يرجون أيام الله ) أي : لا يسألون الله نعمه ، والمعنى : أنهم لا يعترفون بأن النعم من عند الله ، وقيل : لا يرجون أيام الله أي : لا يخافون عقوبات الله ونقمه . وقيل : لا يطعمون في ثواب ، ولا يخافون من عقوبة .
وقوله : ( ^ ليجزي قوما بما كانوا يكسبون ) يعني : يوم القيامة ، ويقال : ليكون الله تعالى هو المجازي والمنتقم منهم لا أنتم . < < الجاثية : ( 15 ) من عمل صالحا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ من عمل صالحا فلنفسه ) أي : نفع ذلك يعود إليه .
وقوله : ( ^ ومن أساء فعليها ) أي : وبال ذلك عليه .
وقوله : ( ^ ثم إلى ربكم ترجعون ) أي : تردون . < < الجاثية : ( 16 ) ولقد آتينا بني . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب ) أي : التوراة .
وقوله : ( ^ والحكم والنبوة ) أي : العلم والنبوة .
وقوله : ( ^ ورزقناهم من الطيبات ) أي : الحلال ، وهي المن والسلوى وغير ذلك .
وقوله : ( ^ وفضلناهم على العالمين ) أي : على عالمي زمانهم . < < الجاثية : ( 17 ) وآتيناهم بينات من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وآتيناهم بينات من الأمر ) أي : دلالات واضحات ، ويقال : بينات
____________________

( ^ فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ( 17 ) ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ( 18 ) إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين ( 19 ) هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون ( 20 ) أم حسب ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * من الأمر ما يدلهم على أمر محمد .
وقوله : ( ^ فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ) أي : ما اختلفوا في الحق إلا من بعدما جاءهم العلم بالحق .
وقوله : ( ^ بغيا بينهم ) أي : حسدا وظلما وعنادا للحق .
وقوله : ( ^ إن ربك يقضي بينهم ) ظاهر معناه إلى آخر الآية . < < الجاثية : ( 18 ) ثم جعلناك على . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ثم جعلناك على شريعة من الأمر ) أي : طريق واضح ، ويقال : على أمر بين ، والشرعة هي المذهب والملة ، وكذلك الشريعة .
وقوله : ( ^ فاتبعها ) أي : اتبع الشريعة التي جاءتك من الله تعالى .
وقوله : ( ^ ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) في التفسير : أن المشركين كانوا يقولون : يا محمد ، ارجع إلى دين آبائك فإنه أولى من الدين الذي جئت به . < < الجاثية : ( 19 ) إنهم لن يغنوا . . . . . > >
وقوله : ( ^ إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ) أي : لن يدفعوا عنك شيئا يريده الله بك إن اتبعت أهواءهم .
وقوله : ( ^ وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض ) أي : بعضهم محبو البعض .
وقوله : ( ^ والله ولي المتقين ) أي : محب المتقين وحافظهم . < < الجاثية : ( 20 ) هذا بصائر للناس . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ هذا بصائر للناس ) أي : هذا الذي أنزلناه إليك بصائر للناس أي : دلالات يبصر بها الناس .
وقوله : ( ^ وهدى ورحمة لقوم يوقنون ) أي : يعلمون .
____________________

( ^ الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ( 21 ) وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ( 22 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < الجاثية : ( 21 ) أم حسب الذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم حسب الذين اجترحوا السيئات ) أي : اكتسبوا السيئات ، والسيئات ما قبحت شرعا ، والحسنات ما حسنت شرعا .
وقوله : ( ^ أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ) أي : في دخول الجنة ، وما يعطى أهل الإيمان من النعيم . والظاهر أن الآية في الكفار وإن كانت عامة .
وقوله : ( ^ سواء محياهم ومماتهم ) وقرئ : ' سواء ' بالنصب ، فمن قرأ بالرفع فمعناه : أن الكافر سواء محياه ومماته أي : يحيا كافرا ويموت كافرا .
وفي الخبر ' يموت ' المرء على ما عاش عليه ، ويبعث على ما مات عليه ' .
وأما القراءة بالنصب فهو في موضع مستو فانتصب لهذا ، ويقال معناه : أم حسبوا أن نجعلهم والمؤمنين سواء في المحيا والممات يعني : أنهم لا يستوون .
وقوله : ( ^ ساء ما يحكمون ) أي : بئس ما يحكمون لأنفسهم . وفي التفسير : أنهم كانوا يقولون للمؤمنين : إن دخلتم الجنة فنحن معكم ، وإن دخلنا النار فأنتم معنا .
وفي بعض الآثار عن مسروق بن الأجدع قال : قدمت مكة ودخلت المسجد الحرام فقيل لي : هذا مقام أخيك تميم الداري ، جعل يصلي ليلة إلى الصباح يركع ويسجد ويبكي ويقرأ هذه الآية : ( ^ أم حسب الذين اجترحوا السيئات ) لا يجاوزها . < < الجاثية : ( 22 ) وخلق الله السماوات . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزي كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ) أي : لا ينقص من حقوقهم شيء .
____________________

( ^ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم على سمعه وقلبه وجعل على ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * < < الجاثية : ( 23 ) أفرأيت من اتخذ . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) قال سعيد بن جبير : كان الواحد منهم يعبد الشيء ، فإذا رأى شيئا أحسن منه طرح الأول وأخذ الثاني فعبده . وقال قتادة في معنى الآية : لا يهوى شيئا إلا ركبه ، فهو يعبد هواه . وقيل : اتخذ إلهه هواه أي : أطاع هواه وانقاد له كما ينقاد العبد لمعبوده . وقد ثبت أنه قال : ' تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الخميصة ' .
وفي بعض الأخبار أنه [ قال ] : ' ما عبد تحت ظل السماء شيء وهو أبغض عند الله من هوى ' .
وقوله : ( ^ وأضله الله على علم ) أي : على ما حكم [ له ] في علمه السابق ، وهو رد على القدرية ، وقد أولوا هذا وقالوا : معنى قوله : ( ^ وأضله الله ) أي : وجده ضالا ، أو سماه ضالا ، وهو تأويل باطل ؛ لأن العرب لا تقول : فعل فلان كذا إذا وجده كذلك .
وقوله : ( ^ وختم على سمعه ) أي : ختم على سمعه فجعله لا يسمع الحق .
وقوله : ( ^ وقلبه ) أي : وختم على قلبه فجعله لا يقبل الحق .
____________________

( ^ بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون ( 23 ) وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ وجعل على بصره غشاوة ) أي : غطاء فلا يبصر الحق .
وقوله : ( ^ فمن يهديه من بعد الله ) يعني : إذا كان الله لا يهديه فمن يهديه من بعد الله ؟ ! .
وقوله : ( ^ أفلا تذكرون ) أي : أفلا تتعظون . < < الجاثية : ( 24 ) وقالوا ما هي . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ) فيه أقوال : أحدهما : أنه على التقديم والتأخير ، ومعناه : نحيا ونموت ، وهكذا قرأ ابن مسعود .
والقول الثاني : نموت ونحيا : أي : يموت البعض منا ، ويحيا البعض منا . وفيه قولان آخران : أحدهما : وهو القول الثالث : نموت ونحيا أي : نموت نحن ويحيا أولادنا ، والقول الرابع : هو أنه خلقنا أمواتا ثم أحيانا .
وقوله : ( ^ وما يهلكنا إلا الدهر ) قال قتادة : من الأيام والليالي . ويقال : ما يهلكنا إلا الدهر أي : إلا الموت ، قال الشاعر .
( أمن المنون وريبها يتوجع ** والدهر ليس بمعتب من يجزع )
أي : الموت . ويقال : وما يهلكنا إلا الدهر أي : طول العمر ، وقد ثبت عن النبي أنه قال : ' لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر ' .
قال الشيخ الإمام رضي الله عنه : أخبرنا بذلك أبو الحسين النقور ، أخبرنا أبو القاسم بن حبابة ، أخبرنا البغوي هو ابن بنت منيع واسمه عبد الله بن محمد أبو
____________________

( ^ وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ( 24 ) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * القاسم ، أخبرنا هدبة بن خالد ، أخبرنا حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة الخبر .
وروى العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن النبي قال : ' يقول الله تعالى : استقرضت من ابن آدم فلم يقرضني ، ويسبني وهو لا يعلم ، ويقول : يادهراه يادهراه ' وفي رواية ' يا خيبة الدهر وأنا الدهر ' .
وفي رواية ثالثة عن النبي أنه قال : ' يقول الله تعالى : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر ، أدبر الأمر أقلب الليل والنهار ' .
وفي معنى الخبر ثلاثة أوجه : أحدها : أن معناه : لا تسبوا الدهر ؛ فإن الله هو الدهر أي : خالق الدهر .
والوجه الثاني : لا تسبوا الدهر فإني فاعل الأشياء . وكانوا يضيفون الفعل إلى الدهر ويسبونه ، فإن الله هو الدهر يعني : أن الله فاعل الأشياء لا الدهر ، وهذا قول معتمد .
والوجه الثالث : وهو أنهم كانوا يعتقدون بقاء الدهر ، وأنه لا يبقى شيء مع بقاء الدهر فقال : لا تسبوا الدهر يعني : لا تسبوا الذين يعتقدون أنه الباقي ؛ فإن الله هو الدهر يعني : فإن الله هو الباقي بقاء الأبد على ما يعتقدون في الدهر .
وقوله : ( ^ ومالهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ) أي : قالوا ما قالوه على ظن وشك لا عن علم ويقين . < < الجاثية : ( 25 ) وإذا تتلى عليهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا
____________________

( ^ حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ( 25 ) قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ( 26 ) ولله ملك السموات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون ( 27 ) وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون ( 28 ) هذا كتابنا ينطق ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * إن كنتم صادقين ) وقد بينا قول أبي جهل في هذا . < < الجاثية : ( 26 ) قل الله يحييكم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أي : لا يعلمون الحق . < < الجاثية : ( 27 ) ولله ملك السماوات . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولله ملك السموات والأرض ، ويوم تقوم الساعة ) أي : القيامة .
وقوله : ( ^ يومئذ يخسر المبطلون ) أي : يهلك الكافرون . < < الجاثية : ( 28 ) وترى كل أمة . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وترى كل أمة جاثية ) فيه أقوال : أحدها : مستوفزين أي : جلوسا على الركب ، قال سفيان الثوري : المستوفز من لا تصيب الأرض منه إلا ركبتاه وأطراف أصابعه . والقول الثاني : جاثية أي : مجتمعة . والقول الثالث : جاثية أي : خاضعة ذليلة ، وقيل : هو لغة قريش . والقول الأول هو المختار المعروف ، ومنه جثا فلان بين يدي القاضي ينتظر قضاءه ، وعن سلمان الفارسي قال : إن في القيامة ساعة هي عشر سنين من سنين الدنيا يخر فيها الناس ، ويجثون على الركب حتى إبراهيم خليل الرحمن ، ويقول : نفسي لا أسالك إلا نفسي . ويقال : ترى كل أمة رسول جاثية أي : كل أحد جاثيا ، والأمة تكون بمعنى الواحد . ويقال معناه : كل أمة رسول جاثية ، والله اعلم .
وقوله : ( ^ كل أمة تدعى إلى كتابها ) معناه : إلى قراءة كتابها .
وقوله تعالى : ( ^ اليوم تجزون ما كنتم تعملون ) ظاهر المعنى . < < الجاثية : ( 29 ) هذا كتابنا ينطق . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ) أي : يظهر ما عملتم بالحق .
____________________

( ^ عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ( 29 ) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين ( 30 ) وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين ( 31 ) وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) فيه أقوال : أحدها : نستكتب ما كنتم تعملون أي : نأمر الكتبة أن يكتبوا ويحفظوا أعمالكم . والقول الثاني : نستنسخ ما كنتم تعملون أي : نأخذ نسخة مما كتبت الملائكة عليكم . والقول الثالث : وهو المعروف ، وهو مروي عن ابن عباس قال : يأمر الله تعالى الملائكة بأن يأخذوا نسخة من اللوح المحفوظ على ما يعمله العبد في يومه وليلته ، ثم يكتبون ما عمله العبد ، ثم يقابلون ما كتبوا على العبد بما نسخوا من اللوح المحفوظ ، فيكونان سواء لا زيادة ولا نقصان فيه ، قال ابن عباس : أنظروا هل يكون الاستنساخ إلا من أصل . < < الجاثية : ( 30 ) فأما الذين آمنوا . . . . . > > قوله تعالى : ( ^ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ) أي : جنته . وقوله : ( ذلك هو الفوز المبين ) أي : البين . < < الجاثية : ( 31 ) وأما الذين كفروا . . . . . > > قوله تعالى : ( ^ وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم ) يعني يقال لهم : أفلم تكن آياتي تتلى [ عليكم ] أي : ألم تكن آياتي تتلى عليكم ؟ . وقوله : ( فاستكبرتم ) أي : طلبتم الكبرياء والعظمة بترك التوحيد ، وكل كافر متكبر ، وكل مؤمن متواضع .
وقوله : ( وكنتم مجرمين ) أي : ذوى جرم . < < الجاثية : ( 32 ) وإذا قيل إن . . . . . > > قوله تعالى : ( وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها ) أي : لاشك فيها .
وقوله : ( قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا ) أي : نظن أنك كاذب ، ونظن أنك صادق ، ولا دليل معنا على صدقك ، وأن ما قلته حق .
____________________

بمستيقنين ( 32 ) وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ( 33 ) وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ( 34 ) ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون ( 35 ) فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين ( 36 ) وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ( 37 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ وما نحن بمستيقنين ) أي : متيقنين . < < الجاثية : ( 33 ) وبدا لهم سيئات . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وبدا لهم سيئات ما عملوا ) أي : ظهر لهم سيئات ما عملوا .
وقوله : ( ^ وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) أي : نزل بهم وأحاط بهم جزاء ما كانوا به يستهزئون ، وفي التفسير : أنه إذا كان يوم القيامة ينادي واحدا فيقال : يافلان تعال فخذ نورك ، وينادي آخر فيقال : اذهب فلا نور لك . < < الجاثية : ( 34 ) وقيل اليوم ننساكم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وقيل اليوم ننساكم ) أي : نترككم ، ومعناه : نترككم من الرحمة وإعطاء الثواب . وقيل معناه : نترككم في العذاب ، فلا نخرجكم منها كما نخرج المؤمنين .
وقوله : ( ^ كما نسيتم لقاء يومكم هذا ) أي : كما تركتم العمل ليومكم هذا .
وقوله : ( ^ ومأواكم النار ومالكم من ناصرين ) أي : من يمنع عذابنا منكم . < < الجاثية : ( 35 ) ذلكم بأنكم اتخذتم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ) أي : من النار .
( ^ ولا هم يستعتبون ) أي : لا يرجعون ولا يردون إلى ما كانوا عليه من العافية . ويقال : يستقيلون فلا يقالون . ويقال : ولا هم يستعتبون أي : لا يعطون العتبى ، وهو طلب رضاهم ومرادهم . < < الجاثية : ( 36 ) فلله الحمد رب . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فلله الحمد رب السموات ورب والأرض رب العالمين ) ظاهر المعنى . < < الجاثية : ( 37 ) وله الكبرياء في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وله الكبرياء في السموات والأرض ) أي : العظمة والعلو ، وقد
____________________

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي قال : ' يقول الله تعالى : الكبرياء ردائي ، والعظمة إزراري ، فمن نازعني واحدة منهما ألقيته في جهنم ' .
وقوله : ( ^ وهو العزيز الحكيم ) أي : العزيز في انتقامه ، الحكيم في تدبيره ، والله أعلم .
____________________

<
> بسم الله الرحمن الرحيم <
> ( ^ حم ( 1 ) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ( 2 ) ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون ( 3 ) قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * <
> تفسير سورة الأحقاف <
> <
> وهي مكية <
> < < الأحقاف : ( 1 ) حم > >
قوله تعالى : ( ^ حم ) أي : حم الأمر وقضى ، وقال قتادة : أسم من أسماء القرآن . وقال غيره : قسم ، وجواب القسم قوله : ( ^ ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ) . < < الأحقاف : ( 2 ) تنزيل الكتاب من . . . . . > >
وقوله : ( ^ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) قد بينا . < < الأحقاف : ( 3 ) ما خلقنا السماوات . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ) يعني : إلا للثواب والعقاب ، ويقال : إلا لإقامة الحق .
وقوله : ( ^ وأجل مسمى ) أي : أمد ينتهي إليه ، وهذا إشارة إلى فناء السموات والأرض لمدة معلومة .
وقوله : ( ^ والذين كفروا عما أنذروا معرضون ) أي : معرضون إعراض المكذبين الجاحدين . < < الأحقاف : ( 4 ) قل أرأيتم ما . . . . . > >
قوله : ( ^ قل أرأيتم ما تدعون من دون الله ) أي : الأصنام .
وقوله : ( ^ أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات ) أي : في خلق السموات فتعبدونها لذلك ، ومعناه : أنه ليس لهم شرك ، لا في خلق الأرض ، ولا في خلق السماء أي : نصيب ، فكيف تعبد مع الله ؟ !
وقوله : ( ^ ائتوني بكتاب من قبل هذا ) أى : بكتاب من قبل القرآن يدل على ما زعمتموه .
____________________

( ^ ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين ( 4 ) ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون ( 5 ) ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ أو أثارة من علم ) قال أبو عبيدة : أي : بقية من علم . يقال : ناقة ذات أثارة أي : بقية من سمن ، ويقال : أو أثارة من علم مأثور ، ومعناه : إن كان [ عندكم ] كتاب من كتب الأولين ، أو علم مأثور [ عنهم ] ترونه يدل على صدق ما قلتم فأتوا بذلك ، وأرونيه إن كنتم صادقين . ويقال : ' أو أثارة من علم ' هو الخط ، وهذا حكي عن ابن عباس ، وروى منصور عن ( ابن إبراهيم ) أن نبيا من الأنبياء كان يخط له ، وكان ذلك هو الوحي إليه ، وقد روي هذا في خبر مرفوع .
وفي بعض التفاسير : أن من خط خطه علم علمه ، وعن ابن إسحاق قال : أول من خط بالقلم إدريس النبي عليه السلام .
وعن ( مطرف بن الوراق ) قال : قوله : ( ^ أو أثارة من علم ) هو الإسناد .
وقوله : ( ^ إن كنتم صادقين ) أي : صادقين فيما تقولونه . < < الأحقاف : ( 5 ) ومن أضل ممن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة ) أي : لا يستجيب أبدا .
وقوله : ( ^ وهم عن دعائهم غافلون ) أي : لا يسمعون دعاءهم وإن دعوا ، والمراد من الآية هو الأصنام ، يعني : كيف يعبدون الأصنام ؟ ولو دعوهم لم يستجيبوا لهم
____________________

( ^ وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ( 6 ) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين ( 7 ) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم ( 8 ) قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ) ولم يسمعوا كلامهم . < < الأحقاف : ( 6 ) وإذا حشر الناس . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ) أي : الأصنام كانوا لهم أعداء ، ( ^ وكانوا بعبادتهم كافرين ) يعني : أنهم يقولون : ما دعوناكم إلى عبادتنا . < < الأحقاف : ( 7 ) وإذا تتلى عليهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين ) . < < الأحقاف : ( 8 ) أم يقولون افتراه . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا ) في التفسير : أن أبا جهل قال للنبي : يامحمد ، إنك تفتري على الله حيث تزعم أن هذا القرآن من وحيه وكلامه ، وإنما هو كلام تقوله من تلقاء نفسك .
وقوله : ( ^ فلا تملكون لي من الله شيئا ) أي : إن افتريت على الله وعاقبني لا تملك دفع عقوبته عني .
وقوله : ( ^ هو أعلم بما تفيضون فيه ) .
وقوله : ( ^ كفى به شهيدا بيني وبينكم ) أي : كفى بالله شهيدا بيني وبينكم .
وقوله : ( ^ وهو الغفور الرحيم ) ظاهر المعنى . < < الأحقاف : ( 9 ) قل ما كنت . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قل ما كنت بدعا من الرسل ، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ) معناه : ما كنت أول رسول أرسل إلى بني آدم ، وقوله : ( ^ وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ) قال الحسن البصري : هذا في الدنيا ، فأما في الآخرة فلا ، ومعناه : في الدنيا ولا أدري أترك بينكم أو أقتل ؟ ويقال : لا أدري أخرج كما أخرجت الأنبياء من قبل أو
____________________

( ^ ولا بكم إن اتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين ( 9 ) قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * أقتل كما قتلت الأنبياء من قبل .
وقوله : ( ^ ولا بكم ) هذا خطاب مع الكفار ، ومعناه : لا أدري أتؤخرون في العذاب أو يعجل لكم العذاب ، وفي بعض التفاسير : أن الله تعالى لما أنزل هذه الآية وجد النبي والمؤمنون وجدا شديدا أي : اغتموا ؛ فأنزل الله تعالى قوله : ( ^ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) فقيل له : يارسول الله ، هذا لك خاصة أولنا ولك ؟ فقال : هي لي ولكم إلا ما فضلت به من النبوة ' والخبر غريب .
وقوله : ( ^ إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين ) أي : نذير بين النذارة . < < الأحقاف : ( 10 ) قل أرأيتم إن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ) قال ابن سيرين وجماعة : هو عبد الله بن سلام ، وقد روي هذا أيضا عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغيرهم ، وعلى هذا القول هذه الآية مدنية من جملة السورة ؛ لأن عبد الله بن سلام أسلم بالمدينة بالاتفاق . وفي بعض الأخبار : أن جماعة من اليهود أتوا النبي وقد جعل رسول الله عبد الله بن سلام وراء ستر ، فقال لهم : كيف ابن سلام فيكم ؟ فقالوا : أعلمنا وابن أعلمنا ، وخيرنا وابن خيرنا .
فقال النبي : أرأيتم لو أسلم هل تسلمون أنتم ؟ فقالوا : معاذ الله أن يسلم ، فخرج عبد الله بن سلام وقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فقالوا : هو شرنا وابن شرنا ، وأجهلنا وابن أجهلنا ، وجعلوا يشتمونه ، فهو قوله تعالى ' ( ^ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ) ' .
____________________

( ^ يهدي القوم الظالمين ( 10 ) وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه )
وفي الآية قول آخر : وهو أن المراد به رجل من بني إسرائيل على الجملة ، وعلى هذا في الكتاب الآية مكية مثل سائر آيات السورة . وفي الآية قول ثالث : وهو أن الشاهد من بني إسرائيل هو موسى عليه السلام شهد بمثل ما شهد به الرسول من وحدانية الله تعالى ، وأن عبادة الأصنام باطلة ، وهذا قول مسروق وغيره ، وفي بعض التفاسير : أن
قوله : ( ^ وشهد شاهد من بني إسرائيل ) هو يامين بن يامين ، وكان من علماء اليهود أسلم على يد النبي ، والقول الأول هو المشهور .
وقوله تعالى : ( ^ فآمن واستكبرتم ) أي : آمن بما جاء به من محمد ، وتعظمتم أنتم عن الإيمان به بعد ظهور الحق .
وقوله : ( ^ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) ظاهر المعنى . وفي التفسير : أن في الآية حذفا ، وتقديره : ' قل أرأيتم إن كان من عند الله وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم ألستم قد ظلمتم وأتيتم بالقبيح الذي لا يجوز ' ثم قال : ( ^ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) ابتداء ، يعني : الكافرين . < < الأحقاف : ( 11 ) وقال الذين كفروا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وقال الذين كفروا للذين آمنوا . . . ) الآية . روى أن أمة يقال لها : ( زنيرة ) أسلمت فقال مشركو قريش : لو كان في هذا الدين خير ما سبقتنا إليه هذه الأمة ، ويقال : كانت آمة لعمر بن الخطاب . وفي بعض التفاسير : أن هذه الأمة عميت بعدما أسلمت ، فقال الكفار : إنما أصابها ما أصابها بإسلامها ، فرد الله عليها بصرها .
وفي الآية قول آخر : وهو أن مزينة وجهينة وغفار وأسلم آمنوا بالنبي ، وهي قبائل حول المدينة ، فقال بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع ، وهؤلاء رءوس قبائل العرب : لو كان في الدين خير ما سبقتنا إليه مزينة وجهينة وأسلم وغفار رعاة البهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم .
وقوله : ( ^ وإذا لم يهتدوا به ) أي : بالقرآن وبما جاء به محمد .
____________________

( ^ وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ( 11 ) ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين ( 12 ) إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( 13 ) أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون ( 14 ) ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ فسيقولون هذا إفك قديم ) أي : حديث مثل حديث المتقدمين ، وهي كذب وزور . < < الأحقاف : ( 12 ) ومن قبله كتاب . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ومن قبله كتاب موسى ) أي : كتاب من قبل القرآن كتاب موسى .
وقوله : ( ^ إماما ) نصب على الحال .
وقوله : ( ^ ورحمة ) معطوف عليه .
وقوله : ( ^ وهذا كتاب مصدق ) أي : مصدق للتوراة .
وقوله : ( ^ لسانا عربيا ) نصب على الحال أيضا ، ويقال معناه : بلسان عربي .
وقوله : ( ^ لينذر الذين ظلموا ) أي : القرآن ينذر الذين ظلموا ، وأما من قرأ بالتاء أي : تنذر يا محمد الذين ظلموا .
وقوله : ( ^ وبشرى للمحسنين ) بإيمانهم وأعمالهم الصالحة . < < الأحقاف : ( 13 ) إن الذين قالوا . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا )
وقوله : ( ^ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) قد ذكرنا أيضا . < < الأحقاف : ( 14 ) أولئك أصحاب الجنة . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أولئك أصحاب الجنة . . . . ) الآية ظاهر المعنى . < < الأحقاف : ( 15 ) ووصينا الإنسان بوالديه . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ووصينا الإنسان بوالديه حسنا حملته أمه كرها ووضعته كرها ) الكره : هو الإكراه ، والكره هو المشقة في الحمل حين يثقل الحمل ، والمشقة في الوضع عند الطلق ، ومعنى الكره قريب من هذا أي : على كراهة منها ، وفي تفسير النقاش : حملته سرورا ، ووضعته سرورا ، حكى عن الفراء : أن الكره بالضم هو السرور ، والكره بالفتح هو الكراهة ، حكاه النقاش .
____________________

( ^ حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين ( 15 ) أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) معناه : أن أقل مدة الحمل ستة أشهر ، ومدة الفصال سنتان ، فذلك ثلاثون شهرا ، وروى أن امرأة أتت بولد لستة أشهر من وقت النكاح في زمان عمر رضي الله عنه فهم عمر برجمها ، فقال علي رضي الله عنه لا سبيل لك عليها ، وتلا قوله تعالى : ( ^ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) فقال عمر : لولا علي لهلك عمر .
وفي بعض التفاسير : أن المرأة وضعت لستة أشهر فمدة الفصال أربعة وعشرون شهرا ، وإن وضعت لتسعة أشهر فمدة الفصال [ أحد ] وعشرون شهرا ، وهذا خلاف قول الفقهاء ؛ فإن عند أكثر الفقهاء مدة الفصال حولان بكل حال .
وقوله تعالى : ( ^ حتى إذا بلغ أشده ) قد بينا معنى الأشد .
وقوله : ( ^ وبلغ أربعين سنة ) قد بينا أيضا ، وهو منتهى مدة كمال العقل .
وقوله : ( ^ قال رب أوزعني ) أي : ألهمني .
( ^ أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين ) ظاهر المعنى ، واختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية ؟ فقال الكلبي ومقاتل والضحاك : إنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقال الحسن البصري : إنها عامة في جميع المؤمنين . ومعنى الآية : هو الإرشاد إلى شكر الله ودعاء الوالدين . < < الأحقاف : ( 16 ) أولئك الذين نتقبل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ) أي : الأحسن من
____________________

( ^ الصدق الذي كانوا يوعدون ( 16 ) والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * أعمالهم ، والأحسن من الأعمال كل ما يرضاه الله تعالى .
وقوله : ( ^ ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة ) أي : مع أصحاب الجنة .
وقوله : ( ^ وعد الصدق الذي كانوا يوعدون ) أي : يوعدون من الثواب على الأعمال الصالحة ، ويقال : إن الآية الأولى نزلت في سعد بن أبي وقاص ، وكان قد أسلم ومنعه أبواه من الإسلام وشددا عليه الأمر ليرجع عن دينه ، وقد بينا هذا من قبل . ويقال : نزلت في أخيه عمير بن أبي وقاص ، ومعنى الآية على هذا : هو الوصية بالإحسان إليهما دون الموافقة في الشرك . < < الأحقاف : ( 17 ) والذي قال لوالديه . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ والذي قال لوالديه أف لكما ) زعم جماعة من أهل التفسير أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما [ ووالديه ] أبو بكر وأمه [ أم ] رومان .
وقوله تعالى : ( ^ أف لكما ) تبرم واستقذار ، وكانا يقولان : اللهم اهده ، اللهم أقبل بقلبه ، وكان يقول : أتعدانني أن ( أبعث ) أي : أتوعداني بالبعث ، وهذا هو معنى قوله : ( ^ أتعدانني أن أخرج ) .
وقوله : ( ^ وقد خلت القرون من قبلي ) أي : مضت القرون : من قبل ، أين عبد الله بن جدعان ؟ وفلان وفلان ؟ .
وقوله : ( ^ وهما يستغيثان الله ) أي : يستغيثان بالله .
وقوله : ( ^ ويلك آمن ) أي : ويحك ، آمن ( ^ إن وعد الله حق ) .
وقوله : ( ^ فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين ) أي : أقاصيص الأولين ، وأنكر كثير
____________________

( ^ إلا أساطير الأولين ( 17 ) أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ( 18 ) ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ( 19 ) ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * من أهل التفسير هذا القول ، وروي عن عائشة أنها كانت تنكر أن المراد بالآية أخوها ، وكذلك ذكر الزجاج في كتاب المعاني وغيره ، واستدلوا على ضعف هذا القول وفساده بأن الله تعالى قال عقيب هذه الآية < < الأحقاف : ( 18 ) أولئك الذين حق . . . . . > > : ( ^ أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس ) أي : وجب عليهم القول بالتعذيب في النار .
وقد قال الله تعالى : ( ^ ما يبدل القول لدى ) وعبد الرحمن بن أبي بكر أسلم وحسن إسلامه ، وهو من أفاضل المسلمين ، فالصحيح أن الآية في غيره ، وهو الكافر العاق ( بوالديه ) الذي مات على الكفر .
وقوله تعالى : ( ^ في أمم ) أي : مع أمم .
وقوله : ( ^ قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ) أي : هالكين . < < الأحقاف : ( 19 ) ولكل درجات مما . . . . . > >
قوله : ( ^ ولكل درجات مما عملوا ) أي : لكل المؤمنين درجات مما عملوا .
وفي التفسير : أن الدرجات من الذهب والفضة والياقوت والزبرجد والزمرد واللؤلؤ وغيره من الجواهر ، وفي بعض الأخبار : أن الله تعالى يدخل المؤمنين الجنة ويأمرهم أن يقسموها بأعمالهم .
وقوله : ( ( ولنوفينهم ) أعمالهم وهم لا يظلمون ) أي : لا يزاد في إساءة المسيء ، ولا ينقص من إحسان المحسن . < < الأحقاف : ( 20 ) ويوم يعرض الذين . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ) أي : أذهبتم طيباتكم في الآخرة من معاصيكم في الدنيا ، ويقال : شغلتكم
____________________

( ^ الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * الشهوات عن الطاعات . وقيل : أخذتم نصيبكم في الدنيا فلا نصيب لكم في الآخرة .
وقوله : ( ^ واستمتعتم بها ) أي : تلذذتم وانتفعتم بها ، وفي المشهور من الخبر ' أن عمر رضي الله عنه دخل على النبي في خزانته وهو مضطجع على [ خصفة ] وبعضه على الأرض ، وتحت رأسه وسادة حشوها ليف ، وفي البيت أهب وقليل من القرظ ، فبكى عمر ، فقال له رسول الله : ماذا ( يبكيك ) ؟ فقال : ذكرت كسرى وقيصر وما هما فيه من النعم وحالك على ما أرى ، وأنت نبي الله وصفوته وخيرته ، فقعد رسول الله وقال : أفي شك أنت يا ابن الخطاب ! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا ، وأخرت لنا إلى الآخرة ' .
وروي أن عمر رضي الله عنه قال : ما أجمل لذيذ العيش لو شئت أمرت بصغار المعزى فيمسط لنا ، وأمرت بلباب البر فيخبز لنا ، وأمرت بالزبيب فينبذ لنا حتى يصير كعين اليعقوب ، فآكل من هذا مرة ، وأشرب من هذا مرة ، ولكن سمعت الله يقول لقوم : ( ^ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ) ، فأنا أخاف أن أكون منهم .
وروي أنه رأى جابر بن عبد الله وبيده لحم قد اشتراه قال : ما هذا ؟ قال : اشتريته بدرهم . فقال : أو كلما قام أحدكم اشترى بدرهم لحما . وفي رواية : كلما اشتهيت اشتريت ، أما سمعت الله يقول : ( ^ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ) أم تخافون أن تكونوا منهم ؟
وقوله : ( ^ اليوم تجزون عذاب الهون ) أي : الهوان ، وهو كذلك في قراءة ابن مسعود .
وقوله : ( ^ بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق ) أي : تطلبون العلو والرفعة
____________________

الحق وبما كنتم تفسقون واذكر أخا عاد إذ انذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال
والغلبة بغير حق
وقوله : ( ^ وبما كنتم تفسقون ) أي : تخرجون عن طاعة الله . < < الأحقاف : ( 21 ) واذكر أخا عاد . . . . . > >
وقوله تعالى ( ^ واذكر أخا عاد ) وهو هود عليه السلام وكان أخاهم في النسب لا في الدين .
وقوله : ( ^ إذا أنذر قومه بالأحقاف ) أى : قومه عاداً ، والأحقاف : جمع حقف ، وهو الرمل المعوج وفي الخبر : ( مر رسول الله بظبي حاقف ) أي قد انثنى عنقه ويقال الأحقاف رمال مستطيلة شبه الدكاكين . وقيل : رمال مشرفة على البحر بالشحر من اليمن وعن ابن عباس أرض بين عمان ومهرة وعن ابن إسحاق أرض بين عمان وحضرموت كانت منازل عاد بها وروى أبو الطفيل عن على رضي الله عنه أنه قال شر بئر في الأرض بئر وادي حضرموت يقال له : برهوت يجعل فيها أرواح الكفار وخير بئر في الأرض بئر زمزم . ويقال : جبال بالشام والأصح أنهم كانوا باليمن وأما منازل ثمود وقوم لوط بين المدينة والشام .
وقوله ( ^ وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ) أى خلت النذر قبل هود وبعده .
وقوله : ( ^ ألا تعبدوا إلا الله إني اخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) أي : كبير < < الأحقاف : ( 22 ) قالوا أجئتنا لتأفكنا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا ) أى : تصرفنا .
وقوله : ( فأتنا بما تعدنا ) أي : من العذاب . ( ^ إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون ( 23 ) فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ إن كنت من الصادقين ) يعني : إن كنت نبيا من قبل الله تعالى . < < الأحقاف : ( 23 ) قال إنما العلم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قال إنما العلم عند الله ) أي : وقت عذابكم يعلمه الله ، ولا أعلمه أنا .
وقوله : ( ^ وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون ) ومعناه : أن إلي تبليغ الرسالة ، وليس إلي إنزال العذاب ، وإنما هو إلى الله تعالى . < < الأحقاف : ( 24 ) فلما رأوه عارضا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم ) العارض : هو السحاب هاهنا قال الشاعر :
( إذا نظرت إلى أسرة وجهه ** برقت كبرق العارض المتهلل )
وقال آخر :
( يا من يرى عارضا قد [ بت ] أرمقه ** كأنما البرق في حافاته الشعل )
وفي القصة : أن الله تعالى حبس عنهم القطر ثلاث سنين ، فجعلوا يدعون ويسألون الله المطر ، وروي أنهم وفدوا وفدا إلى الحرم يسألون الغيث ، وكان لهم واد يقال له : المغيث ، وكان غيثهم يأتي من قبل ذلك الوادي ، فرأوا سحابة جاءت من جانب ذلك الوادي ، وكانت سوداء فاستبشروا و ( ^ قالوا هذا عارض ممطرنا ) أي : سحاب يرسل علينا المطر ؛ فقال هود عليه السلام ، وكان جالسا معهم : ( ^ بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ) .
وقوله : ( ^ بل هو ما استعجلتم به ) أنهم كانوا قد قالوا : ' فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ' . وذكر ابن إسحاق أن أول من رأى العذاب في السماء امرأة منهم فقالت : أرى نيرانا أمامها رجال يقودونها .
____________________

^ أليم ( 24 ) تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين ( 25 ) ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وفي القصة : أن قوم هود قالوا لهود : أتوعدنا بالريح ، وأي الريح تصرعنا وتهلكنا ، فروى أن الله تعالى أمر الملك الذي هو على خزانة الريح أن يرسل الريح من الخزانة فقال : وكم أرسله ؟ فقيل له : على مقدار منخر الثور ، فقال : إذا تقلب الأرض بمن فيها . فقيل له : على قدر حلقة الخاتم فأرسلت على هذا القدر فجعلت تطير بالظعن بين السماء والأرض ، وتحمل الراعي مع غنمه وإبله وتروحها إلى الهواء ، ثم تطرحها على الجبال وتشدخها ، وكذلك فعلت بجميع عاد حتى أهلكتهم ، وفي التفسير : أنها كانت تحمل الرجال بين السماء والأرض حتى يرى كالجراد ، وكان هذا العذاب مسخرا عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما على ما ذكر الله تعالى في موضع آخر .
وفي القصة : أن هود عليه السلام اعتزل بقومه الذين آمنوا به وخط لهم خطا ، وكانت الريح في ذلك الخط ألين ريح وأطيبها ، وهي تعمل بقومه العجائب . وروي أنهم لما رأوا العذاب وأرسلت الريح عليهم دخلوا بيوتهم ، وهي من صخر ، وأغلقوا الأبواب ، ففتحت الريح أبوابهم ونزعتهم من بيوتهم ، وأهالت الرمال عليهم حتى أهلكتهم تحت الرمال ، وإن أنين بعضهم يسمع تحتها . < < الأحقاف : ( 25 ) تدمر كل شيء . . . . . > >
وقوله : ( ^ تدمر كل شيء بأمر ربها ) أي : بإذن ربها .
وقوله : ( ^ فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ) روي أن الله تعالى لما أهلكهم بعث بطير كثير حتى التقطتهم وألقتهم في البحر ، فأصبحت مساكنهم خالية عن جميعهم ، فذلك قوله تعالى : ( ^ فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ) .
وقوله : ( ^ كذلك نجزي القوم المجرمين ) أي : ذو الإجرام . < < الأحقاف : ( 26 ) ولقد مكناهم فيما . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : فيما لم نمكنكم فيه أي : جعلنا تمكينهم ونعمهم في الأرض أكثر وأوسع .
والقول الثاني : مكناهم فيما مكناكم فيه ، ' وإن ' صلة .
____________________

( ^ فما اغنى عنهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ( 26 ) ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون ( 27 ) فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
والقول الثالث : إن في الآية حذفا ، وتقديرها : ولقد مكناكم فيما إن مكناهم فيه كان عنادكم وعتوكم أكثر ، وهذا هو المحذوف .
وقوله : ( ^ وجعلنا لهم سمعا ) أي : أسماعا .
وقوله : ( ^ وأبصارا وأفئدة ) أي : ( أعينا ) يبصرون بها ، وقلوبا يعلمون بها .
وقوله : ( ^ فما أغنى عنهم ) أي : ما دفعت عنهم وسمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم حتى نزل بهم العذاب .
وقوله : ( ^ من شيء إذا كانوا يجحدون بآيات الله ) أي : ينكرون آيات الله .
وقوله : ( ^ وحاق بهم ) أي : نزل بهم .
وقوله : ( ^ ما كانوا يستهزئون ) أي : جزاؤه . < < الأحقاف : ( 27 ) ولقد أهلكنا ما . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون ) أي : منازل عاد باليمن ، ومنازل ثمود ، و [ مدائن ] قوم لوط فيما بين المدينة والشام ، وقوله : ( ^ وصرفنا الآيات ) أي : مرة عاقبناهم ، ومرة أنعمنا عليهم ، ويقال : خوفناهم مرة ، وأطعمناهم مرة .
وقوله : ( ^ لعلهم يرجعون ) أي : عن الكفر الذي كانوا عليه . < < الأحقاف : ( 28 ) فلولا نصرهم الذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فلولا نصرهم الذين اتخذوا ) معناه : فهلا نصرهم ( ^ الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة ) أي : منع الأصنام منهم عذابنا . وقوله : ( ^ قربانا ) إنما قال ذلك ؛ لأنهم كانوا يقولون إن عبادتنا لها تقربنا إلى الله .
____________________

( ^ ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون ( 28 ) وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ( 29 ) ) * * * *
وقوله : ( ^ بل ضلوا عنهم ) أي : ضلوا عن عبادة الأصنام ولم تنفعهم أبدا .
وقوله : ( ^ وذلك إفكهم وما كانوا يفترون ) أي : ذلك كذبهم وفريتهم . < < الأحقاف : ( 29 ) وإذ صرفنا إليك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وإذا صرفنا إليك نفرا من الجن . . . ) الآية معناه : وجهنا وجوههم إليك ، وأما سبب نزول الآية : وهو أن النبي لما دعا كفار مكة إلى الإسلام وأبوا أن يسلموا خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإيمان ، فلما رجع إلى مكة وكان ببطن نخلة ، مر عليه أشراف من جن نصيبين وهو يصلي صلاة الصبح ، ويقال : إنهم رأوه ببطن نخلة وهو عامد إلى عكاظ . وأختلفوا في عددهم ، فقال بعضهم : كانوا سبعة نفر . وقال بعضهم : كانوا تسعة نفر . ويقال : كان فيهم زوبعة . وقد ذكر في أسمائهم حسى ومسى ويسى وشاصر وناصر ، والله أعلم . فلما سمعوا قراءة النبي اجتمعوا لسماعه . وفي التفسير أيضا : أن الجن كانوا يستمعون إلى السماء قبل زمان النبي ؛ فلما كان زمان النبي رموا بالشهب ، فاجتمعوا وقالوا : ما هذا إلا لأمر حدث في الأرض ، فضربوا في الأرض يمينا وشمالا حتى وجدوا النبي ببطن نخلة يصلي ويقرأ القرآن وحوله الملائكة يحرسونه ؛ فعرفوا أن ما حدث من الأمر كان لأجله ' .
وقوله : ( ^ فلما حضروه قالوا أنصتوا ) أي : أسكت بعضهم بعضا ، وروي أنه قال بعضهم لبعض : صه أي : اسكتوا .
وقوله : ( ^ فلما قضى ) معناه : فلما فرغ من القراءة .
وقوله : ( ^ ولوا إلى قومهم منذرين ) أي : محذرين ، ويقال : ولوا دعاة إلى التوحيد . وقد قيل : إن الجن كانوا من جن الموصل ، وهي نينوى بلدة يونس بن متى ، ويقال : من حران ، وقيل : غير ذلك . < < الأحقاف : ( 30 ) قالوا يا قومنا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ) فإن قيل : كيف
____________________

( ^ قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ( 30 ) يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ( 31 ) ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس ) * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * ذكر من بعد موسى ولم يذكر عيسى ، وعيسى نبي مثل موسى عليهما السلام وقد آتاه الله الإنجيل أيضا وهو كتابه ؟ والجواب عنه : يحتمل أنهم لم يكونوا سمعوا بذكر عيسى ، ويحتمل أنهم سمعوا بذكر موسى وعيسى جميعا إلا أنهم ذكروا موسى لأنه أقدم ؛ ولأنه عامة ما في الإنجيل من الأحكام موافقة لما في التوراة إلا في أشياء معدودة .
وقوله : ( ^ مصدقا لما بين يديه ) أي : لما بين يديه من الكتب .
وقوله : ( ^ يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ) أي : مستو . < < الأحقاف : ( 31 ) يا قومنا أجيبوا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ياقومنا أجيبوا داعي الله ) أي : محمدا .
( ^ وآمنوا به ) أي : صدقوا به ( ^ يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ) أي : النار . < < الأحقاف : ( 32 ) ومن لا يجب . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض ) أي : لا يفوت الله ولا يسبقه .
وقوله : ( ^ وليس له من دونه أولياء ) أي : أنصار [ يمنعونهم ] من العذاب .
وقوله : ( ^ أولئك في ضلال مبين ) أي : خطأ بين ، وفي الأخبار : أن وفد الجن ذهبوا وأنذروا قومهم ، وعادوا إلى النبي بعد ما أسلم طائفة كثيرة منهم ، وذهب النبي وقرأ عليهم القرآن وعلمهم الأحكام ، وفي حمله عبد الله بن مسعود مع نفسه اختلاف كثير ، فروي أنه لما أراد أن يذهب إلى الجن قال : ' ليقم منكم معي رجل ليس في قلبه مثقال خردل من كبر ، فقام عبد الله بن مسعود وحمله مع نفسه ، وخط له خطا وقال له : إياك أن تبرح هذا الخط ، وذهب يخاطب الجن ، وكان هذا الاجتماع بالحجون ، وهو موضع بأعلى مكة ، فروي انه لما سمع عبد الله بن مسعود
____________________

( ^ له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين ( 32 ) أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير ) * * * * لغظهم وأصواتهم ظن بالنبي الظنون ، فأراد أن يخرج من الخط ، ثم إنه ذكر وصية النبي فلم يخرج ، وذكر ذلك للنبي من بعد فقال : لو خرجت لم تلقني أبدا ' . وروي أنه رأى بعضهم ورأى آثار نيرانهم .
وفي هذا كلام كثير ، وروايات مختلفة ، وفي رواية علقمة عن عبد الله بن مسعود أنه قال : لم يكن معه منا أحد ليلة الجن ، والله أعلم في ذلك .
وقال أهل العلم : في الآية دليل على أن النبي كان مبعوثا إلى الجن والإنس . < < الأحقاف : ( 33 ) أو لم يروا . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن ) أي : لم يعجز عن خلقهن ، وقيل : لم يتعب ولم ينصب بخلقهن ، خلاف ما قالته اليهود : أنه تعب من خلقهن فاستراح يوم السبت .
وقوله : ( ^ بقادر ) أي : قادر ( ^ على أن يحي الموتى ) .
وقوله : ( ^ بلى إنه على كل شيء قدير ) أي : قادر . < < الأحقاف : ( 34 ) ويوم يعرض الذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق ) معناه : يقال لهم : أليس هذا بالحق .
وقوله : ( ^ قالوا بلى وربنا ) أي : نعم .
وقوله : ( ^ قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) أي : تكفرون بالله . < < الأحقاف : ( 35 ) فاصبر كما صبر . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ) أي : فاصبر على ما يصيبك من أذى المشركين .
وقوله : ( ^ كما صبر أولوا العزم من الرسل ) أكثر المفسرين على أنهم أربعة : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى عليهم السلام ، وقال مقاتل : أولوا العزم ، نوح صبر على
____________________

( ( 33 ) ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ( 34 ) فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم ) * * * * * أذى قومه ، وإبراهيم صبر على النار ، وإسحاق صبر على الذبح ، ويعقوب صبر على فقد الولد ، ويوسف صبر على السجن ، وأيوب صبر على الضر . وقيل : أولوا العزم هم : نوح ، وهود ، وإبراهيم . وفي الآية قول آخر وهو معروف : أن جميع الأنبياء هم المراد بالآية ، وليست ' من ' للتبعيض وإنما للتبيين ، وقال من ذهب إلى هذا القول : ليس في الأنبياء أحد ليس له عزم ولا حزم ولا رأى ولا عقل ، بل كانوا جميعا بهذه الأوصاف . ومنهم من قال : أولوا العزم من الرسل : هم الذين أمروا بالقتال ومنابذة المشركين فقاتلوا ونابذوا ، وفي بعض المسانيد برواية عائشة رضي الله عنها أن النبي قال لها : ' مالي وللدنيا يا عائشة ، وإنما أمرت ان أصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ، صبروا على مكروهها ، وصبروا على محبوبها أي : مكروه الدنيا ومحبوب الدنيا والله لأفعلن كما فعلوا ، وأجتهدن حتى أنال رضا ربي ' والخبر غريب . والقول الذي ذكرناه أخيرا ذكره الكلبي وغيره ، وفي قول هؤلاء ليس آدم من أولي العزم ولا يونس صلوات الله عليهما .
وقوله : ( ^ ولا تستعجل لهم ) في التفسير : أن النبي استبطأ عذاب الكفار [ بعض ] الاستبطاء ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية : ( ^ ولا تستعجل لهم )
وقوله : ( ^ كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ) واليوم الذي يوعدون يوم القيامة ، وقوله : ( ^ بلاغ ) أي : هذا بلاغ ، وهو إشارة إلى القرآن ، وقرأ ( أبو ) مجلز لاحق بن حميد ' بلغ ' على وجه الأمر .
____________________

( ^ الفاسقون ( 35 ) ) * * * * * * * *
وقوله : ( ^ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ) أي : الكافرون ، والفاسق : [ هو ] الخارج عن طاعة الله ، وذلك الكافر ، ويقال : إن هذه الآية أرجى آية في القرآن . قال قتادة : لا يهلك على الله إلا هالك ، ثم فسر الهالك قال : هو كافر ولى الإسلام ظهره ، أو منافق يصف الإيمان بلسانه وينكر بقلبه .
____________________

<
> بسم الله الرحمن الرحيم <
> ( ^ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم ( 1 ) والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح ) * * * * * * <
> تفسير سورة محمد <
>
وهي مدنية ، وهذه السورة تسمى سورة القتال ، وسورة الأنفال تسمى سورة الجهاد ، وكان أصحاب رسول الله إذا قاتلوا العجم وغيرهم بعد رسول الله قرءوا هاتين السورتين بين الصفين ؛ ليحرضوا المسلمين على القتال . < < محمد : ( 1 ) الذين كفروا وصدوا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم ) أي : أحبط أعمالهم . قال المفسرون : نزلت الآية في المطعمين يوم بدر ، وهو اثنا عشر نفرا ، كان كل واحد منم ينحر كل يوم عشرا من الجزور ، هذا هو القول المشهور ، و ( ^ أعمالهم ) إطعامهم ، أحبطها الله تعالى ولم يقبلها منهم . ويقال : إن الآية في جميع أهل مكة من الكفار . < < محمد : ( 2 ) والذين آمنوا وعملوا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ) القول المشهور في الآية : أن المراد بهم الأنصار ، وقيل : إنه في جميع من آمن مع النبي .
وقوله : ( ^ وهو الحق من ربهم ) أي : آمنوا بما هو الحق من ربهم .
وقوله : ( ^ كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ) أي : حالهم ، [ يقال ] : ما بالك وما حالك بمعنى واحد . < < محمد : ( 3 ) ذلك بأن الذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ) أي : ذلك الذي فعلناه من إحباط ( أعمال ) الكفار ، وقبول أعمال المؤمنين وتكفير سيئاتهم وإصلاح بالهم ، كان بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ، وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم .
____________________

( ^ بالهم ( 2 ) ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ( 3 ) فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو ) * * * * * *
وقوله : ( ^ كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ) أي : أمثال سيئات الكفار وحسنات المؤمنين ، يقال : ضربت لفلان مثلا أي : ذكرت له نوعا من الكلام لمعنى معلوم . < < محمد : ( 4 ) فإذا لقيتم الذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ) أي : فاضربوا الرقاب ، وضرب الرقاب جزها وقطعها .
وفي التفسير : ' أن قوما من المسلمين كان بعثهم النبي لقتال قوم من الكفار ، فأحرقوا بعض الكفار ؛ فبلغ النبي فأنكره ، وقال : ' إني ما بعثت لأعذب بعذاب الله أحدا ' . فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وعلمهم كيفية القتل .
وقوله : ( ^ حتى إذا أثخنتموهم ) الإثخان : بلوغ الغاية في النكاية ، ويقال : الاستكثار من القتل .
وقوله : ( ^ فشدوا الوثاق ) أي : فأسروهم وشدوهم . وسئل الأوزاعي كيف نشد الأسير ؟ قال : بحبل ، قيل : هل نشد بالقد ؟ قال : ذاك عظيم ، وقيل له : نشد المرأة ؟ قال : نعم .
وقوله : ( ^ فإما منا بعد وإما فداء ) في الآية أقوال : أحدها : أنها محكمة ، وهو المعروف . قال مجاهد وغيره : والإمام بالخيار في الأسرى ؛ إن شاء قتل ، وإن شاء فادى ، وإن شاء من ، وإن شاء استرق ، وحكى هذا عن ابن عباس ، والذي ذكرناه قول الشافعي وكثير من الأئمة .
والقول الثاني : أن الآية منسوخة بقوله تعالى : ( ^ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) قاله قتادة والسدى وغيرهما .
____________________

( ^ يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل ) * * * * *
والقول الثالث : أن الآية ناسخة لقوله تعالى : ( ^ فاقتلوا المشركين ) ذكره الضحاك ، ولا يجوز في الأسر القتل . والأول أولى الأقاويل ؛ لأنه قد ثبت بروايات كثيرة ' أن النبي فادى كثيرا من الأسارى ، ومن على كثير من الأسارى ' على ما ذكر في الكتب الصحيحة .
وقوله : ( ^ حتى تضع الحرب أوزارها ) قال قتادة : حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم وقال سعيد بن جبير : حتى ينزل عيسى [ ابن مريم ] من السماء ، ويكسر الصليب ، ويسلم كل كافر . وقد ثبت أن النبي قال : ' لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق حتى تقوم الساعة ' . وفي رواية أخرى : ' حتى يكون آخر من يقاتلون الدجال ' . وفي الجملة لا تضع الحرب أوزارها ما بقي في العالم كافر حربي .
قوله تعالى : ( ^ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ) أي : فانتصر منهم بجند من الملائكة ، أو بأي جند أراد ، والانتصار هاهنا هو الانتقام ، ومعناه : أنه لو يشاء لم يأمركم بقتال الكفار ، وانتقم بنفسه منهم ( ^ ولكن ليبلو بعضكم ببعض ) أي : ليبلو المسلمين بالكافرين ، والكافرين بالمسلمين ، مرة تكون النصرة للمؤمنين ، ومرة تكون النصرة للكافرين مثل ما كان ببدر وأحد ، وهو تبلية الله كيف يشاء لمن يشاء .
وقوله : ( ^ والذين قتلوا في سبيل الله ) أي : الشهداء .
____________________

( ^ أعمالهم ( 4 ) سيهديهم ويصلح بالهم ( 5 ) ويدخلهم الجنة عرفها لهم ( 6 ) يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ( 7 ) والذين كفروا فتعسا ) * * * * *
وقوله : ( ^ فلن يضل أعمالهم ) أي : يثيبهم على أعمالهم . < < محمد : ( 5 ) سيهديهم ويصلح بالهم > >
وقوله : ( ^ سيهديهم ويصلح بالهم ) أي : حالهم . < < محمد : ( 6 ) ويدخلهم الجنة عرفها . . . . . > >
وقوله : ( ^ ويدخلهم الجنة عرفها لهم ) القول المشهور أن معناه : عرفهم منازلهم ، ومعنى قوله : ( ^ عرفها لهم ) أي : بينا لهم ، فيكونون أهدى إلى منازلهم من القوم يعودون من الجمعة إلى دورهم . قال سلمة بن كهيل : عرفهم ( طرق ) منازلهم في الجنة . ويقال : عرفها لهم أي : طيبها لهم . وقيل : عرفها لهم أي : رفعها لهم ، والعرف : هو الريح . وفي الخبر ' أن من أعان على قتل أخيه بشطر كلمة لم يجد عرف الجنة ، وأن ريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام ' . وهذا القول محكي عن ابن عباس . وعن مقاتل أنه قال : إذا حشر المؤمن وأمر به إلى الجنة يقدمه الملك الذي كان يكتب عمله ويطوف به في الجنة ، ويريه منازله حتى إذا بلغ أقصى منازله ورأى جميعها انصرف الملك ، وترك المؤمن في قصوره يتنعم فيها كما يشاء بما شاء .
وعن مجاهد أنه قال : لا يحتاج المؤمن إلى دليل إلى قصوره ومنازله ، بل يكون عارفا بها كما يكون عالما بمنزله في الدنيا . < < محمد : ( 7 ) يا أيها الذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ) معناه : إن تنصروا نبي الله أو دين الله ينصركم . والنصرة من الله : هو الحفظ والهداية . وعن قتادة قال : من ينصر الله ينصره ، ومن يسأله يعطه ، ويقال : ينصركم بتغليبكم على عدوكم وإعلائكم عليهم .
وقوله : ( ^ ويثبت أقدامكم ) أي : في القتال . ويقال : يثبت أقدامكم على الصراط ، وقد حكى هذا عن ابن عباس .
____________________

( ^ لهم وأضل أعمالهم ( 8 ) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ( 9 ) أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين ) * * * * * < < محمد : ( 8 ) والذين كفروا فتعسا . . . . . > >
وقوله : ( ^ والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم ) أي : بعدا لهم . والتعس في اللغة هو العثور والسقوط . وقال ثعلب : التعس : الهلاك .
قال ابن السكيت : التعس أن [ يخر ] على وجهه ، والنكس أن يخر على رأسه .
ويقال : فتعسا لهم أي : شرا لهم وتبا لهم . والذي جاء في الخبر ' تعس وانتكس ' ، قد بينا معنى تعس . وأما معنى قوله : انتكس أي : انقلب أمره وفسد ، وهذا على معنى الدعاء .
وقوله : ( ^ وأضل أعمالهم ) أي : أضل الله أعمالهم بمعنى : أحبطها ، فإن قيل : وأي عمل للكفار حتى يحبطه الله تعالى ؟ والجواب : أنهم كانوا يعملون أعمالا على فضل الخير والتقرب إلى الله تعالى مثل : الصدقة ، وصلة الرحم ، والحج ، والطواف ، وما أشبه ذلك ، ويظنون أن الله تعالى يثيبهم عليها ، فأخبر الله تعالى أنه يحبطها بكفرهم . < < محمد : ( 9 ) ذلك بأنهم كرهوا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ) أي : كرهوا نبوة محمد وماأنزله الله من القرآن . < < محمد : ( 10 ) أفلم يسيروا في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم ) أي : أهلكهم بكفرهم .
وقوله : ( ^ وللكافرين أمثالها ) أي : لهؤلاء الكافرين من سوء العاقبة مثل ما لأولئك الكفار .
وقوله : ( ^ ذلك بأن الله مولى الذين أمنوا ) أي : ولي الذين آمنوا ، وهو كذا في قراءة ابن مسعود .
____________________

( ^ أمثالها ( 10 ) ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ( 11 ) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تختها الأنهار والذين كفروا ) * * * * * *
وقوله : ( ^ وأن الكافرين لا مولى لهم ) أي : لا يتولاهم الله تعالى ، بمعنى : أنه لا يهديهم ولا ينصرهم . وفي بعض الآثار : أن عليا رضي الله عنه سأل ابن الكوا فقال : من رب العالمين ؟ قال : الله . قال : صدقت قال من مولى الناس قال الله قال كذبت ، وتلا < < محمد : ( 11 ) ذلك بأن الله . . . . . > > قوله تعالى : ( ^ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ) وعن قتادة قال : ' نزلت الآية في حرب أحد ، فإنه لما فشا القتل والجراحات في أصحاب رسول الله ، وفعل بالنبي ما فعل ، نادى المشركون : يوم بيوم بدر والحرب سجال ، ثم قالوا : لنا العزى ، ولا عزى لكم ، فقال : قولوا : الله مولانا ولا مولى لكم ، ولا سواء ؛ قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ' . < < محمد : ( 12 ) إن الله يدخل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ) يعني : لا يخافون عقابا ، ولا يرجون ثوابا . وقيل : ليس لهم هم إلا التمتع والأكل كالأنعام .
وقوله : ( ^ والنار مثوى لهم ) أي : منزل لهم . < < محمد : ( 13 ) وكأين من قرية . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وكأين من قرية ) ' وكائن من قرية ' ، بالتخفيف .
وأنشد الأخفش قول لبيد :
( وكائن رأينا من ملوك وسوقة ** ومفتاح قيد للأسير المكبل )
ومعناه : وكم من أهل قرية هم أشد قوة من أهل قريتك التي أخرجتك أي : أخرجك أهلها .
____________________

( ^ يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم ( 12 ) وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم ( 13 ) أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم ( 14 ) مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار ) * * * * * *
وقوله : ( ^ أهلكناهم فلا ناصر لهم ) أي : لم يكن لهم أحد يمنعهم من عذابنا . < < محمد : ( 14 ) أفمن كان على . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أفمن كان على بينة من ربه ) أي : على يقين من أمر ربه .
ويقال : المراد من الآية محمد .
وقوله : ( ^ كمن زين له سوء عمله ) هو أبو جهل ، وقيل : الآية في جميع المؤمنين والكفار . ومعنى الآية : أن الفريقين لا يستويان ، فحذف هذا لفهم المخاطب ، وهذا كالرجل يقول : من فعل الخيار سعد ، ومن فعل السيئات شقي . ثم يقول : أفمن سعد كمن [ شقي ] ، يعني : لايكون ، وحذف لفهم المخاطب . وقيل : الألف في قوله : ( ^ أفمن ) ألف توقيف وتقرير لما علم المخاطب منه .
وقوله : ( ^ واتبعوا أهواءهم ) أي : اتبعوا أهواءهم في اتباع الكفر . < < محمد : ( 15 ) مثل الجنة التي . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ مثل الجنة التي وعد المتقون ) في قراءة علي رضي الله عنه : ' أمثال الجنة التي وعد المتقون ' والمعنى : صفة الجنة التي وعد المتقون أي : صفات الجنة التي وعد المتقون ، ومعناه : وعد المتقون من ( الشرك ) .
وقوله : ( ^ فيها أنهار من ماء غير الخير آسن ) أي : غير متغير . يقال : أسن الماء يأسن إذا تغير ، وأجن يأجن إذا تغير أيضا ، وإنما قال ذلك لأن الماء يتغير بطول المكث ، وماء الجنة لا يتغير بطول المكث .
وقوله : ( ^ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ) أي : يحمض . وإنما قال ذلك لأن اللبن إذا مر عليه الزمان يتغير ويحمض ، وقد ثبت أن النبي قال : ' أوتيت بإناءين ليلة المعراج في أحدهما خمر ، وفي الآخر لبن ، فأخذت اللبن وشربته ، فقال جبريل عليه السلام : أصبت الفطرة ' .
____________________

( ^ من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهارا من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعائهم ( 15 ) ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك ) * * * * *
ومن المعروف أيضا ' أن النبي كان إذا أكل طعاما شكر الله تعالى ، وسأل [ الله ] أن يرزقه خيرا منه إلا اللبن ، فإنه كان إذا شرب اللبن شكر الله تعالى ولم يقل وارزقنا خيرا منه ' .
وقوله : ( ^ وأنهار من خمر لذة للشاربين ) واللذة : طيبة النفس في الشرب ، وقد بينا وصف خمر الجنة قبل هذا .
وقوله : ( ^ وأنهار من عسل مصفى ) أي : منقى من الكدر والعكر .
ويقال : مصفى من الشمع ألا يكون فيه شمع .
وقوله : ( ^ ولهم فيها من كل الثمرات ) أي : الفواكه .
وقوله : ( ^ ومغفرة من ربهم ) أي : العفو من ربهم .
وقوله : ( ^ كمن هو خالد في النار ) أي : من يعطي مثل هذه النعم يكون حاله كحال من هو خالد في النار .
وقوله : ( ^ وسقوا ماء حميما ) الحميم : هو الماء الذي تناهى في الحر ، وفي التفسير : أنه ماء سعرت عليه نيران جهنم منذ خلقت ، فإذا قربه الكافر إلى وجهه للشرب شوى وجهه ، وسقطت جلدة وجهه وفروة رأسه .
____________________

( ^ قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وأهواءهم ) * * * * *
وفي بعض المسانيد برواية أبي أمامة الباهلي أن النبي قال : ' إذا شرب الكافر الحميم ؛ قطع أمعاءه فخرجت من دبره ، ثم تلا قوله تعالى : ( ^ وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ) .
وفي بعض الحكايات عن محمد بن عبيد الله الكاتب قال : رجعت من مكة فمررت بطيزناباد وهو موضع بين الكوفة وبغداد فرأيت كرما فيه عنب كثير ، فذكرت قول أبي نواس :
( بطيزناباد كرم ما مررت به ** إلا تعجبت ( ممن ) يشرب الماء )
فسمعت قائلا يقول أسمع صوته ولا أراه :
( وفي الجحيم حميم ما تجرعه ** خلق فأبقى له في البطن أمعاء ) < < محمد : ( 16 ) ومنهم من يستمع . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ومنهم من يستمع إليك ) يعني : ومن الكفار من يستمع إليك أي : يستمع إلى قولك .
وقوله : ( ^ حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ) قال عبد الله بن بريدة وجماعة : هو عبد الله بن مسعود ، وقيل : إنه أبو الدرداء . وفي الآية قول آخر : أنه جميع أصحاب رسول الله .
وقوله : ( ^ ماذا قال آنفا ) أي : ماذا قال الآن صاحبكم ؟ وآنفا : قريبا ، وكانوا يقولون هذا على طريق الاستهزاء يعني : إنا شغلنا عن سماع كلامه ، فماذا قال ؟
وقوله : ( ^ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ) أي : ختم الله على قلوبهم ، ولم يهدهم لقبول قول رسوله . وقال ابن الأعرابي : الختم على القلب ( من ) فهم القول .
____________________

( ( 16 ) والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ( 17 ) فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ( 18 ) فاعلم أنه لا إله إلا ) * * * * *
وقوله : ( ^ واتبعوا أهوائهم ) أي : هواهم . والمراد من الآية وفائدتها : هو منع المسلمين أن يكونوا مثل هؤلاء ، وبيان حالهم للمؤمنين . < < محمد : ( 17 ) والذين اهتدوا زادهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ والذين اهتدوا زادهم هدى ) أي : زادهم بيانا ورشدا ، ويقال : زادهم هدى أي : العمل بالناسخ بعد العمل بالمنسوخ ، ويقال : الأخذ بالعزائم بعد العمل بالرخص .
وقوله : ( ^ وآتاهم تقواهم ) أي : جزاء تقواهم . < < محمد : ( 18 ) فهل ينظرون إلا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فهل ينظرون إلا الساعة ) أي : فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة أي : تجيئهم فجأة .
وقوله : ( ^ فقد جاء أشراطها ) أي : علاماتها . وفي التفسير : أن قوله : ( ^ فقد جاء أشراطها ) هو محمد . وقد روي عنه أنه قال : ' بعثت والساعة كهاتين ، وأشار إلى السبابة والوسطى فسبقتها كما سبقت هذه ' وفي رواية : كادت تسبقني . وقد اختلفت الروايات في أول أشراط الساعة عن بعض الأخبار ' أن أول أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها ، وحينئذ يغلق باب التوبة ، و ( ^ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ) على ما قال الله تعالى ' . وفي خبر آخر : ' أن
____________________

( ^ الله واستغفر لذنبك للمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم ( 19 ) ويقول ) * * * * * * أول أشراط الساعة نار تخرج من المشرق فتسوق الناس إلى المغرب ' . ويقال : ' أول أشراطها خروج الدابة ' ، وفي الأخبار : [ أن ] هذه الأشراط تكون في مدة قريبة ، ويتتابع بعضها في إثر بعض ' . وقيل : ' كلؤلؤ العقد إذا انحل نظامه ، كان بعضه في إثر بعض ' .
وقوله : ( ^ فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ) معناه : فأين لهم المفر والملجأ إذا جاءهم ما يذكرهم ؟ يعني : إذا عاينوا الأمر وحضرت هذه الأشراط . وقال قتادة معناه : ' فأنى لهم إذا جاءتهم ' أي : الساعة ' ذكراهم ' أي : أنى لهم التذكر ؟ أي : منفعة التذكر لو طلبوه إذا جاءتهم الساعة ، والمقصود فوات منفعة التذكر عند حضور الأمر . < < محمد : ( 19 ) فاعلم أنه لا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فاعلم أنه لا إله إلا الله ) فإن قيل : كيف قال : فاعلم أنه لا إله إلا الله وقد علم ؟ والجواب من وجهين : أحدهما : أن المراد منه هو الثبات على العلم لا ابتداء العلم . والثاني : أن معناه : فاذكر أنه لا إله إلا الله ، فعبر عن الذكر بالعلم لحدوثه عنده . ويقال : الخطاب مع الرسول ، والمراد منه الأمة .
____________________


وقوله : ( ^ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) قد ثبت برواية الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي قال : ' إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة ' ، وفي رواية : ' مائة مرة ' .
فإن قيل : كيف أمره بالاستغفار وكان معصوما من الذنوب ؟ والجواب : أنه كان لا يخلو من الخطأ والزلل وبعض الذنوب التي هي من الصغائر ، فأمره الله تعالى بالاستغفار منها ، وأمره بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات ، وكان يدعو لهم ويستغفر لهم .
وفي المشهور من الخبر أن النبي لما ابتدأ به المرض الذي توفى فيه خرج إلى أحد ، واستغفر لشهداء أحد ، ثم استغفر للمؤمنين والمؤمنات ' . . . والخبر فيه طول .
وقوله : ( ^ والله يعلم متقلبكم ومثواكم ) أي : منصرفكم وموضع مقامكم ، ويقال : متقلبكم بالنهار ومثواكم بالليل . وقيل : متقلبكم ومثواكم أي : يعلم جميع ما أنتم عليه في جميع أحوالكم . ويقال : يعلم متقلبكم أي : منصرفكم في الدنيا ، ومثواكم أي : منقلبكم في الآخرة ، وإما إلى الجنة ، وإما إلى النار . وقد ثبت برواية حمران عن عثمان أن رسول الله قال : ' من مات وهو يعلم أن لاإله إلا الله دخل الجنة
____________________

( ^ الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين ) * * * * * *
وعن عبيد بن المغيرة قال : قال حذيفة بن اليمان : قوله : ( ^ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) ثم قال : كنت رجلا ذرب اللسان على أهلي فقلت : يارسول الله ، إني أخاف أن يدخلني لساني النار . فقال : أين أنت [ من ] الاستغفار ؟ إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ' . وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال : ' خير العمل لا إله إلا الله ، وخير الدعاء أستغفر الله ' . وفي بعض الآثار : ' أن الرجل إذا استغفر للمؤمنين والمؤمنات رد الله تعالى عليه عن كل مؤمن ومؤمنة ' . < < محمد : ( 20 ) ويقول الذين آمنوا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة ) أي : هلا أنزلت سورة ، وفي التفسير : أنهم كانوا يأنسون بالوحي إذا نزل ويستبطئونه إذا تأخر .
وقوله : ( ^ فإذا أنزلت سورة محكمة ) وفي قراءة ابن مسعود : ' محدثة ' وفي قوله : ( ^ محكمة ) وجهان : أحدهما : محكمة أي : محكمة بذكر الجهاد والقتال مع الكفار ، والجهاد والقتال أشد الأوامر على النفس .
____________________

( ^ في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم ( 20 ) طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم ( 21 ) فهل عسيتم إن ) * * * * * *
والوجه الثاني : محكمة بالأوامر والنواهي .
وقوله : ( ^ رأيت الذين في قلوبهم مرض ) أي : نفاق ، فإن قيل : كيف أخبر عن المؤمنين في ابتداء الآية ثم قال : ( ^ رأيت الذين في قلوبهم مرض ) وهم المنافقون ، والمنافق لا يكون مؤمنا ؟ والجواب عنه : أن في الآية حذفا ، ومعناه : فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ، فرح المؤمنون واستأنسوا بها . و ( ^ رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ) أي : شخصوا بأبصارهم نحوك ، ونظروا نظرا شديدا ، شبه الشاخص بصره عند الموت ، وإنما أصابهم مثل هذا ؛ لأنهم إن قاتلوا خافوا الهلاك ، وإن لم يقاتلوا خافوا ظهور النفاق .
والآية في عبد الله بن أبي سلول ، ورفاعة بن الحارث ، وسائر المنافقين .
وقوله : ( ^ فأولى لهم ) هذا وعيد وتهديد . قال ابن عباس : هو لمن كرهها ، والعرب تقول لمن قرب من عطب ونجا : أولى لك ، ويريدون به تحذيره من مثل ذلك . وعن محمد ابن الحنفية أنه كان إذا مات ميت بعقوته أي : بقرب منه ، قال لنفسه : أولى لك ، كدت تكون السواد المخترم . < < محمد : ( 21 ) طاعة وقول معروف . . . . . > >
وقوله : ( ^ طاعة وقول معروف ) فيه أقوال : أحدها : أنه بمعنى الأمر ، ومعناه : قولوا آمنا طاعة وقول معروف . والقول المعروف هو الإجابة بالسمع والطاعة .
والقول الثاني : أن قوله : ( ^ طاعة وقول معروف ) أي : طاعة وقول معروف أحسن وأميل لهم .
والقول الثالث : أن هذه حكاية منهم قبل نزول آية القتال ، كانوا يقولون على هذا الوجه فإذا نزلت آية القتال كرهوا وجزعوا . ويقال : وقوله : ( ^ طاعة وقول معروف )
____________________

( ^ توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ( 22 ) أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ( 23 ) أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ( 24 ) إن ) * * * * * * اعتراض في الكلام المنسوق على الأول .
وقوله : ( ^ فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم ) ومعنى قوله : ( ^ فإذا عزم الأمر ) أي : جهد الأمر ولزم فرض القتال . ( ^ فلو صدقوا الله ) أي : لو وفوا بما وعدوه من الجهاد ، وقابلوا أمر الله بالامتثال لكان خيرا لهم . < < محمد : ( 22 ) فهل عسيتم إن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فهل عسيتم إن توليتم ) فيه قولان : أحدهما : إن توليتم ولاية أي : كانت لكم ولاية . والثاني : إن توليتم عن الإيمان بالرسول وبالقرآن أي : أعرضتم ، فهل يكون منكم سوى أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ؟ وقيل على القول الأول : أنه قد كان هذا في صدر الإسلام ؛ فإن قريشا لما تولوا الأمر أفسدوا في الأرض وقطعوا الأرحام ، وذلك من قتل بني هاشم قريشا ، وقتل قريش بني هاشم . < < محمد : ( 23 ) أولئك الذين لعنهم . . . . . > >
وقوله : ( ^ أولئك الذين لعنهم الله ) أي : طردهم الله .
وقوله : ( ^ فأصمهم ) أي : جعلهم بمنزلة الصم . وقوله : ( ^ وأعمى أبصارهم ) أي : بمنزلة العمى . < < محمد : ( 24 ) أفلا يتدبرون القرآن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) التدبير : هو التفكر والنظر فيما يؤول إليه عاقبة الأمر .
وقوله : ( ^ أم على قلوب أقفالها ) معناه : بل على قلوب أقفالها ، وهو على طريق المجاز ، فذكر القفل بمعنى انغلاق القلب عن فهم القرآن . وفي التفسير : ' أن النبي كان يقرئ شابا هذه الآية ، فقال ذلك الشاب : بل على قلوب أقفالها حتى يفتحها الله ، فقال النبي له : صدقت ' .
وعن بعضهم : مثل قفل الحديد على الباب . < < محمد : ( 25 ) إن الذين ارتدوا . . . . . > >
وقوله : ( ^ إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ) الهدى هو
____________________

( ^ الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ( 25 ) ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنعطيكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم ( 26 ) فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ( 27 ) ذلك ) * * * * * * البيان المؤدي إلى الحق .
وقوله : ( ^ الشيطان سول لهم ) أي : زين لهم .
وقوله : ( ^ وأملى لهم ) أي : أمهلهم بالمد لهم في العمر ، وهو راجع إلى الله تعالى ومعناه : وأملى لهم الله تعالى ، وقرئ : ' وأملي لهم ' على مالم يسم فاعله ، وقرئ في الشاذ ' وأملي لهم ' بتسكين الياء ، أي : وأنا أملي لهم . < < محمد : ( 26 ) ذلك بأنهم قالوا . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله ) في الآية قولان : أحدهما : أنه قول اليهود للمنافقين ، قالوا للمنافقين : سنطيعكم في بعض الأمر أي : في كتمان صفة محمد مع علمنا بأنه رسول . والقول الثاني وهو الأظهر أنه قول المنافقين لليهود .
وقوله : ( ^ كرهوا ما أنزل الله ) هم اليهود ، وإنما كرهوا حسدا وبغيا .
وقوله : ( ^ سنطيعكم في بعض الأمر ) أي : في بغض محمد والعداوة معه .
وقوله : ( ^ والله يعلم إسرارهم ) أي : ما أسر بعضهم إلى بعض ، وهذا القول أولى ؛ لأن الآيات المتقدمة في المنافقين . < < محمد : ( 27 ) فكيف إذا توفتهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ) أي : يضربون وجوههم عند الموت بصحائف الكفر ، وقيل : في القيامة .
وقوله : ( ^ وأدبارهم ) أي : يضربون أدبارهم عند سوقهم إلى النار ، وهذا في القيامة . وفي بعض التفاسير : مامن عاص يموت إلا وتضرب الملائكة وجهه ودبره عند إدخاله القبر .
____________________

( ^ بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين ) < < محمد : ( 28 ) ذلك بأنهم اتبعوا . . . . . > > قوله تعالى ( ^ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالكم أي : أبطلها ، وقد بينا معناه من قبل . < < محمد : ( 29 ) أم حسب الذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم احسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ) الأضغان : جمع ضغن ، وهو بمعنى : الحقد والغل والغش ، ومعنى الآية : أي : أحسب المنافقون والكفار أن لن يظهر ما في قلوبهم لرسوله وللمؤمنين .
قال الشاعر في الضغن :
( قل ( لأبي ) هند ما أردت بمنطق ** ساء الصديق ( وسود ) الأضغان ) أي : الأحقاد . < < محمد : ( 30 ) ولو نشاء لأريناكهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولو نشاء لأريناكهم ) أي : لعرفناهم إياك .
وقوله : ( ^ فلعرفتهم بسيماهم ) أي : جعلنا لهم في وجوههم سمة تعرفهم بها .
وقوله : ( ^ ولتعرفنهم في لحن القول ) أي : في فحوى القول ومقصده ومغزاه . وعن بعضهم : قول الإنسان وفعله دليل على نيته . ويقال : لحن في القول إذا ترك الصواب ، واللحن هاهنا : هو قول يفهم المخاطب معناه مع إخفاء القائل المراد فيه ، قال الشاعر :
( منطق صائب ويلحن أحيانا ** وخير القول ما كان لحا )
وفي الخبر المعروف أن النبي قال : ' إنكم لتختصمون إلي ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ' أي : أفطن . وعن بعضهم : عجبت لمن يعرف لحن الكلام كيف يكذب . وفي التفسير : أنه لم يخف منافق بعد هذه الآية على رسول الله ، وكان
____________________

( ^ منكم والصابرين ونبلو أخباركم ( 31 ) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا لله شيئا وسيحبط أعمالهم ( 32 ) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ( 33 ) إن الذين ) * * * * * * يعرفهم في لحن كلامهم .
وقوله تعالى : ( ^ والله يعلم أعمالكم ) يعني : التي تعملونها . < < محمد : ( 31 ) ولنبلونكم حتى نعلم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ) أي : نعلم علم الشهادة ، وهو العلم الذي يقع عليه الوعد والوعيد . ويقال : [ لنعاملكم ] معاملة من يريد أن يعلم أعمالكم . ويقال معناه : حتى تعلموا أنا علمنا أعمالكم .
وقوله : ( ^ والصابرين ونبلوا أخباركم ) أي : نعلم الصابرين ، ونعلم أخباركم . وكان مجاهد إذا بلغ إلى هذه الآية قال : اللهم إنا نسألك أن لا تبلو أخبارنا فإنا نفتضح . < < محمد : ( 32 ) إن الذين كفروا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ) أي : منعوا الناس عن الإيمان بالله .
وقوله : ( ^ وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ) أي : خالفوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى .
وقوله : ( ^ لن يضروا الله شيئا ) أي : ينقصوا الله شيئا .
وقوله : ( ^ وسيحبط أعمالهم ) أي : يبطل أعمالهم . < < محمد : ( 33 ) يا أيها الذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ) عن أبي العالية الرياحي قال : كانوا يقولون أي : الصحابة لن يضر مع الإيمان شيء كما لا ينفع مع الكفر شيء ، حتى أنزل الله تعالى هذه لآية : ( ^ ولا تبطلوا أعمالكم ) بالشك والنفاق ، ويقال : بالمكر والخداع ، والمعروف بالكبائر .
____________________

( ^ كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ( 34 ) فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ( 35 ) إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم ( 36 ) إن ) * * * * * * < < محمد : ( 34 ) إن الذين كفروا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ) ظاهر المعنى . < < محمد : ( 35 ) فلا تهنوا وتدعوا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم ) أي : ( لا تضعفوا ) .
وقوله : ( ^ وتدعوا إلى السلم ) أي : إلى الصلح ، نهى الله تعالى المسلمين أن يطلبوا الصلح مع الكفار إذا أمكنهم القتال .
وقوله : ( ^ وأنتم الأعلون ) أي : الغالبون القاهرون .
وقوله تعالى : ( ^ والله معكم ) أي : بالنصرة والحفظ .
وقوله تعالى : ( ^ ولن يتركم أعمالكم ) أي : لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا ، وقد ثبت عن النبي أنه قال : ' مامن ساعة تمر على العبد المسلم لا يذكر الله فيها إلا كانت عليه ترة يوم القيامة ' أي : نقص . < < محمد : ( 36 ) إنما الحياة الدنيا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إنما الحياة لدنيا لعب ولهو ) أي : ما يلهى ويلعب به .
وقوله : ( ^ وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم ) فيه أقوال : أحدها : ولا يسألكم جميع أموالكم ، إنما يسألكم قدر الزكاة ، وهو المعروف . والقول الثاني : لا يسألكم أموالكم لنفسه ، إنما يسألكم لكم . والقول الثالث : ولا يسألكم أموالكم ؛ لأنها ليست لكم في الحقيقة ، إنما هي له .
____________________

( ^ يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم ( 37 ) ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في ) * * * * < < محمد : ( 37 ) إن يسألكموها فيحفكم . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ إن يسألكموها فيحفكم ) أي : يبالغ في مسألتكم ، ويقال : يلح عليكم ويجهدكم . وفي بعض أمثال العرب : ليس للسائل المحفي مثل منع ( الخامس ) .
وفي بعض الأخبار عن النبي : ' إن الله يحب الحيي المتعفف ، ويبغض السائل الملحف ' .
قوله ( ^ تبخلوا ) أي : تمنعوا 1850 و
قوله : ( ^ ويخرج أضغانكم ) أي : ويخرج الإحفاء أضغانكم ، ويظهر ما في بواطنكم من البخل والإمساك والنفاق والشك . وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال : ' أخبر تقله ' أي : أخبر الإنسان ببغضه ، وعن بعضهم أنه قال : ' أقله بخبر ، يعني : ابغضه ، فهو المختبر . وفي بعض الحكايات أن مخارقا غني للمأمون .
____________________

( ^ سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تنولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ( 38 ) . ) * * * * * * *
( إني لمشتاق إلى ظل صاحب ** يرق ويصفو إن كدرت عليه )
فقال المأمون : خذ مني الخلافة وأتني بهذا الصاحب . < < محمد : ( 38 ) ها أنتم هؤلاء . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ها أنتم هؤلاء ) أي : ياهؤلاء ( ^ تدعون لتنفقوا في سبيل الله ) أي : في الجهاد .
وقوله : ( ^ فمنكم من يبخل ) أى يمنع . وقوله ( ^ ومن يبخل فإنماعن نفسه ) أي : يفوت حظ نفسه .
وقوله : ( ^ والله الغني وأنتم الفقراء ) أي : الغني عنكم ، وأنتم الفقراء إليه .
وقوله : ( ^ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ) أي : إن تعرضوا .
وقوله : ( ^ قوما غيركم ) فيه أقوال أحدها : ملائكة السماء ، وهذا أشد الأقوال . والقول الثاني : إن تتولوا يامعشر قريش يستبدل قوما غيركم أي : أهل اليمن ، وقد كان الأنصار منهم ، فإن الأوس والخزرج حيان من اليمن ، وقد قال الشاعر :
( ولله أوس آخرون وخزرج ** )
والقول الثالث : وهو المعروف ، وإن تتولوا يا معشر العرب يستبدل قوما غيركم أي : العجم . وفي الخبر المعروف : أن قوما سألوا النبي عن معنى هذه الآية وقالوا : من الذين يستبدلهم بنا ؟ وكان سالما جالسا بجنبه فقال : هذا وقومه ثم قال : ' لو كان الدين معلقا بالثريا لناله رجال من فارس ' .
وقوله : ( ^ ثم لا يكونوا أمثالكم ) أي : يكونوا خيرا منكم وأطوع لي ، ومعناه : لايكونوا أمثالكم في مخالفة الأوامر ، والله أعلم .
____________________

<
> بسم الله الرحمن الرحيم <
> ( ^ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ( 1 ) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته ) * * * * * <
> تفسير سورة الفتح <
>
وهي مدنية في قولهم جميعا ، وعن بعضهم : انها نزلت بين مكة والمدينة عند منصرفه من الحديبية ، قاله مسور بن مخرمة ومروان وغيرهما . وروى مالك عن زيد بن أسلم ، عن ابيه ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كنا مع رسول الله في سفر فقال : ' لقد انزلت البارحة علي سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها ، ثم قرأ : ( ^ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) أخرجه البخاري عن ( القعنبي ) عن مالك .
وروي عن أنس رضي الله عنه أنه قال : لما انصرفنا من مكة وقد منعنا من نسكنا ، وبنا من الحزن والكآبة شيء عظيم ، فأنزل الله تعالى هذه السورة ، فقال النبي : ' هي أحب إلي من جميع الدنيا ' . < < الفتح : ( 1 ) إنا فتحنا لك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) أي : قضينا لك قضاء بينا . ومعنى القضاء هو الحكم بالنصرة على الأعداء ، والفتح في اللغة هو انفتاح المنغلق ، وقيل : هو الفرح المزيل الهم ، ومنه انفتاح المسألة ، وهو انكشاف البيان الذي يؤدي إلى البغية ، وأما معنى ما وقع عليه اسم الفتح ، فالأكثرون من العلماء والمفسرين على أنه صلح الحديبية ، فإن قيل : كيف يكون الصلح فتحا ؟ وإن كان فتحا للمسلمين فهو فتح للكفار أيضا ؛ لأن الصلح يشتمل على الجانبين ، والجواب عنه : أنه قد أشكل هذا على عمر ، ' فإنه لما أنزل الله تعالى هذه السورة ، قال عمر : يا رسول الله ، أفتح هو ؟
____________________

قال : نعم ' .
وقيل : إنه أعظم فتح كان في الإسلام ؛ لأنه لما صالح مع المشركين ووداعهم فكان قد صالح على وضع الحرب عشر سنين ، فاختلط المشركون مع المسلمين بعد ذلك ، وسمعوا القرآن ، ورأوا ما عليه رسول الله وأصحابه فرغبوا في الإسلام ، وأسلم في مدة الصلح من المشركين أكثر مما كان أسلم في مدة الحرب ، وكثر سواد الإسلام ، وأسلم في هذه المدة : خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وعثمان بن طلحة العبدري ، وكثير من وجوه المشركين ، وقد كان في غزوة الحديبية بيعة الرضوان ، ووعد فتح خيبر وظهور الروم على الفرس ، وكان ذلك من معجزات الرسول ، وكان ذلك مما سر المسلمين وساء المشركين ؛ لأن المسلمين كانوا يودون ظهور أهل الكتاب ، والمشركون كانوا يودون ظهور الفرس والعجم فحقق الله ما يوده المسلمون وكان المشركون قالوا حين ظهرت الفرس على الروم : كما ظهر الفرس على الروم كذلك نحن نظهر عليكم ، فحين أظهر الله الروم على الفرس كان ذلك علامة لظهور المسلمين على المشركين . وقيل في الحديبية : هو إباحة الحلق والنحر قبل بلوغ الهدي محله ، وفي الآية قول آخر : وهو أن المراد من الفتح هو فتح مكة ، وذلك لأن الله تعالى وعده فتح مكة في غزوة الحديبية . < < الفتح : ( 2 ) ليغفر لك الله . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) قال ثعلب معناه : كي يغفر الله لك ، فاللام بمعنى كي ، قال : وحقيقة المعنى هو أنه يجمع لك المغفرة مع الفتح ، فيتم عليك النعمة بها . وقال أبو حاتم السجستاني النحوي : معنى قوله : ( ^ ليغفر لك الله ) أي : ليغفرن الله لك ، فلما أسقط النون خفض اللام .
وقوله : ( ^ ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) أي : ما تقدم من ذنبك قبل زمان النبوة ، وما تأخر عن زمان النبوة ، وقيل : ما تقدم من ذنبك قبل الفتح ، وما تأخر عن الفتح . وعن الثوري قال : ما كان وما يكون مالم تفعله ، وأنت فاعله ، فكأنه غفر له قبل الفعل .
____________________

( ^ عليك ويهديك صراطا مستقيما ( 2 ) وينصرك الله نصرا عزيزا ( 3 ) هو الذي أنزل ) * * * * * * *
فإن قال قائل : وأي ذنب كان له ؟ قلنا : الصغائر ، وقد كان معصوما من الكبائر .
وفي تفسير النقاش : أنه كان متعبدا قبل النبوة بشريعة إبراهيم في النكاح والطلاق والعبادات والمعاملات وغير ذلك ، وكان قد تزوج خديجة وهي مشركة ، وكذلك زوج ابنته رقية من عتبة بن أبي لهب وهو مشرك ، و [ كذلك ] زوج ابنته زينب من [ أبي ] العاص بن الربيع وكان مشركا فهذه ذنوبه قبل النبوة ، وقد غفرها الله تعالى له ، وكان ذلك منه لا على طريق القصد . وقد ثبت عن النبي ' أنه صلى حتى تورمت قدماه ، فقيل له : أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : أفلا أكون عبدا شكورا .
وذكر الدمياطي في تفسيره عن ابن عباس : أن سب نزول الآية هو أن الله تعالى لما أنزل قوله : ( ^ وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ) شمت به المشركون واليهود ، وقالوا : هذا رجل لا يدري ما يفعل به ولا بأصحابه ، فكيف ندخل في دينه ؟ وقال عبد الله بن أبي بن سلول الأنصاري : أتدخلون في دين رجل وهو لا يدري ما يفعل به ، فحزن المسلمون لذلك حزنا شديدا ، فأنزل الله تعالى قوله : ( ^ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) الآية ، فقال المسلمون : هنيئا لك يا رسول الله ، فكيف أمرنا ؟ فأنزل الله تعالى قوله : ( ^ ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ) .
وقوله : ( ^ ويتم نعمته عليك ) أي : ( يتم ) نعمته عليك بالنصر على الأعداء
____________________

( ^ السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض ) * * * * * * * وبالإرشاد إلى شرائع الإسلام ، وقد أول الفتح المذكور في الآية بالإرشاد إلى الإسلام .
وقوله : ( ^ ويهديك صراطا مستقيما ) أي : يدلك على الطريق المستقيم . < < الفتح : ( 3 ) وينصرك الله نصرا . . . . . > >
وقوله : ( ^ وينصرك الله نصرا عزيزا ) أي : ( نصرا ) مع عز لا ذل فيه . وفي أصل الآية قول آخر : وهو أن قوله تعالى : ( ^ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ) هو في معنى قوله تعالى في سورة النصر : ( ^ إذا جاء نصر الله والفتح ) فذلك الفتح هو هذا الفتح . وقوله : ( ^ ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره ) فذلك الأمر بالتسبيح والاستغفار مدرج هاهنا ، فكأن الله تعالى قال : ( ! ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) ! فسبح بحمد ربك واستغفره ) ( ^ ليغفر لك الله ) ذكره أبو الحسين ابن فارس في تفسيره ، وجعل هذا الأمر جوابا لسؤال من يسال عن الآية أنه . كيف يجعل قوله : ( ^ ليغفر ) جوابا لقوله : ( ^ إنا فتحنا ) ؟ وكلاهما من الله تعالى ؟ فأجابه بهذا الوجه . < < الفتح : ( 4 ) هو الذي أنزل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ هو الذي أنزل السكينة ) قد بينا أن السكينة فعليه من السكون ، وحقيقتها هو السكون إلى وعد الله والثقة . ويقال : السكينة هو ما ألهم الله تعالى المؤمنين من الصبر والتوكل عليه في لأمور كلها .
وقوله : ( ^ في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) أي : تصديقا مع تصديقهم ، وقيل : يقينا مع يقينهم . وعن ابن عباس : أن الله تعالى أمر المؤمنين بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فلما قبلوا ذلك زادهم الصلوات الخمس ، فلما قبلوا ذلك زادهم الزكاة ، ثم زادهم الحج ، ثم زادهم الجهاد ، فلما أكمل شرائعه أنزل قوله : ( ^ اليوم أكملت لكم دينكم ) .
____________________

( ^ وكان الله عليما حكيما ( 4 ) ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما ( 5 ) ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم ) * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ ولله جنود السموات والأرض ) أي : جموع السموات والأرض ، فلو سلط أصغر خلقه على جميع العالم لقهرهم . ويقال : له جنود السموات والأرض أي : ما خلق الله في السموات من الملائكة ، وما خلق الله في الأرض من الجن والإنس وغيرهم .
وقوله : ( ^ وكان الله عليما حكيما ) أي : عليما بخلقه ، حكيما في تدبيره . < < الفتح : ( 5 ) ليدخل المؤمنين والمؤمنات . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما ) أي : نجاة [ عظيمة ] . < < الفتح : ( 6 ) ويعذب المنافقين والمنافقات . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظاني بالله ظن السوء ) ومعنى ظن السوء هاهنا : هو أنهم كانوا قد ظنوا على أن أمر محمد لا يتم ، ويضمحل عن قريب . ويقال : إن الرسول لما توجه إلى مكة عام الحديبية مع أصحابه معتمرين ، ولم يحمل معه من السلاح إلا السيوف في القراب ، قال المنافقون وسائر الكفار : إن محمدا لا يرجع عن وجهه هذا أبدا وأنه يهلك هو وأصحابه ، فهو معنى ظن السوء .
وقوله : ( ^ دائرة السوء ) وقرئ : ' دائرة السوء ) برفع السين ، ومعناهما متقارب أي : عليهم عاقبة الهلاك وقيل معناه : لهم سوء العاقبة لا للرسول .
وقوله : ( ^ وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ) أي : بئس المنقلب
____________________

( ^ دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ( 6 ) ولله جنود السموات والأرض وكان الله عزيزا حكيما ( 7 ) إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ( 8 ) لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا ( 9 ) ) * * * * * * * * < < الفتح : ( 7 ) ولله جنود السماوات . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولله جنود السموات والأرض ) في التفسير : أن المنافقين قالوا : وما يغني عن محمد أصحابه ؟ ولئن ظفر بقومه فكيف يظفر بجميع العرب وكسرى وقيصر ؟ ما وعد محمد أصحابه إلا الغرور ، فأنزل الله تعالى قوله : ( ^ ولله جنود السموات والأرض ) ومعناه : أن الظفر من قبلي ، والجنود كلها لي ، فمن شئت أن أنصره لم يعسر ذلك علي ، قل أعداؤه أو كثر .
وقوله : ( ^ وكان الله عزيزا حكيما ) منيعا في النصر ، حكيما في التدبير . < < الفتح : ( 8 ) إنا أرسلناك شاهدا . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ إنا أرسلناك شاهدا ) أي : شاهدا على أمتك يوم القيامة . ويقال : شاهدا بتبليغ الأمر والنهي .
وقوله : ( ^ ومبشرا ) أي : مبشرا للمطيعين .
وقوله : ( ^ ونذيرا ) أي : مخوفا للعاصين . < < الفتح : ( 9 ) لتؤمنوا بالله ورسوله . . . . . > >
وقوله : ( ^ لتؤمنوا بالله ورسوله ) أي : لكي تؤمنوا أيها الناس بالله ورسوله .
وقوله : ( ^ وتعزروه ) أي : تعظموه ، وقرئ في الشاذ : ' وتعززوه ' أي : تقدموا بما يكون عزا له .
وقوله : ( ^ وتوقروه ) أي : تفخموه وتبجلوه ، ويقال : وتعذروه معناه : [ تنصروه ] بالسيف ، وهو القول المعروف ، فإن قال قائل : فإلى من ترجع الهاء ؟ والجواب من وجهين أحدهما : أنها راجعة إلى الرسول ، والثاني : أنها راجعة إلى الله تعالى .
____________________

( ^ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ( 10 ) سيقول لك المخلفون ) * * * * * * * *
وقوله : ( ^ وتسبحوه بكرة وأصيلا ) تنصرف إلى الله قولا واحدا .
والتسبيح بالبكرة وهو صلاة الصبح ، وبالأصيل صلاة الظهر والعصر . < < الفتح : ( 10 ) إن الذين يبايعونك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن الذين يبايعونك ) هذا في البيعة يوم الحديبية . وقد كانوا بايعوه على ألا يفروا ، وفي رواية : بايعوه على الموت .
وقوله : ( ^ إنما يبايعون الله ) أي : من أخذ العهد منك فقد أخذ العهد مني ، ومن بايعك فقد بايعني . وعن بعضهم : من دخل في الإسلام فقد بايع الله ، وهو معنى قوله : ( ^ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم . . . ) الآية .
وقوله : ( ^ يد الله فوق أيديهم ) أي : يد الله في النصرة والمنة عليهم فوق أيديهم بالطاعة لك . ويقال معناه : يد الله في الوفاء بقوله ( ^ فوق أيديهم ) في الوفاء بعهدهم ويقال : إحسان الله تعالى إليهم فوق إحسانهم إليك بالنصرة ، ومنة الله عليهم فوق منتهم عليك في قبول ما جئت به .
وقوله : ( ^ فمن نكث ) أي : من نقض العهد .
وقوله : ( ^ فإنما ينكث على نفسه ) أي : وبال نقض عهده عليه . ويقال : إن الآية نزلت في الجد بن قيس ، وكان من المنافقين ، فلما بايع رسول الله مع أصحابه بيعة الرضوان اختبأ تحت إبط بعير ولم يبايع . ومعنى النكث : [ هو ] الترك .
وقوله : ( ^ ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ) أي : كثيرا . < < الفتح : ( 11 ) سيقول لك المخلفون . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ سيقول لك المخلفون من الأعراب ) نزلت الآية في مزينة وجهينة وأشجع وأسلم ، وكانوا قد تخلفوا عن رسول الله في غزوة الحديبية ، واعتذروا
____________________

( ^ من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا ( 11 ) بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في ) * * * * * بالشغل في الأموال والأولاد ، فلما رجع رسول الله جاءوا معتذرين ، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية .
وقوله ( ^ شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ) أي أطلب لنا المغفرة من الله تعالى
وقوله : ( ^ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ) يعني : أنهم لا يبالون استغفرت لهم أو تركت الاستغفار لهم لنفاقهم ، وإنما يظهر طلب الاستغفار تقية وخوفا . وهذا في المنافقين من هذه القبائل لا في جميعهم ، فإنه قد كان فيهم مسلمون محققون إسلامهم .
وقوله : ( ^ قل فمن يملك لكم من الله شيئا ) أي : يدفع عنكم عذاب الله ، ومن يمنعكم من الله إن أراد عقوبتكم .
وقوله : ( ^ إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا ) أي : ليس الأمر في جميع هذا إلا بيده وقوله . بل كان الله بما تعملون خبيرا ) أي : عليما . ويقال في قوله : ( ^ شغلتنا أموالنا ) أي : ليس لنا من يقوم بها .
وقوله : ( ^ وأهلونا ) أي : ليس لنا من يخلفنا في القيام بأمرهم .
وقوله : ( ^ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ) قال ابن عباس : كان في قلوبهم الشك .
وقوله : ( ^ قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا ) أي : الهزيمة .
وقوله : ( ^ أو أراد بكم نفعا ) أي : النصرة والغنيمة .
____________________

( ^ قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا ( 12 ) ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا ( 13 ) ولله ملك السموات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما ( 14 ) سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ) * * * * * < < الفتح : ( 12 ) بل ظننتم أن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا ) قد بينا ظنهم ( ^ وزين ذلك في قلوبكم ) أي : زينه الشيطان .
وقوله : ( ^ وظننتم ظن السوء ) قد بينا معناه .
وقوله : ( ^ وكنتم قوما بورا ) أي : هلكى . قال عبد الرحمن بن زيد بن اسلم : هو الذي لا خير فيه . ويقال : إن في لغة أزد عمان البور : الفاسد ، ويقال : رجل بور ، ورجلان بوران ، ورجال بور ، ويقال : أصبحت اعمالهم بورا ومساكنهم قبورا . وقيل : بورا : فاسدة قلوبهم ، لا محسنين ولا متقين . وفي التفسير : أنه كان ظنهم أن محمدا وأصحابه يقتلون في ذلك الوجه ، ولا يرجعون أبدا إلى المدينة . < < الفتح : ( 13 ) ومن لم يؤمن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا ) قال ابن عباس : السعير هو الطبق السادس من جهنم . < < الفتح : ( 14 ) ولله ملك السماوات . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولله ملك السموات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما ) ظاهر المعنى . < < الفتح : ( 15 ) سيقول المخلفون إذا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ) سبب نزول الآية : هو أن الله تعالى وعد أهل الحديبية غنائم خيبر ، وقد كان هؤلاء الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله وظنوا ظن السوء طمعوا في غنائم خيبر وكان الله قد جعل غنائم خيبر لأهل الحديبية خاصة ، فلما رجع النبي وأصحابه إلى المدينة ، وتوجهوا قبل خيبر جاء هؤلاء الأعراب ، واستأذنوا رسول الله أن يكونوا معه في هذه الغزوة ، وقالوا : ذرونا نتبعكم .
وقوله : ( ^ يريدون أن يبدلوا كلام الله ) يعني : حكم الله الذي حكم في غنائم
____________________

( ^ ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا ( 15 ) قل للمخلفين من الأعراب ) * * * * * * * خيبر أنها لأهل ( المدينة ) خاصة ، حيث طمعوا أن يصيبوا منها ، ويقال معنى قوله : ( ^ يريدون أن يبدلوا كلام الله ) هو قوله تعالى : ( ^ قل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ) فأرادوا [ أن ] يبدلوا هذا الكلام الذي قاله الله ، ويظهروا أنا خرجنا وقاتلنا خلاف ما قاله الله . وفي التفسير : أنهم لما قالوا : ذرونا نتبعكم ، قال لهم أصحاب رسول الله : نأذن لكم في القتال على أن تكونوا متطوعين في القتال لا سهم لكم في الغنيمة ؛ لأن غنيمة خيبر لأهل الحديبية خاصة .
وقوله : ( ^ قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ) فعلى القول الأول [ لن ] تتبعونا أصلا ، وعلى القول الثاني قل لن تتبعونا لأخذ الغنيمة .
وقوله : ( ^ كذلكم قال الله من قبل ) أي : حكم الله من قبل .
وقوله : ( ^ فسيقولون بل تحسدوننا ) أي : لم تأذنوا لنا في اتباعكم [ حسدا ] منكم لنا لئلا نصيب ما تصيبون .
وقوله : ( ^ بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا ) أي : لا يعلمون ما لهم وما عليهم في الدين إلا قليلا . < < الفتح : ( 16 ) قل للمخلفين من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ) أصح الأقاويل أنهم بنو حنيفة ، أولوا بأس شديد حيث قاتلوا المسلمين مع مسيلمة الكذاب . قال رافع بن خديج : ما كنا نعلم معنى قوله : ( ^ أولي بأس شديد ) حتى
____________________

( ^ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا ) * * * * * * * * دعانا أبو بكر رضي الله عنه إلى قتال مسيلمة ، وكان ذلك الحرب حربا شديدا على المسلمين ، استشهد فيه كثير من الصحابة .
ويقال : استشهد فيه سبعمائة نفر من أصحاب رسول الله فيهم زيد بن الخطاب أخو عمر بن الخطاب وعكاشة بن [ محصن ] .
والقول الثاني : أن قوله : ( ^ أولي بأس شديد ) هو هوازن وثقيف ، قاله الضحاك عن ابن عباس .
والقول الثالث : أنهم فارس ، وكان الحرب معهم أشد حرب على المسلمين في زمان عمر رضي الله عنه .
وفي القول الأول ، وفي هذا القول دليل على خلافة ابي بكر وعمر ، لأنهما دعوا المسلمين إلى قتال مسيلمة وقتال فارس ، وقد كان مع فارس وقعة القادسية ، وفيها قتل رستم صاحب جيش العجم ، ووقعة جلولا ووقعة نهاوند ، وهي تسمى فتح الفتوح ، ولم تقم بعدها قائمة ، وتمزق ملكهم ، وصدق الله دعوة النبي حيث قال : ' اللهم فمزق ملك فارس ' . وروي أن أن كسرى لما مزق كتاب النبي وبلغ ذلك رسول الله فقال : ' مزق ملكه ' . وعن كعب الأحبار قال في قوله : ( ^ إلى قوم أولي بأس شديد ) قال : هم الروم ومعهم الملحمة الكبرى في آخر الزمان .
____________________

( ^ حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ( 16 ) ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما ( 17 ) لقد رضي الله عن المؤمنين ) * * * * *
وأصح الأقاويل هو القول الأول ؛ لأن الله تعالى يقول : ( ^ تقاتلونهم أو يسلمون ) ومعناه : أو يسلموا ، وهذا إنما يكون في المرتدين الذين لا يجوز أخذ الجزية منهم ، فأنما المجوس والنصارى فيجوز أخذ الجزية منهم . وأما مجاهد حمل الآية على أهل الأوثان .
وقوله : ( ^ فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا ) أي : الجنة .
وقوله : ( ^ وإن تتولوا كما توليتم من قبل ) أي : تعرضوا كما أعرضتم من قبل .
وقوله : ( ^ يعذبكم عذابا أليما ) أي : وجيعا . فإن قيل : ذكر في هذه الآية قوله : ( ^ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ) وقال في آية أخرى : ( ^ قل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ) وإنما قاتلوا مع أبي بكر وعمر ولم يقاتلوا مع الرسول . < < الفتح : ( 17 ) ليس على الأعمى . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ) يعني : لا حرج على من تخلف عنك بهذه الأعذار عن غزوة الحديبية .
والحرج : الإثم ، ومعنى الآية : أن الله تعالى أباح غنائم خيبر لقوم تخلفوا عن غزوة الحديبية بهذه الأعذار . وقيل : إن هؤلاء القوم : أبو أحمد بن جحش ، وأمه آمنة بنت عبد المطلب ، وعبد الله بن أم مكتوم الأعمى ، وغيرهم .
وقوله : ( ^ ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما ) ظاهر المعنى .
____________________

( ^ إذ يبايعونك تحت الشجرة ) * * * * * * < < الفتح : ( 18 ) لقد رضي الله . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) القول المعروف في الآية أنه لما توجه إلى مكة عام الحديبية معتمرا هو وأصحابه ، وساقوا الهدي مع أنفسهم ، فلما بلغوا الحديبية ، وهي بئر بمكان معلوم على طرف الحرم ، وتلك البقعة سميت باسم البئر ، وقد ظهرت معجزة لرسول الله في هذا البئر ؛ ' فإن أصحاب رسول الله ورضي [ الله ] عنهم لما وصلوا إليها نزحوها حتى لم يبق من الماء شيء فشكوا إلى رسول الله العطش ؛ فجاء رسول الله وقعد على شفير البئر ودعا بماء فتمضمض به وصبه في البئر ، فجاشت البئر بالروى ، فاستقى الناس ، وسقوا الركاب ، ولم ينزف بعد ' .
رجعنا إلى أصل القصة : ' فلما بلغوا الحديبية بركت ناقة النبي وهي القصواء ، فبعثوها فلم ( تنبعث ) ، فقالوا : خلأت القصواء . فقال رسول الله : ' ما خلأت ، ولا هو لها بخلق ، ولكنها حبسها حابس الفيل ، والله لا يسألوني خطة فيها تعظيم حرم الله إلا أعطيتهم إياها ' ، ثم دعا عمر وأراد أن يبعثه إلى أهل مكة يستأذنهم في الدخول ، ليقضي عمرته ، وينحر هديه ، فقال عمر : يا رسول الله ، ما لي بها من حميم ولا عشيرة وقد عرفوا شدة عداوتي لهم ، وإني أخافهم على نفسي ، ولكن أدلك على من هو أعز مني بها عسيرة ، قال : ' ومن ذلك ؟ ' ، قال : عثمان ، فأرسله إلى مكة . ثم إنه بلغ النبي أن عثمان قتل ، وعن بعضهم أن إبليس خرج وقال : إن عثمان قتل فحينئذ قام النبي واستند إلى الشجرة وهي شجرة سمرة فبايع مع أصحابه وهي بيعة الرضوان ، وكان بايع على القتال إلى أن يموتوا ، ويقال : بايع على ألا يفروا ' واختلف القول في عدد القوم ، قال ابن أبي أوفى :
____________________

( ^ فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ( 18 ) ) * * * * * * ألف وثلثمائة . وقال جابر : ألف وأربعمائة ، وهو الأصح . وعن ابن عباس : ألف وخمسمائة . ثم ظهر أن عثمان لم يقتل .
وفي الآية قول آخر ، رواه ابن أبي زائدة عن الشعبي قال : ' مراد الله من البيعة المذكور في الآية بيعة رسول الله مع السبعين من الأنصار ليلة العقبة ، والقصة في ذلك : أنه قدم سبعون نفرا من أهل المدينة ليلقوا النبي في أيام الحج قبل الهجرة ، ورأسهم أبو أمامة أسعد بن زرارة ، فخرج النبي ومعه العباس ليلا حتى أتوا العقبة ، وحضر من أهل المدينة هؤلاء السبعون ، فقال العباس لهم : ليتكلم متكلمكم ولا يطول ، فإن عليكم عينا ، وإن تعرف قريش بمكانكم يؤذوكم . فقال أسعد بن زرارة : يا رسول الله ، اشترط لربك ، واشترط لنفسك ، واذكر مالنا إذا قبلنا ، فقال النبي : ' اشترط لربى أن لا تشركوا به شيئاً ، واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأولادكم . قال : فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟ قال : الجنة ، قال : رضينا ' .
روي أن إبليس صرخ على العقبة : يا معشر قريش ، هؤلاء الصباة قد اجتمعوا مع محمد يبايعون عليكم . فلما سمعوا ذلك تفرق النبي وأولئك ، فجاء المشركون فلم يجدوا أحدا ، والصحيح هو القول الأول .
وقوله : ( ^ فعلم ما في قلوبهم ) أي : من الصدق والوفاء . وقيل : هو الإخلاص .
وقوله : ( ^ فأنزل السكينة عليهم ) أي : الطمأنينة . ويقال : الثقة بوعد الله ، والصبر على أمر الله ، ويقال : اعتقاد الوفاء .
وقوله : ( ^ وأثابهم فتحا قريبا ) أي : فتح خيبر ، ويقال : فتح مكة ، والأول هو المعروف .
____________________

( ^ ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما ( 19 ) وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ) * * * * * * < < الفتح : ( 19 ) ومغانم كثيرة يأخذونها . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ومغانم كثيرة يأخذونها ) يعني : أموال خيبر ، وكانت لهم أموال كثيرة من العقارات والنخيل وغيرها .
وقوله : ( ^ وكان الله عزيزا حكيما ) قد بينا . < < الفتح : ( 20 ) وعدكم الله مغانم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ) قال مجاهد معناها : الغنائم التي تؤخذ من الكفار إلى قيام الساعة . وقال الحسن البصري : غنائم فارس والروم . وقيل : فتح مكة .
وقوله : ( ^ فعجل لكم هذه ) أي : غنائم خيبر .
وقوله : ( ^ وكف أيدي الناس عنكم ) في التفسير : أن أسد وغطفان كانوا حلفاء يهود خيبر ، فلما توجه رسول الله إلى خيبر أراد أسد وغطفان أن يغيروا على المدينة ، فألقى الله الرعب في قلوبهم وتفرقوا . وروي أن رسول الله مال إليهم ليقاتل معهم أولا ، فهربوا وتفرقوا وخلوا أهل خيبر ، فرجع رسول الله إلى خيبر وفتحها . ويقال : كف أيدي الناس عنكم : جميع المشركين ، ولم يكن في الأمم أمة أذل وأقل من العرب فأعزهم الله بالإسلام ، وأغنمهم كنوز العجم والروم ، وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم وكان أول ما دخل الذل على العجم حرب ذي قار ، وهو موضع بعث كسرى بجنوده إلى بني شيبان ليقاتلوا معهم بسبب قصة طويلة ، فقاتلوا بذي قار ، وجعل العرب شعارهم اسم محمد ، قال رئيسهم لهم : اجعلوا شعاركم اسم هذا القرشي الذي خرج يدعو الناس إلى الله تعالى ، فاقتتلوا وهزم الله المشركين ، وقتل أكثر جنود كسرى ، فلما بلغ النبي قال : ' اليوم انتصفت العرب من العجم ، وبي نصروا ، من ذلك الوقت دخل الذل على العجم وفني ملكهم .
____________________

( ^ ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما ( 20 ) وأخرى لم تقدروا عليها قد احاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا ( 21 ) ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا ( 22 ) سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ( 23 ) وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد ) * * * *
وقوله : ( ^ ولتكون آية للمؤمنين ) أي : معجزة ، والآية في دعوة رسول الله فتح خيبر وغنائم العجم والروم ، وتحقق ذلك عن قريب .
وقوله : ( ^ ويهديكم صراطا مستقيما ) يؤديكم إلى رضا الله تعالى . < < الفتح : ( 21 ) وأخرى لم تقدروا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وأخرى لم تقدروا عليها ) أي : أرض العجم . ويقال : أرض مكة . ويقال : جميع ما فتح الله من الأراضي ، ويفتحها إلى قيام الساعة .
وقوله : ( ^ قد أحاط الله بها ) أي : أحاط علمه بها .
وقوله : ( ^ وكان الله على كل شيء قديرا ) أي : قادرا . < < الفتح : ( 22 ) ولو قاتلكم الذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ) أي : انهزموا وكان الظفر لهم .
وقوله : ( ^ ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا ) قد بينا من قبل . < < الفتح : ( 23 ) سنة الله التي . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ سنة الله التي قد خلت من قبل ) أي : سن الله هذه السنة ، وهي نصرة أوليائه وإهلاك أعدائه . ويقال : هي أن العاقبة للمؤمنين ، ومعناه : أن هذه السنة التي سننتها لكم هي سنتي فيمن خلا من قبلكم .
وقوله : ( ^ ولن تجد لسنة الله تبديلا ) أي : تغييرا . < < الفتح : ( 24 ) وهو الذي كف . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ) روى
____________________

( ^ أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا ( 24 ) هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم ) * * * * * * * عبد الله بن مغقل المزني ' أن النبي كان جالسا تحت الشجرة يبايع أصحابه وفي رواية : وعنده علي بن أبي طالب وسهيل بن عمرو يكتبا كتاب الصلح فثار في وجوهنا ثلاثون شابا من المشركين قدموا من مكة بقصد رسول الله ،
فدعا رسول الله فأخذ الله بأبصارهم فقمنا وجئنا بهم نقودهم إلى رسول الله فقال : ' هل لكم عهد ؟ هل لكم إيمان ؟ ' فقالوا : لا . فخلى سبيلهم ، فأنزل الله تعالى قوله : ( ^ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ) ' .
وروى حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس قال : أهبط ثمانون رجلا متسلحين من جبل التنعيم ، فأخذهم أصحاب رسول الله وجاءوا بهم إلى النبي ، فاستحياهم وخلى سبيلهم ، وأنزل الله تعالى هذه الآية .
وقوله : ( ^ ببطن مكة ) يعني : الحديبية ، وإنما سماها بطن مكة لقربها من مكة .
وقوله ( ^ من بعد أن أطفركم عليهم ) قد بينا .
وقوله : ( ^ وكان الله بما تعملون بصيرا ) أي : عليما . < < الفتح : ( 25 ) هم الذين كفروا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا ) أي : وصدوا الهدي معكوفا ، ونصبه على الحال ، ومعناه : محبوسا .
وقوله : ( ^ أن يبلغ محله ) أي : منحره ، وكان رسول الله قد ساق سبعين بدنة .
وقوله : ( ^ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ) قال أهل التفسير : معنى الآية : أنه
____________________

( ^ تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ( 25 ) إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم ) * * * * * * * كان قد أسلم رجال ونساء ( بمكة ) ، وأقاموا هنالك مختلطين بالمشركين ، ولم يكن يعرف مكانهم ، فقال الله تعالى : ولولا هم يعني القوم الذين ذكرنا ( ^ لم تعلموهم أن تطئوهم ) يعني : توقعوا بهم وتصيبوهم بغير علم إن دخلتم محاربين مقاتلين .
وقوله : ( ^ فتصيبكم منهم معرة بغير علم ) أي : سبة ، ويقال : عيب وملامة ، ومعناه : أن الكفار يعيبونكم ، ويقولون : إنهم يقتلون أهل دينهم . ويقال في المعرة : هي لزوم الدية عند القتل .
وقوله : ( ^ ليدخل الله في رحمته من يشاء ) فيه تقدير محذوف ، ومعناه : حال بينكم وبينهم ؛ ليدخل الله في رحمته من يشاء أي : في الإسلام من يشاء .
وقوله : ( ^ لو تزيلوا ) أي : لو تميزوا أي : لو فارق المسلمون الكافرين ( ^ لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ) ومعناه : لولا أصابتكم المعرة واختلاط [ المسلمين ] بالكفار لعذبنا الذين كفروا أي : بالقتل بالسيف . < < الفتح : ( 26 ) إذ جعل الذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ) الحمية : الأنفة والامتناع عن الشيء غضبا ، ومن الأنفة محمود ومذموم . ويقال : فلان حام حومته أي : مانع لحوزته . ومعنى حمية الجاهلية هاهنا : هي أن الكفار لم يتركوا النبي أن يدخل [ هو ] وأصحابه مكة في ذلك العام ، وقالوا : لا يدخل علينا محمد أبدا على كره منا ما بقي منا أحد ، وكان ذلك أنفة منهم وحمية ، ثم إن الرسول لما صالح معهم كان في الصلح أن يرجع هذا العام ، ويعود في العام القابل في ذلك الشهر بعينه ، ويقضي نسكه ، ويقيم ثلاثا ويرجع . وفي الآية قول آخر : وهو أن [ معنى ] حمية الجاهلية : أن سهيل بن عمرو ومعه حويطب بن عبد العزى [ جاءوا ] ليعقدوا
____________________

( ^ الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة ) * * * * * * * عقد الصلح ، فلما كان أوان ( الكتبة ) قال النبي لعلي رضي الله عنه : ' اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال سهيل : لا نعرف ما الرحمن الرحيم ! اكتب كما نكتب : باسمك اللهم . فقال المسلمون : لا إله إلا الله تعجبا من قولهم ورجت بها جبال تهامة ، ثم إنه قال : اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ، فقال سهيل : ولو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك ؛ اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ، وكتب علي ذلك ، وقال عليه الصلاة والسلام : أنا محمد رسول الله ، وأنا محمد بن عبد الله . وكان في عقد الصلح أيضا : أن من جاء إلى النبي من المشركين مسلما في مدة الصلح يرد إليهم ، ومن ذهب من المسلمين إلى الكفار مرتدا لم يردوه ، وكان هذا كله من حمية الجاهلية ، وعند هذه الشروط وقعت الفتنة لعمر ، وأتى رسول الله وقال : ألست رسول الله ؟ قال : بلى . قال : أولسنا على الحق ؟ قال : بلى . قال : علام نعطي الدنية في ديننا ؟ يعني : نرضى بالخصلة الأدنى لأنفسنا ، فقال عليه الصلاة والسلام : أنا رسول الله ولا يضيعني ، وذهب إلى أبي بكر وذكر له مثل ذلك ، فقال له : إنه رسول الله ، ولن يضيعه الزم [ الغرز ] ، ثم إن سهيل بن عمرو أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه ، وقام في الإسلام مقامات مشهودة .
وقوله : ( ^ فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) قد بينا معنى السكينة ، والمعنى هاهنا : هو الثبات على الدين مع هذه الأمور .
وقوله : ( ^ وألزمهم كلمة التقوى ) روى ابن الطفيل عن أبي بن كعب عن النبي هي : ' لا إله إلا الله ' .
وفي الخبر المشهور عن عمر قال : إني سمعت رسول الله يقول : ' أنا أعلم
____________________

( ^ التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما ( 26 ) لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ( 27 ) ) * * * * * * * * كلمة إذا قالها العبد مخلصا من نفسه دخل الجنة ، ولا أدري ما هي ، فقال : أنا اردري هي الكلمة التي ألاص عليها عمه أي : ألح على عمه أن يقولها وهي لا إله إلا الله ' . وعن الزهري : أن كلمة التقوى بسم الله الرحمن الرحيم .
وقوله : ( ^ وكانوا أحق بها وأهلها ) أي : كانوا محلا لهذه الكلمة وأهلا لها ، ويقال : كانوا أهلها في علم الله وحكمه ، وهو الأصح .
وقوله : ( ^ وكان الله بكل شيء عليما ) أي : عالما . < < الفتح : ( 27 ) لقد صدق الله . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ) قال المفسرون : كان النبي رأى في منامه أنه دخل مكة مع أصحابه محلقين ومقصرين ، فقص ذلك على أصحابه ، ولم يشكوا أن ذلك حق ، وظنوا أن يكون في العام الذي هم فيه ، واعتمر النبي وأصحابه وخرجوا على ذلك ، فلما صدهم المشركون عن البيت ورجعوا ، اغتم المسلمون غما شديدا ، وظنوا أنهم لا يدخلون ، فأنزل الله هذه الآية . ومعنى قوله : ( ^ لقد صدق الله ) أى حقق الله رسوله أي : الرؤيا بالحق .
وقوله ( ^ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون ) وهذا التحقيق حصل في العام الثاني حين اعتمروا عمرة القضاء .
وقوله : ( ^ فعلم ما لم تعلموا ) أي : وقت ظهور الرؤيا .
وقوله : ( ^ فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ) أي : فتح خيبر ، وفي الآية سؤال
____________________

( ^ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا ) * * * * * * معروف ، وهو على قوله : ( ^ إن شاء الله ) ما معنى قوله ( ^ إن شاء الله ) والله تعالى هو المخبر ، وما يخبر عنه كائن لا محالة ، والاستثناء إنما يدخل على شيء يجوز أن يكون ، ويجوز ألا يكون ؟ والجواب من وجوه : أحدها : أن معنى قوله : ( ^ إن شاء الله ) إذا شاء الله .
والوجه الثاني : أن الآية على التقديم والتأخير ، ومعناه : لتدخلن المسجد الحرام آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون إن شاء الله .
والوجه الثالث : أنه كان مع النبي قوم عند نزول هذه الآية ، منهم من غاب ، ومنهم من مات قبل أن يحصل الموعود ، فالاستثناء إنما وقع على هذا أنه يدخل بعضهم أو جميعهم .
والوجه الرابع وهو الأولى أن الله تعالى قال : ( ^ إن شاء الله ) هاهنا على ما أحب ورضي وأمر به عباده ، فإنه أمرهم أن يستثنوا فيما يخبرون به من الأمور المستقبلة ، ويعدونه على ما قال الله تعالى : ( ^ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ) وهذا أمر له ولجميع الأمة ، فقال تعالى : ( ^ إن شاء الله ) وإن علم وقوع الفعل وإن علم وقوع الفعل ليقتدي به المؤمنون ولا يتركون هذه الكلمة فيما يخبرون به من الأمور التي لم يعلموا وقوعها . قال الأزهري : وكأنه قال : لما قلت إن شاء الله فيما علمت وقوعه ، فلأن تقولوا إن شاء الله فيما لم تعلموا وقوعه أولى . < < الفتح : ( 28 ) هو الذي أرسل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ) أي : على الأديان كلها ، ومن المشهور أن عيسى عليه السلام ينزل من السماء ، ويكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ولا يبقى يهودي ولا نصراني إلا أسلم ، وحينئذ تضع الحرب أوزارها ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد .
وقوله : ( ^ وكفى بالله شهيدا ) أي : شاهدا .
____________________

( ( 28 ) محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في ) * * * * * * * < < الفتح : ( 29 ) محمد رسول الله . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ محمد رسول الله ) هذه الآية شهادة من الله تعالى لرسوله بالحق وأنه رسوله حقيقة .
وقوله : ( ^ والذين معه ) يعني : أصحابه .
وقوله : ( ^ أشداء على الكفار ) أي : غلاظ شداد عليهم ، وهو في معنى قوله : ( ! ( أعزة على الكافرين ) ! رحماء بينهم ) أي : متوادون ومتواصلون بينهم ، وهو في معنى قوله : ( ^ أذلة على المؤمنين ) .
وقوله : ( ^ تراهم ركعا سجدا ) أي : راكعين ساجدين .
وقوله : ( ^ يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) أي : الجنة والثواب الموعود .
وقوله : ( ^ سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) قال ابن عباس : هو في القيامة ، وذلك من آثار الوضوء على ما قال : ' أمتى غر محجلون من آثار الوضوء ' فعلى هذا يكون ( المؤمنون ) بيض الوجوه من أثر الوضوء والصلاة . وقال عكرمة : من أثر السجود : هو التراب على الجباه ، وقد كانوا يسجدون على التراب ، وقال الحسن : هو السمت الحسن ، وعن سعيد بن جبير : هو الخضوع والتواضع ، وهو رواية عن ابن عباس ، ويقال : صفرة الوجه من سهر الليل ، وهذا قول معروف .
وقوله : ( ^ ذلك مثلهم في التوراة ) أي : صفتهم في التوراة .
وقوله : ( ^ ومثلهم في الإنجيل ) منهم من قال : الوقف على قوله : ( ^ ذلك مثلهم في التوراة ) ، وقوله : ( ^ ومثلهم في الإنجيل ) كلام مبتدأ بمعنى : صفتهم في الإنجيل كزرع ، ومنهم من قال : الوقف على قوله : ( ^ في الإنجيل ) .
____________________

( ^ التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ( 29 ) ) * * * * *
وقوله : ( ^ كزرع ) معناه : هم كزرع .
وقوله : ( ^ أخرج شطأه ) أي : فراخه . يقال : أشطأ الفزرع إذا فرخ ، ومعنى الفراخ : هو أنه ينبت من الحبة الواحدة عشر سنابل وأقل وأكثر .
وقوله : ( ^ فآزره ) أي : قواه ، وقرئ : ' فأزره ' بغير مد ، وهو بمعنى الأول .
وقوله : ( ^ فاستغلظ ) أي : استحكم واشتد وقوي .
وقوله : ( ^ فاستوى على سوقه ) أي : انتصب على ساق .
وقوله : ( ^ يعجب الزراع ) أي : الحراث . وهذا كله ضرب مثل النبي وأصحابه ، وذكر صفتهم وما قوى الله بهم النبي ونصره بهم .
وعن جعفر بن محمد الصادق قال : ( ^ والذين معه ) أبو بكر ( ^ أشداء على الكفار ) عمر ( ^ رحماء بينهم ) عثمان ) ( ^ تراهم ركعا سجدا ) علي رضي الله عنهم ( ^ يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) العشرة .
وقوله : ( ^ كزرع ) محمد ( ^ أخرج شطأه ) أبو بكر ( ^ فآزره ) بعمر ( ^ فاستغلظ ) بعثمان ( ^ فاستوى على سوقه ) بعلي رضي الله عنهم أجمعين ، وهذا قول غريب ذكره النقاش ، والمختار والمشهور هو القول الأول ، أن الآية في جميع أصحاب النبي من غير تعيين ، وعليه المفسرون .
وقوله : ( ^ ليغيظ بهم الكفار ) أي : ليدخل الغيظ في قلوبهم .
وقوله : ( ^ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) اختلفوا في قوله : ( ^ منهم ) فقال قوم : من هاهنا للتجنيس لا للتبعيض . قال الزجاج : هو تخليص للجنس ، وليس المراد بعضهم ؛ لأنهم كلهم مؤمنون ، ولهم المغفرة والأجر العظيم .
____________________


وعن ابن عروة قال : كنا عند مالك بن أنس فذكروا رجلا ( يتبغض ) أصحاب رسول الله ، فقال مالك : من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله فقد أصابته هذه الآية ، وهو قوله : ( ^ ليغيظ بهم الكفار ) .
والقول الثاني : أن معنى قوله : ( ^ منهم ) أي : من ثبت منهم على الإيمان والعمل الصالح فله المغفرة والأجر العظيم ، أورده النحاس في تفسيره .
____________________

<
> بسم الله الرحمن الرحيم <
> ( ^ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) * * * * * * * * <
> تفسير سورة الحجرات <
>
وهي مدنية باتفاق القراء ، وروى ( ثوبان ) عن النبي أنه قال : ' أعطيت السبع الطول مكان التوراة ، وأعطيت المائين مكان الإنجيل ، وأعطيت المثاني مكان الزبور ، وفضلني ربي بالمفصل ' .
ومنهم من قال : المفصل من سورة محمد ، والأكثرون على أن المفصل من هذه السورة ، والله أعلم . < < الحجرات : ( 1 ) يا أيها الذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) روى علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس أن معنى قوله : ( ^ لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) أي : لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة . وقال مجاهد : لا تفتاتوا على الله ورسوله حتى يقضي الله على لسان رسوله ما شاء . قال : ومعنى ' لا تفتاتوا ' أي : لا تعارضوا . ويقال معناه : لا تعجلوا بالقول قبل قول الرسول ، ولا بالفعل قبل فعل الرسول ، وهو فيما يوجد عنه من أمر الدين فعلا وقولا .
وعن قتادة قال : كان ناس يقولون : لو أنزل كذا ، لو أنزل كذا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وعن الحسن البصري قال : ذبح الناس أضحيتهم قبل صلاة النبي يوم العيد ،
____________________

( ^ واتقوا الله إن الله سميع عليم ( 1 ) يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ) * * * * * * * فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وعن عائشة رضي الله عنها أن ناسا صاموا يوم الشك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وقال الزجاج معناه : لا تفعلوا الطاعات قبل وقت فعلها ، وهذا في جميع العبادات إلا ما قام ( على جوازه ) دليل من السنة .
وروى عبد الله بن الزبير ' أن وفد بني تميم قدموا على النبي ، فقال أبو بكر : يا رسول الله ، أمر عليهم الأقرع بن حابس ، وقال عمر : يا رسول الله ، أمر عليهم فلانا غير الذي قال أبو بكر ، ويقال : إن الرجل الذي أشار إليه عمر هو القعقاع بن معبد بن زرارة ، فقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما ما أردت [ إلا خلافي ] ، وقال عمر : ما أردت خلافك ، فتماريا عند النبي ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ' .
وقرأ الضحاك : ' لا تقدموا ' وهي قراءة يعقوب الحضرمي ، ومعناه : لا تتقدموا .
وقوله : ( ^ واتقوا الله إن الله سميع عليم ) أي : سميع لقولكم ، عليم لما أنتم عليه . < < الحجرات : ( 2 ) يا أيها الذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ) في التفسير : أن الأعراب الجهال [ كانوا يقدمون ] على النبي ، ويرفعون أصواتهم
____________________

( ^ النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ) * * * * * * فوق صوته ، ويدعونه باسمه فيقولون : يا محمد ، يا أبا القاسم ، وكان ذلك نوع تهاون بحقه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ؛ ليكلموه كلام المبجل المعظم له الدال على توفية حقه في الخطاب .
وروي أن ثابت بن قيس بن شماس كان به صمم ، وكان جهير الصوت ، فلما أنزل الله تعالى هذه الآية جلس في بيته غما . ويقال : سمر بابه بالحديد ، وقال : أخاف أن يكون قد حبط عملي ، فدعاه النبي وقال : ' أما ترضى أن تعيش حميدا وتموت شهيدا ' قال : نعم . قال : ' تكون كذلك ' واستشهد يوم اليمامة .
وروي أنه قال له : ' أنت من أهل الجنة ' .
وعن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال لما نزلت هذه الآية : والله لا أكلم رسول الله إلا كأخى السرار .
وعن عمر رضي الله عنه أنه كان بعد نزول هذه الآية لا يكلم رسول الله إلا خافضا صوته حتى كان يستفهمه رسول الله ما يقوله .
وقوله : ( ^ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ) وهو نهى عن رفع الصوت في حضرته . وقال بعضهم : هو أن تناديه باسمه ، وهو أن تقول : يا محمد ، يا أبا القاسم ، فنهى الله تعالى عن ذلك ، وأمر ان يدعى باسم النبوة والرسالة . وحكي عن مالك بن أنس أنه قال : من قال إن رسول الله وسخ يريد به النقص كفر بالله
____________________

( ^ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ( 2 ) إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم ( 3 ) إن الذين ) * * * * * تعالى .
وقوله : ( ^ أن تحبط أعمالكم ) أي : فتحبط أعمالكم ، وكذلك قرأ ابن مسعود ، ويقال : لئلا تحبط أعمالكم .
وقوله : ( ^ وأنتم لا تشعرون ) أي : لا تعلمون بحبوط الأعمال . < < الحجرات : ( 3 ) إن الذين يغضون . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ) أي : يخفضونها .
وقوله : ( ^ أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) أي : أخلص الله قلوبهم للتقوى . ويقال : امتحن الله قلوبهم فوجدها خالصة . ويقال : إن المراد من القلوب أرباب القلوب يعني امتحنهم الله تعالى وابتلاهم ليكونوا متقين ، واللام لام الصيرورة ، وهو مثل قوله تعالى : ( ^ ليكون لهم عدوا وحزنا ) .
وقوله تعالى : ( ^ لهم مغفرة وأجر عظيم ) ظاهر المعنى . < < الحجرات : ( 4 ) إن الذين ينادونك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ) ذكر المفسرون أن وفد تميم قدموا على النبي وجعلوا ينادونه من وراء الحجرات يا محمد ، يا محمد اخرج إلينا ، وكان فيهم قيس بن عاصم المنقري ، والزبرقان بن بدر ، والأقرع بن حابس ، والقعقاع بن معبد ، وغيرهم .
وروي أن الأقرع بن حابس قال : يا محمد إن مدحي زين ، وذمي شين ، فقال رسول الله : ' ذاك هو الله ' .
____________________

( ^ ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ( 4 ) ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم ( 5 ) ) * * * * * *
وقوله : ( ^ أكثرهم لا يعقلون ) أي : هم من قوم أكثرهم لا يعقلون . ويقال : كان فيهم من إذا علم يعقل ويعلم ، وكان فيهم من لا يعقل ولا يعلم وإن علم ، فلهذا قال : ( ^ أكثرهم لا يعقلون ) وإن علموا وعقلوا . < < الحجرات : ( 5 ) ولو أنهم صبروا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ) روي أن النبي بعث سرية فأصابوا سبايا من ( بلعمر ) بن غنم ، فجاء رجالهم يطلبون الفداء وجعلوا ينادون : يا محمد ، يا محمد اخرج إلينا نفاديك فخرج ، وخلى عن بعض السبي وفادى البعض ، وكان قد أراد أن يخلى عن جميعهم فلما أساءوا الأدب خلى عن بعضهم وفادى البعض فهذا معنى قوله تعالى : ( ^ ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ) أي : كان خيرا لهم بأن يخلي عن جميع السبي .
وقوله : ( ^ والله غفور رحيم ) ظاهر المعنى . وفي هذه الآيات بيان استعمال الأدب في مجلس النبي . وذكر بعضهم عظم الجناية في ترك ذلك ، وما يؤدي إلى حبوط العمل واستحقاق العقاب . وقد كان أصحاب رسول الله يهابون أن يتكلموا بحضرته ، وكانوا يحبون أن يأتي الأعرابي من البادية فيسأل رسول الله عن الشيء ليسمعوا الجواب ؛ لأنهم كانوا يهابون السؤال .
وفي حديث ذي اليدين ' أنه قال لرسول الله حين سلم عن ركعتين : أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ وقد كان في القوم أبو بكر وعمر ووجوه أصحاب رسول الله فهابوا أن يكلموه ، وتكلم هذا الرجل ؛ لأنه لم يكن يعلم من قدره وعظم حقه ما كانوا يعلمون ' .
____________________

( ^ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ( 6 ) واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ) * * * * * * < < الحجرات : ( 6 ) يا أيها الذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) قال أهل التفسير : نزلت الآية في الوليد بن عقبة بن معيط ، بعثه رسول الله إلى بني المصطلق من خزاعة ليأخذ صدقاتهم ، وكان بينه وبينهم ( إحنة ) في الجاهلية ، فلما قرب منهم مجيئه وسمعوا بقربه تلقوه ليكرموه ، فخافهم ورجع ، وقال للرسول : يا رسول الله ، إنهم منعوا الزكاة وفي رواية : إنهم ارتدوا عن الإسلام ولم يعطوا شيئا ، فبعث النبي خالد بن الوليد سرية إليهم ، [ وأمره ] أن يتعرف حالهم ، فإن كان على ما قال الوليد قاتلهم ، فذهب خالد وجاءهم ليلا فسمع صوت المؤذنين بينهم ، وسمع تلاوة القرآن ، فرجع وأخبر النبي ، وأنزل الله تعالى هذه الآية . وقد روي أن النبي لما سمع قول الوليد غضب ، وبعث من يقاتلهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ذكر هذا قتادة وغيره . فحكى عن رسول الله أنه قال بعد هذا : ' التأني من الله ، والعجلة من الشيطان ' .
وقوله : ( ^ إن جاءكم فاسق ) قالوا : الفاسق هاهنا هو الكذاب . وأما اللغة قد بينا أنه الخارج عن طاعة الله .
وقوله : ( ^ فتبينوا ) وقرئ : ' فتثبتوا ' ومعناهما متقارب ، وهو ترك العجلة ، والتدبر والتأني في الأمر .
وقوله : ( ^ أن تصيبوا قوما بجهالة ) معناه : لئلا تصيبوا قوما بجهالة ، ومعنى الإصابة هاهنا : هو الإصابة من الدم والمال بالقتل والأسر والاغتنام .
وقوله : ( ^ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) أي : تصيروا نادمين على فعلكم ، وليس المراد منه الإصباح للذي هو ضد الإمساء . < < الحجرات : ( 7 - 8 ) واعلموا أن فيكم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم )
____________________

( ^ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم لراشدون ( 7 ) فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم ( 8 ) وإن طائفتان ) * * * * * * * * أي : لهلكتم . وقيل : غويتم وضللتم . ويقال : نالكم التعب والمشقة .
وقوله : ( ^ يطيعكم ) نوع مجاز ؛ لأن الطاعة في الحقيقة فعل من الأدون على موافقة قول الأعلى . وقد روي عن بعض السلف أنه قال : نعم الرب ربنا ، لو أطعناه ما عصانا ، وهو على طريق المجاز والتوسع في الكلام ، قال الشاعر :
( رب من أصبحت غيظا صدره ** لو تمنى في موتا لم يطع )
أي : لم يدرك ما تمناه ، وهو على طريق المجاز .
وقوله : ( ^ ولكن الله حبب إليكم الإيمان ) يقال : حببه بإقامة الدلائل على وحدانيته وهدايتهم إليها . ويقال : حببه بذكر الثواب والوعد الصادق .
وقوله : ( ^ وزينه في قلوبكم ) حتى قبلوه وآثروه على طريق غيره ، وطبع الآدمي مجبول على اختيار ما زين في قلبه ، فلما هدى الله المؤمنين إلى الإيمان ، وأمال قلوبهم إليه حتى قبلوه ، سمى ذلك تزيينا للإيمان في قلوبهم .
وقوله : ( ^ وكره إليكم الكفر ) يقال : كره الكفر بذكر الوعيد والتخويف على فعله .
وقوله : ( ^ والفسوق والعصيان ) والفسوق : كل ما يفسق به الإنسان أي : يخرج به عن طاعة الله . والعصيان : مخالفة الأمر .
وقوله : ( ^ أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة ) أي : المهتدون تفضلا من الله وإنعاما .
وقوله : ( ^ والله عليم حكيم ) أي : عليم بخلقه ، حكيم فيما يدبره لهم . < < الحجرات : ( 9 ) وإن طائفتان من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) قال سعيد بن جبير وغيره : الآية في الأوس والخزرج ، كان بينهم قتال بالجريد والنعال والأيدي في أمر تنازعوه بينهم .
____________________

( ^ من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) * * * *
وقال غيره وهو قتادة : هو في رجلين اختصما في عهد النبي في حق بينهما ، فقال أحدهما للآخر : لآخذن منك عنوة تعززا بكثرة عشيرته ، وقال الآخر : لا ، بل أحاكمك إلى رسول الله ، فلم يزل بينهما الأمر حتى تواثبا وتضاربا ، ( وكان بينهما قتال ) بالنعل واليد ، وأنزل الله تعالى هذه الآية .
قال مجاهد : الطائفة اسم للواحد إلى ألف وأكثر .
وروي أن النبي لما قدم المدينة قيل له : لو أتيت عبد الله بن أبي بن سلول فدعوته إلى الإيمان ، فركب حمارا وتوجه إليه ، وكانت الأرض أرضا سبخة ، وأصحابه حوله فثار الغبار ، فلما بلغ الموضع الذي فيه عبد الله بن أبي بن سلول وعنده جماعة ، قال : إليك عنا يا محمد ، فقد أذانا نتن حمارك . فقال عبد الله بن رواحة : والله إن حماره أطيب ( ريحا ) منك . فغضب لعبد الله بن أبي سلول قوم ، ولعبد الله بن رواحة قوم ، فثار بينهم الشر ، وتقاتلوا بالعصي والنعال وما أشبه ذلك ، وأراد النبي أن يسكنهم فلم يمكنه ، ثم إنهم سكنوا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وذكر البخاري خبرا في الصحيح برواية أنس قريبا من هذا في سبب نزول هذه الآية ، وإنما سمى الله تعالى ذلك مقاتلة ؛ لأن الجري عليه يؤدي إلى القتل ، والذي ذكرناه من قصة عبد الله بن أبي بن سلول وعبد الله بن رواحة ذكره الكلبي ومقاتل وغيرهما .
وقوله : ( ^ فأصلحوا بينهما ) أي : فاسعوا ( لدفع ) الفساد وإزالة الشر . واعلم أنه إذا وقع مثل هذا بين طائفتين يجب على الإمام أن ينوب عن الإمام ينظر بينهما ويحملهما على الحق ، فإن امتنعت إحدى الطائفتين عن قبول الحق [ ردها ]
____________________

( ^ فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين ( 9 ) إنما المؤمنون إخوة ) * * * * * * * إلى الحق أولا بالكلام ، ثم يترقى درجة درجة إلى أن يبلغ القتال ، وهو معنى قوله تعالى : ( ^ فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) أي : ترجع إلى أمر الله .
وقوله : ( ^ فإن فاءت ) أي : رجعت ، ومعناه : انقادت للحق .
وقوله : ( ^ فأصلحوا بينهما بالعدل ) أي : بالحق .
وقوله : ( ^ وأقسطوا ) أي : وأعدلوا .
وقوله : ( ^ إن الله يحب المقسطين ) أي : العادلين ، وفي الخبر عن النبي أنه قال : ' المقسطون يوم القيامة عن يمين الرحمن ، قيل : ومن هم يا رسول الله ؟ قال : الذين عدلوا في حكمهم لأنفسهم وأهليهم وما ولوا ' . < < الحجرات : ( 10 ) إنما المؤمنون إخوة . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إنما المؤمنون إخوة ) أي : في التوالي والتعاضد والتراحم ، وهو في معنى قوله تعالى : ( ^ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) . وروي عن النبي أنه قال : ' المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ' . وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : ' المؤمنون كنفس واحدة ، إذا اشتكى بعضه تداعى سائره للحمى والسهر ' .
وقد ثبت برواية ابن عمر أن النبي قل : ' المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا
____________________

( ^ فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ( 10 ) يا أيها الذين آمنوا لا يسخر ) * * * * * * يشتمه ، ومن كان في حاجة أخيه المسلم كان الله في حاجته ، ومن ستر على أخيه المسلم ستر الله عليه يوم القيامة ، ومن فرج عن أخيه المسلم فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ' . خرجه البخاري ومسلم .
وقوله : ( ^ فأصلحوا بين أخويكم ) ذكر الأخوين ليدل بوجوب الإصلاح بينهما على وجوب الإصلاح بين الجمع الكثير .
وقوله : ( ^ واتقوا الله ) أي : اتقوا الله من أن لا تتركوهم على الفساد ، وأن تسعوا في طلب الصلاح .
وقوله : ( ^ لعلكم ترحمون ) أي : يعطف الله تعالى عليكم ، ويعفو عنكم . ويقال : ( ^ فأصلحوا بين أخويكم ) أي : إخوانكم ، وروى أسباط عن السدى أن رجلا من الأنصار كانت له امرأة ، فأرادت أن تزور أهلها فمنعها زوجها ، وجعلها في علية له ، فجاء أهلها ليحملوها إليهم ، واستعان الرجل بقومه في منعها ؛ فوقع بينهم شر وقتال ، وأنزل الله تعالى هذه الآية . < < الحجرات : ( 11 ) يا أيها الذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ) السخرية : هو الاستهزاء والبطر يعني : المهانة والاحتقار .
وقوله : ( ^ قوم من قوم ) القوم هاهنا بمعنى الرجال ، قال الشاعر :
( ولا أدري ولست أخال أدري ** أقوم آل حصن أم نساء )
وإنما سمي الرجال قوما دون النساء ؛ لأنهم الذين يقومون بالأمور .
قال مجاهد : الآية في الاستهزاء ؛ الغني بالفقير ، والقوي بالضعيف .
ويقال : استهزاء الدهاة بأهل سلامة القلوب .
____________________

( ^ قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم و تنابزوا بالألقاب ) * * * * * * *
وقوله : ( ^ عسى أن يكونوا خيرا منهم ) أي : عسى أن يكون المستهزئ منه خيرا من المستهزئ .
وقوله : ( ^ ولا نساء من نساء ) أي : ولا يسخر نساء من نساء عسى أن تكون خيرا منهن ، أي : عسى أن تكون المستهزأة منها خيرا من المستهزئة ، والمراد في الآخرة .
وفي الخبر أن النبي قال لأبي ذر : ' أنظر إلى أوضع رجل في المسجد عندك ، فأشار إلى فقير عليه أطمار . فقال : انظر إلى أرفع رجل في المسجد عندك ، فأشار إلى بعض الأغنياء وعليه شارة فقال : هذا يوم القيامة أفضل من ملء الأرض من هذا ' وعنى به الفقير .
وقوله : ( ^ ولا تلمزا أنفسكم ) أي : ( لا يعيب ) بعضكم بعضا [ أي : ] مثل قوله تعالى : ( ^ ولا تقتلوا أنفسكم ) أي : لا يقتل بعضكم بعضا .
قال الضحاك : لا يلعن بعضكم بعضا ، ويقال : لا يطعن بعضكم على بعض .
وقوله : ( ^ ولا تنابزوا بالألقاب ) النبز واللقب بمعنى واحد .
ومعنى النبز هاهنا : هو اللقب المكروه الذي يكره الإنسان أن يدعى به . وعن
____________________

( ^ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ) * * * * [ أبي ] جبيرة الأنصاري قال : ' قدم رسول الله علينا المدينة ولأحدنا الاسم والاسمان والثلاثة ، فكان رسول الله يدعو بذلك الاسم ، فقيل له : إنه يغضب إذا دعي بهذا ، فترك ذلك ، وأنزل الله تعالى هذه الآية ' . قال مجاهد والحسن : هو أن يقول لمن أسلم : يا يهودي ، يا نصراني تعييرا بما كان عليه من قبل . وقال قتادة وأبو العالية : هو أن يقول يا منافق ، يا فاسق . وفي بعض التفاسير : أنه كان بين كعب بن مالك وعبد الله بن أبي حدرد الأسلمي منازعة فقال كعب بن مالك لعبد الله : يا أعرابي ، وقال عبد الله لكعب : يا يهودي ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ونهاهم عن مثل هذا . وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال : ' من حق المسلم على المسلم أن يدعوه بأحب أسمائه إليه ' .
وقوله : ( ^ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ) استدل بهذا من قال إن الفاسق
____________________

( ^ ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ( 11 ) يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن ) * * * * * * * لا يكون مؤمنا ، قال : لأنه لو كان الفاسق مؤمنا لم يستقم قوله : ( ^ بعد الإيمان ) والجواب : أن المراد منه النهي عن قوله : يا فاسق ، يا منافق ، وكأنه قال : بئس الوصف بالفسوق بعد الإيمان بالله . وقال : إن ' بعد ' هاهنا بمعنى : ' مع ' ومعناه : بئس اسم الفسوق مع الإيمان .
وقوله : ( ^ ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) أي : من لم يتب عن هذه الأشياء التي كانوا يفعلونها في الجاهلية ؛ فأولئك هم الظالمون . < < الحجرات : ( 12 ) يا أيها الذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ) قد ثبت برواية أبي هريرة أن النبي قال : ' إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث ' .
وفي بعض الأخبار : ' إذا حسدت فلا تبغ ، وإذا نظرت حداء فامض ، وإذا ظننت فلا تحقق ' .
وعن أنس أن النبي قال : ' احترسوا من الناس بسوء الظن ' . وهو خبر غريب . وعن سلمان الفارسي قال : ' إني لأعد عراق اللحم في القدر مخافة سوء الظن . وعن ابن مسعود أنه قال : الختم خير من ( الظن ) وعن السوء [ أبي ] العالية الرياحي أنه ختم على سبع سكرات لئلا يظن ظن السوء .
____________________

( ^ بعض الظن إثم ولا تجسسوا ) * * * * * *
واعلم أن الظن المنهي عنه هو ظن السوء بأهل الخير ، فأما بأهل الشر فجائز .
وقوله : ( ^ إن بعض الظن إثم ) يعني : هذا الظن .
وقوله : ( ^ ولا تجسسوا ) التجسس : هو البحث عن عورات الناس ، قاله مجاهد وقرأ ابن سيرين : ' ولا تحسسوا ' بالحاء . واختلفوا في التجسس والتحسس ، منهم من قال : هما واحد ، ومنهم من فرق ، وقال : التجسس هو البحث عن عورات ( الناس ) كما قلنا . والتحسس هو الاستماع إلى حديث القوم ، ويقال : التجسس هو البحث عن الأمور ، والتحسس هو الإدراك ببعض الحواس ، وقد ثبت عن النبي برواية أنس أنه قال : ' لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تجسسوا وكونوا عباد الله إخوانا ' قال الشيخ الإمام رحمه الله : أخبرنا [ الشيخ ] أبو علي الشافعي بمكة ، أخبرنا أبو الحسن بن فراس ، أخبرنا أبو محمد ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد عبد الله بن يزيد المقرئ ، عن جده ، عن محمد ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن أنس . . . الحديث .
وفي بعض الآثار أن عمر رضي الله عنه خرج ومعه عبد الرحمن بن عوف يعس ليلة ، فمرا بدار وسمعنا منها لغظا وأصواتا ، فقال عمر : أرى أنهم يشربون الخمر ! ماذا نفعل ؟ ! فقال عبد الرحمن بن عوف : أرى أنا أتينا ما نهينا عنه يعني : التجسس ورجع .
وفي هذا الأثر أن تلك الدار كانت دار ربيعة بن أمية بن خلف .
وفي أثر آخر أنه قيل لابن مسعود : هل لك في الوليد بن عقبه ولحيته تقطر خمرا وكان الوليد أمير الكوفة ، وابن مسود فقيهها فقال : إنا نهينا عن التجسس .
____________________

( ^ ولا يغتب بعضكم بعضا ) * * * * * * *
وقوله : ( ^ ولا يغتب بعضكم بعضا ) الغيبة : أن يذكر أخاه في الغيبة بما يكره ذلك إذا سمعه . وفي حديث أبي هريرة أن النبي سئل عن الغيبة ؟ فقال : ' ذكرك أخاك بما يكره ' فقيل : يا رسول الله ، إن كان في أخي ما أقول ؟ فقال : ' إن كان في أخيك ما تقوله فقد اغتبته ، وإن لم يكن في أخيك ما تقوله فقد بهته '
وفي الأخبار أن امرأة دخلت على عائشة رضي الله عنها فلما خرجت قالت عائشة : ما أحسنها لولا بها قصرا ، فقال النبي : ' لقد اغتبتيها ، فاستغفري الله ' وروي عن النبي أنه قال : ' إذا اغتاب أحدكم أخاه فليستغفر له ؛ فإن ذلك كفارته ' .
وفي بعض الأخبار أيضا عن النبي أنه قال : ' إياكم والغيبة ، فإن الغيبة أشد من الزنا ، وإن الزاني يزني ثم يتوب فيتوب الله عليه ، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه ' يعني : يعفو عنه .
____________________

( ^ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم ( 12 ) يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم ) * * * * * *
وقد ورد في الأخبار : ' أنه ليس لفاسق غيبة ' .
وقال : ' اذكروا الفاجر بما فيه ، يحذره الناس '
قال أهل العلم : ليس لثلاثة غيبة : السلطان الظالم ، والفاسق المعلن ، والذي أحدث في الإسلام حدثا يعني : المبتدع .
وكذلك قال أهل العلم : إذا سأل إنسان إنسانا لغرض له صحيح ، فلا بأس أن يذكر ما فيه . والغيبة مأخوذة من الغيب ؛ كأنه لما ذكره بظهر الغيب بما يسوءه كان ذكره له غيبة . وقد كان السلف يحترزون أشد الاحتراز من مثل هذا . روي أن طبيبين دخلا على ابن سيرين ، فلما خرجا قال : لولا أن يكون غيبة لذكرت أيهما أطب . وعن معاوية بن قرة قال : لو دخل عليك رجل أقطع فقلت : هذا الأقطع يعني : بعد ما خرج كنت قد اغتبته ، قال أبو إسحاق : صدق يعني : السبيعي وقال أهل العلم : إذا قال فلان الأعمش أو فلان الأعور أو فلان البطين [ يريد ] بذلك تعريفه ،
____________________

( ^ عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ( 13 ) قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم ) * * * * * * ولا يعرف إلا به ، لا بأس به . وكان بعض أئمة الحديث إذا روي عن مسلم البطين يقول : حدثنا مسلم ، وأشار بيديه إلى كبر البطن .
وذكر ابن سيرين إبراهيم النخعي ووضع يده على عينه وكان إبراهيم أعور فقال : رأيته تلك المشاهدة ، وما خلف بعده مثله .
وقوله تعالى : ( ^ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) أي : كما يكره أحدكم أن يأكل لحم أخيه وهو ميت ، فكذلك فليكره أن يذكره بالسوء وهو غائب ، فإن قال قائل : أيش التشابه بينهما في المعنى ؟ والجواب : أنه إذا أكل لحمه وهو ميت فقد هتك حرمته ، وهو لا يشعر به ، وإذا ذكره بالسوء بظهر الغيب فقد هتك حرمته ، وهو لا يشعر به . وعن عمرو بن العاص أنه مر على حمار ميت فقال : لأن يملأ أحدكم جوفه من هذا اللحم خير له من أن يغتاب أخاه . ويقال للمغتاب في اللغة : فلان يأكل لحوم الناس : وأنشد في التفسير في هذا المعنى :
( فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ** وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا )
وقوله : ( ^ واتقوا الله إن الله تواب رحيم ) أي : قابل التوبة عن خلقه عطوف بهم . < < الحجرات : ( 13 ) يا أيها الناس . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ) أي : آدم وحواء عليهما السلام ( ^ وجعلناكم شعوبا وقبائل ) روي عن ابن عباس أنه قال : الشعوب : الجمهور مثل : مضر ، وربيعة ، والقبائل : هم البطون منهم ، كتميم من مضر ، وشيبان من ربيعة ، ومنهم من قال : الشعوب هم الأبعدون في النسب ، والقبائل هم الأقربون في النسب . وعن بعضهم : أن الشعوب في العجم ، والقبائل في العرب . والواحد من الشعوب شعب وشعب بفتح الشين وكسرها ، وهو من التشعب .
وقوله : ( ^ لتعارفوا ) أي : ليعرف بعضكم بعضا ، وقرأ الأعمش : ' لتتعارفوا ' وعن ابن عباس أنه قرأ : ' لتعرفوا ' ، وقيل على هذه القراءة : ' لتعرفوا إن أكرمكم عند الله
____________________

( ^ شيئا إن الله غفور رحيم ( 14 ) إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ( 15 ) قل أتعلمون الله ) * * * * * * أتقاكم ' ( بفتح الألف ) . والصحيح هو القراءة الأولى ، والمراد من الآية قطع التفاخر بالأحساب والأنساب .
وقوله : ( ^ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) في الخبر أن النبي قال : ' يقول الله تعالى يوم القيامة : سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم ؛ أين المتقون ؟ ' .
وفي خبر آخر : أن الله تعالى يقول يوم القيامة : ' أيها الناس إنكم رفعتم أنسابكم ووضعتم نسبي ؛ فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم ؛ أين المتقون ؟ '
وفي التفسير : ' أن ثابت بن قيس بن شماس كان به صمم ، وكان يحب الدنو من رسول الله يسمع كلامه ، فجاء يوم وقد أخذ الناس مجالسهم ، فجعل يدخل بين القوم ليقرب من رسول الله ، فقال له رجل : اجلس حيث انتهى بك المجلس ، فقال له : من أنت ؟ فقال : أنا فلان فقال : ابن فلانة ، وذكر أما له في الجاهلية كان يعير بها ، فسمع ذلك رسول الله ، فقال : ' يا ثابت انظر في القوم ' ، فنظر ، فقال : ' ليس لك منهم فضل إلا بالتقوى '
وقد ذكر هذا في سبب نزول قوله تعالى : ( ^ ولا تلمزوا أنفسكم ) والتقوى هو
____________________

( ^ بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الأرض والله بكل شيء عليم ( 16 ) يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن ) * * * * * * الاحتراز عن كل ما نهى الله عنه . وقد قال أهل العلم : قد يكون للنسيب فضل في الدنيا على معنى أن غير النسيب لا يكون كفأ للنسيب ، وإذا اجتمع النسيب وغير النسيب في الإمامة ، فالنسيب أولى إذا اتفقا في العلم والتقوى ، فأما في الآخرة فلا فضل للنسيب ، إنما الفضل للتقوى .
وقوله : ( ^ إن الله عليم خبير ) ظاهر المعنى . < < الحجرات : ( 14 ) قالت الأعراب آمنا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ) أي : استسلمنا وانقدنا . والآية نزلت في قوم كانوا يظهرون الإيمان بلسانهم ولا يصدقون بقلوبهم . واختلف أهل العلم في الإيمان والإسلام ، قال بعضهم : هما واحد ، وفرق بعضهم بينهما . وفي بعض الأخبار عن النبي قال : ' الإسلام علانية ، والإيمان في القلب ' وعن لزهري : الإسلام هو الكلمة ، والإيمان العمل . وفي خبر ' جبريل صلوات الله عليه حيث جاء يسأل عن الإسلام والإيمان ، وفرق الرسول بينهما ، فجعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة ، والإيمان هو التصديق الباطن ' . . وهذا خبر صحيح .
وثبت أيضا أن النبي أعطى قوما ، ولم يعط رجلا ، فقال سعد بن أبي وقاص : إنك أعطيت فلانا وفلانا ولم تعط فلانا وهو مؤمن ؟ فقال : ' أو مسلم ' واستدل من
____________________

( ^ كنتم صادقين ( 17 ) إن الله يعلم غيب السموات والأرض والله بصير بما تعملون ( 18 ) ) * * * * * *
قال في أنهما واحد بقوله تعالى : ( ^ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) . وأكثر الأخبار دالة على التفريق ، فيجوز أن نفرق ما قلنا وعلى ما ورد في الأخبار ، ويجوز أن يقال : هما واحد ، فيكون الإسلام بمعنى الإيمان ، والإيمان بمعنى الإسلام ، وهو المتعارف بين المسلمين أن يفهم من أحدهما ما يفهم من الآخر ، والله أعلم .
وقوله : ( ^ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) هو دليل على أنهم لم يكونوا مصدقين في الباطن .
وقوله : ( ^ وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم ) وقرئ : ' لا يألتكم ' أي : لا ينقصكم .
وأما من قرأ : ' لا يألتكم من أعمالكم شيئا ' فهو بمعنى النقص أيضا ، قال الشاعر :
( وليلة ذات سري سريت ** ولم يلتني عن سراها ليت )
قوله تعالى : ( ^ إن الله غفور رحيم ) ظاهر المعنى . < < الحجرات : ( 15 ) إنما المؤمنون الذين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ) أي : صدقوا ولم يشكوا .
وقوله : ( ^ وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) أي : قدوا أنفسهم وبذلوا أموالهم في طلب رضى الله .
وقوله : ( ^ أولئك هم الصادقون ) بمعنى هم المحققون في الإيمان ، فكأنه لما ذكر
____________________

المنافقين في الآية الأولى ذكر صفة المؤمنين المحققين في هذه الآية الكون الرغبة إليه . < < الحجرات : ( 16 ) قل أتعلمون الله . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قل أتعلمون الله بدينكم ) علم هاهنا بمعنى أعلم .
وقوله : ( ^ والله يعلم ما في السموات وما في الأرض والله بكل شيء عليم ) أي : عالم ، وقد كانوا يقولون : إن الإسلام كذا ، وقد أسلمنا ، والإيمان كذا ، وقد آمنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . < < الحجرات : ( 17 ) يمنون عليك أن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يمنون عليك أن أسلموا ) قال سعيد بن جبير وغيره : نزلت الآية في أعراب من بني أسد كانوا يقولون : يا رسول الله ، إنا آمنا بك ، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وكانوا يقولون ذلك منا عليه ، وفي رواية أخرى : أن أعرابا قدموا المدينة وهم ( جمع ) كثير ، فأغلوا الأسعار وتحبسوا الطرق ، فكانوا يقولون : يا رسول الله ، إنا قد آمنا بك فأعطنا كذا كذا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وقوله : ( ^ قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ) أي : هو الذي أنعم عليكم بإخراجكم من الكفر إلى الإيمان .
وقوله : ( ^ إن كنتم صادقين ) معناه : واعلموا أن المنة لله عليكم إن كنتم صادقين أنكم آمنتم بالله . < < الحجرات : ( 18 ) إن الله يعلم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن الله يعلم غيب السموات والأرض والله بصير بما تعملون ) قد ذكرنا من قبل . وروى عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن النبي خطب يوم فتح مكة وقال : ' أيها الناس ، إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بالآباء ؛ فالناس رجلان : بر تقي كريم على الله ، وفاجر شقي هين على الله ، والناس بنو آدم ، وآدم من
____________________

تراب ، ثم قرأ قوله تعالى : ( ^ ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى . . . ) الآية > > . وروى سمرة بن جندب أن النبي قال : ' الحسب : المال ، والكرم : التقوى ' . أورد هذين الخبرين أبو عيسى الترمذي في جامعه في تفسير هذه السورة .
____________________

<
> بسم الله الرحمن الرحيم <
> ( ^ ق والقرآن المجيد ( 1 ) بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء ) * * * * * * <
> تفسير سورة ق <
>
قال الشيخ الإمام رضي الله عنه : هي مكية . < < ق : ( 1 ) ق والقرآن المجيد > >
قوله تعالى : ( ^ ق ) قال قتادة : هو اسم من أسماء السورة ، وقال مجاهد : ( ^ ق ) جبل محيط بالدنيا من زمردة خضراء [ منه ] خضرة السماء ، ومن خضرة السماء خضرة البحار ، وحكي مثل هذا عن ابن عباس ، وفي رواية : أن جبل ' ق ' من زبرجد أخضر ، والسماء مقببة عليه ، والجبل محيط بالدنيا ، فإذا أراد الله تعالى أن يزلزل الأرض حرك ذلك الجبل فتزلزلت الأرض ، وهذا عند قيام الساعة .
وفي الآية قول آخر : قال عكرمة : إن ' ق ' من القاهر .
وفيه قول رابع : أن معناه : قضي ما كان مثل قوله : ' حم ' أي : حم ما كان .
وقوله : ( ^ والقرآن المجيد ) أي : عظيم الكرم ، ويقال : الكريم .
يقال : تماجد القوم إذا تفاخروا بالكرم ، وأظهروه من أنفسهم ، وقيل : ' والقرآن المجيد ' : أي : الرفيع ، ومعناه : رفيع القدر والمنزلة .
فقوله : ( ^ والقرآن المجيد ) قسم ، فإن قيل : أين جواب القسم ؟
والجواب : أنهم اختلفوا فيه ، منهم من قال : جواب القسم قوله : ( ^ قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ) أي : لقد علمنا .
والقول الثاني : أن جواب القسم محذوف ، ومعناه : ( ^ ق والقرآن المجيد ) لتبعثن .
والقول الثالث : في الآية تقديم وتأخير ، ومعناه : < < ق : ( 2 ) بل عجبوا أن . . . . . > > ( ^ بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ) أي : محمد .
____________________

( ^ عجيب ( 2 ) أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد ( 3 ) قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ ( 4 ) بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم ي أمر مريج ( 5 ) * * * * * *
وقوله : ( ^ فقال الكافرون هذا شيء عجيب ) وتعجبهم كان من البعث بعد الموت ، وهو تعجب من غير عجب ، والتعجب من غير عجب مستنكر مستقبح . < < ق : ( 3 ) أئذا متنا وكنا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أئذا متنا وكنا ترابا ) معناه : أنبعث إذا متنا وكنا ترابا ، قالوه على طريق الإنكار .
وقوله تعالى : ( ^ ذلك رجع بعيد ) أي : رجوع يبعد كونه . < < ق : ( 4 ) قد علمنا ما . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ) قال الحسن أي : يموت منهم ، وقال مجاهد : ما تأكل الأرض من لحومهم وجلودهم . وعن بعضهم : موت علمائها .
وقوله : ( ^ وعندنا كتاب حفيظ ) أي : حافظ ، وهو اللوح المحفوظ ، وقيل : محفوظ ما فيه . < < ق : ( 5 ) بل كذبوا بالحق . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج ) أي : مختلط . قال أبو ذؤيب الهذلي :
( فخر كأنه خوط مريج **
وقال غيره :
( فجالست فالتمست به حشاها ** فخر كأنه غصن مريج )
ويقال : مريج : ملتبس .
ووجه الالتباس أنهم كانوا يقولون للنبي مرة هو ساحر ، ومرة هو شاعر ، ومرة هو كاهن ، [ وكانوا ] أيضا يقرون بالبعث مرة ، وينكرون البعث مرة ، فهذا هو معنى الاختلاط والالتباس .
____________________

( ^ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج ( 6 ) والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ( 7 ) تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ( 8 ) ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد ( 9 ) ) * * * * * * < < ق : ( 6 ) أفلم ينظروا إلى . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ) أي : بالنجوم والشمس والقمر .
وقوله : ( ^ وما لها من فروج ) أي : شقوق . < < ق : ( 7 ) والأرض مددناها وألقينا . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ) أي الجبال .
وقوله : ( ^ وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ) أي : من كل صنف حسن ، والبهجة : الحسن ، وعلى هذا قوله في موضع آخر : ( ^ ذات بهجة ) أي : ذات حسن . < < ق : ( 8 ) تبصرة وذكرى لكل . . . . . > >
وقوله : ( ^ تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ) أي : ( تبصرا ) للآيات ، وموعظة للقلوب . ويقال : تبصرة أي : يبصر بها ذوو العيون ' وذكرى ' أي : يذكر بها ذوو القلوب .
وقوله : ( ^ لكل عبد منيب ) أي : راجع في أموره إلى الله تعالى . < < ق : ( 9 ) ونزلنا من السماء . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات ) أي : البساتين .
وقوله : ( ^ وحب الحصيد ) أي : حب النبت المحصود ، وهو البر والشعير وغيره . ويقال : ' حب الحصيد ' : هو الحصيد نفسه ، كأنه أضافه إلى نفسه ، مثل قولهم : صلاة الأولى ، ومسجد الجامع ، ومثل قوله تعالى : ( ^ حق اليقين ) . < < ق : ( 10 ) والنخل باسقات لها . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ والنخل باسقات لها ) أي : طوالا . قال عكرمة : طوالا في استقامة . ويقال في صفة النخيل : الباسقات في الوحل ، المطعمات في المحل .
____________________

( ^ والنخل باسقات لها طلع نضيد ( 10 ) رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ( 11 ) كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود ( 12 ) وعاد وفرعون وإخوان ) * * * * * *
وقوله : ( ^ لها طلع نضيد ) أي : منضود ، وهو المتصل بعضه ببعض .
ويقال : المتراكم بعضه على بعض . قال أهل اللغة : وإنما يسمى نضيدا ما دام في الطلع ، فإذا خرج من الطلع لم يكن نضيدا ، وعن بعضهم قال : إن نخيل الجنة مثمرة من أعلاها إلى أسفلها ، وهي كالقلال كلما أخذت واحدة نبتت مكانها أخرى . < < ق : ( 11 ) رزقا للعباد وأحيينا . . . . . > >
وقوله : ( ^ رزقا للعباد ) الرزق : العطاء الجاري من الله تعالى على توظيف ، وقد يكون بطلب ، وقد يكون بغير طلب ، وقد يكون بدعاء يدعو به العبد ، وقد يكون بغيره .
وقوله : ( ^ وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ) يعني : كما نحيي الأرض اليابسة ونخرج منها الأشجار ( والزرع ) والكلأ ، كذلك نحيي الأجساد بعد الموت ونخرجها من الأرض . وفي التفسير : أن الله تعالى يمطر من السماء ماء على الأرض حين يريد أن يبعث الخلق كمنى الرجال ( فينبت ) بها الأجساد في الأرض ، ويجمع الجلود إليها ثم يبعثهم . < < ق : ( 12 - 13 ) كذبت قبلهم قوم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ كذبت قبلهم قوم نوح وأصاب الرس ) قال كعب الأحبار : هم قوم رسوا نبيهم في بئر ، ويقال : هي بئر باليمامة ، ويقال : بالفلج ، كان عليها قوم أتاهم نبي فكذبوه فأهلكهم الله تعالى ، وفي تفسير النقاش : أن اسم نبيهم كان حنظلة بن صفوان ، والله أعلم . ويقال : كان بئرا بأذربيجان .
وقوله : ( ^ وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط ) في بعض التفاسير : أن لوطا يبعث وحده وليس معه أحد آمن به .
____________________

( ^ لوط ( 13 ) وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد ( 14 ) أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ( 15 ) ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما ) * * * *
وعن بعضهم : أن فرعون كان رجلا أعجميا من أهل اصطخر فارس ، ذكره أبو الحسين بن فارس في تفسيره ، وذكر فيه أنه عاش مائتين وعشرين سنة لم يؤذه شيء ، ودعاه موسى ثمانين سنة ، ثم أغرقه الله فجميع مدة ملكه ثلثمائة سنة ، < < ق : ( 14 ) وأصحاب الأيكة وقوم . . . . . > >
وقوله : ( ^ واصحاب الأيكة ) وقرئ : ' ليكة ' في موضع آخر ، فليكة اسم القرية ، والأيكة أسم الاناحية مثل : ( بكة ) ومكة .
وقوله : ( ^ وقوم تبع ) في التفسير : أن تبع اسعد بن لمكيكرب ، وكنيته أبو كرب . وفي القصة : أنه خرج من اليمن غازيا سائحا في الأرض ومعه جيش عظيم ، وهو أول من حير الحيرة أي : بناها مر ببلاد العجم حتى أتى سمرقند [ وهدمها ] . ويقال : إن الذي هدم سمرقند هو شمر . ومنه سمرقند أي : شمر كندة ، وهو من ملوك اليمن أيضا ، ولتبع ابن يقال له : حسان بن تبع ، وكان فيهم من غزا الصين وأسكن ثم قوما من العرب ، فيقال : أن ' التبت ' منهم ، وهم على خلقة العرب نحاف سمر .
وقد روينا أن النبي قال : ' لا تسبوا تبعا ؛ فإنه كان قد أسلم ' . وقد دل على هذا قوله هاهنا : ( ^ وقوم تبع ) ولم يذكره بينهم .
وقوله : ( ^ كل كذب الرسل فحق وعيد ) أي : حق عليهم وعيدي وعذابي . < < ق : ( 15 ) أفعيينا بالخلق الأول . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أفعيينا بالخلق الأول ) وجوابه محذوف ، ومعناه : أفعيينا بالخلق الأول فنعيا بالخلق الثاني أي : عسر علينا ذلك فيعسر علينا هذا ، ويقال : عيي فلان بالأمر إذا عجز عنه .
____________________

( ^ توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ( 16 ) إذ يتلقى الملتقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ( 17 ) ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ( 18 ) وجاءت سكرة ) * * * * * *
وقوله : ( ^ بل هم في لبس من خلق جديد ) أي : في شك من الخلق الثاني . < < ق : ( 16 ) ولقد خلقنا الإنسان . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد خلقنا الإنسان ) يقال : إن المراد به آدم صلوات الله عليه وحده . ويقال : إنه في كل الناس .
وقوله : ( ^ ونعلن ما توسوس به نفسه ) الوسوسة : حديث النفس ، وإن كان المراد بالآية هو آدم فالوسوسة في حقه حديث نفسه بأكل الشجرة . وقد ثبت عن النبي أنه قال : ' من توضأ فأحسن الوضوء ، وصلى ركعتين ولم يحدث فيهما نفسه ؛ غفر الله له ما تقدم من ذنبه ' .
وقوله : ( ^ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) حبل الوريد : عرق في باطن العنق ، ويقال : في البدن عرق يسمى الأكحل نهر البدن ، وفي الساق يقال له : النساء ، وفي البطن يسمى الحالب ، وفي الظهر يسمى الأنهر ، وفي اليد يسمى الأكحل ، وفي العنق يسمى الوريد ، وفي القلب يسمى الوتين ، ويقال هما وريدان تحت الودجين . قال الشاعر :
( كان كأن وريديه رشاء حبل **
أي : ليف . ومعناه : أن الله تعالى أقرب إليه من كل شيء حتى إنه أقرب إليه من مماته وحياته ، وحياة الإنسان بهذا العرق ، حتى إذا انقطع لم يبق حيا . < < ق : ( 17 ) إذ يتلقى المتلقيان . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إذ يتلقى الملتقيان ) معناه : اذكر يا محمد إذ يتلقى المتلقيان ، وهما الملكان . والتقى : هو القبول والأخذ ، فالملك يأخذ مله ونطقه فيثبته ، ومنه قوله تعالى : ( ^ فتلقى آدم من ربه كلمات ) أي : أخذ .
وقوله : ( ^ عن اليمين وعن الشمال قعيد ) أي : قاعد ، فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر ، معناه : عن اليمين قاعد وعن الشمال قاعد . وفي بعض الأخبار : الصماخان مقعد الملكين ، وهما جانبا الفم .
____________________

( ^ الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ( 19 ) ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد ( 20 ) ) * * * * * * < < ق : ( 18 ) ما يلفظ من . . . . . > >
وقوله : ( ^ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) أي : رقيب حاضر .
قال الحسن : يكتب الملكان كل شيء حتى قوله لجاريته اسقيني الماء ، وناوليني نعلي ، أو أعطيني ردائي ، ويقال : يكتب كل شيء حتى صفيره بشرب الماء .
وفي الخبر برواية أبي أمامة أن النبي قال : ' ملك اليمين أمير على ملك الشمال ، فإذا عمل العبد حسنة كتبها ملك اليمين في الحال عشرا ، وإذا عمل العبد سيئة فأراد صاحب الشمال ان يكتب ، قال له صاحب اليمين : أمسك سبع ساعات ، فإن تاب لم يكتب ، وإن لم يتب قال : اكتبها واحدة ' .
واعلم أن ملك اليمين يكتب الحسنات ، وملك لشمال يكتب السيئات ، واليمين محبوب الله ومختاره ، ومنه ما روي عن النبي ' أنه كان يحب التيامن في كل شيء ، حتى في ترجله وتنعله وطهوره ' . ومن هذا إذا دخل المسجد يبدأ باليمين ليقدمها إلى موضع الخير ، وإذا خرج يبدأ بالشمال ليكون مكث اليمين في موضع الخير أكثر وإن قل ، وعلى عكس هذا دخول موضع الخلاء والخروج منه . < < ق : ( 19 ) وجاءت سكرة الموت . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وجاءت سكرة الموت بالحق ) السكرة هي ( الغشية ) والغمرة التي تلحق الإنسان عند القرب من الموت .
وقوله : ( ^ بالحق ) فيه قولان : أحدهما : أن الحق هو نفس السكرة التي هي سكرة الموت ، ويقال : الحق هو الله ، وفي الموت لقاء الله ، فهو معنى قوله : ( ^ بالحق ) أي : بلقاء الحق . ويقال : هو إشارة إلى الجنة والنار ؛ لأنه إذا مات إما أن يدخل الجنة ، وإما أن
____________________

( ^ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ( 21 ) لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ( 22 ) وقال قرينه هذا ما لدي عتيد ( 23 ) ألقيا في جهنم ) * * * * * يدخل النار . وفي الأثر المعروف أن أبا بكر رضي الله عنه لما احتضر كانت عائشة عنده فأنشدت :
( لعمرك ما يغنى الثراء عن الفتى ** إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر )
فقال أبو بكر رضي الله عنه لا تقولي هذا ، ولكن قولي : وجاءت سكرة الحق بالموت ' فيقال : إنه زل لسانه ، ويقال : هذه قراءته . قالت عائشة : فدعا بصحيفة يستخلف ، وكتب وظننت أنه سيستخلف طلحة ، وكنت أود ذلك ؛ لأن طلحة من أقرباء أبي بكر ، فقال : اللهم إني لم آل ولم أوال ، فعرفت أنه غير مستخلف إياه .
وقوله : ( ^ ذلك ما كنت به تحيد ) أي : تفر وتهرب ، ويستحب للمؤمن حب الموت ؛ لأنه به يستخلص من الأوزار ، ويصل إلى محبوبه إن قدر له خير . وعن بعض السلف : لا يكره الموت إلا مريب . وإنما كره تمني الموت بضر نزل به على ما في الخبر . فأما إذا تمنى الموت ليستخلص من الدنيا وفتنها وشوقا إلى لقاء ربه فهو محبوب . < < ق : ( 20 ) ونفخ في الصور . . . . . > >
وقوله : ( ^ ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد ) أي : يوم وعيد الكفار ووعد المؤمنين . < < ق : ( 21 ) وجاءت كل نفس . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ) السائق : هو الملك ، والشهيد : هو العمل ، قاله قتادة ومجاهد والضحاك . ويقال : السائق : ملك السيئات ، والشهيد : ملك الحسنات . ويقال : السائق : الشيطان ، والشهيد : الملك . وقيل في الشهيد : إنه الجوارح . < < ق : ( 22 ) لقد كنت في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ لقد كنت في غفلة من هذا ) يقال : إن هذا في الكفار ؛ لأنهم في الغفلة من الآخرة على الحقيقة . ويقال : في كل غافل .
وقوله : ( ^ فكشفنا عنك غطاءك ) أي : كشفنا عنك ما غشيك وغطى سمعك وبصرك وعقلك ، حتى لم تسمع ولم تبصر ولم تعقل الحق ، وهو في معنى قوله تعالى : ( ^ أسمع بهم وأبصر ) .
____________________

( ^ كل كفار عنيد ( 24 ) مناع للخير معتد مريب ( 25 ) الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه ) * * * * * *
وقوله : ( ^ فبصرك اليوم ) أي : نافذ ، وقيل : شديد . ويقال : بصرك اليوم ( ^ حديد ) إلى لسان الميزان ، ومنه حدة البصر . < < ق : ( 23 ) وقال قرينه هذا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وقال قرينه ) أي : الملك .
( ^ هذا ما لدي عتيد ) أي : هذا الذي كتبته ، وهو عندي ولدي عتيد أي : معد ، ويقال : حاضر . < < ق : ( 24 ) ألقيا في جهنم . . . . . > >
وقوله : ( ^ ألقيا في جهنم كل كفار عنيد ) فإن قيل : ما معنى قوله : ' ألقيا ' ومن المخاطب ؟ والجواب : أن المخاطب ملك واحد ، ولكنه قال : ألقيا على عادة العرب ، فإنهم يخاطبون الواحد بخطاب الاثنين .
قال الشاعر :
( فإن تزجراني يابن عفان أنزجر ** وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا . )
وقال آخر :
( خليلي مرابي على أم جندب ** لنقضي حاجات الفؤاد المعذب )
( ألم تر كلما جئت طارقا ** وجدت بها طيبا وإن لم تطيب )
وأراد بالخليلين الواحد . وكان الحجاج إذا أمر بقتل إنسان قال : ياحرسي اضربا . وقال المبرد : معنى قوله : ( ^ ألقيا ) أي : ألق ألق ، فلما ثنى خاطب يخاطب اثنان .
عن بعضهم : أنه يقول لملكين حتى يلقياه في النار .
وقوله : ( ^ كل كفار عنيد ) أي : معاند ، وعن إبراهيم النخعي قال : العنيد : هو الذي يكابر الحق كأنه يقربه وينكره . < < ق : ( 25 ) مناع للخير معتد . . . . . > >
وقوله : ( ^ مناع للخير معتد مريب ) أي : ذي عدوان ذي ريبة ، والمناع للخير : هو
____________________

( ^ في العذاب الشديد ( 26 ) قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد ( 27 ) قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ( 8 ) ما يبدل القوي لدي وما أنا ) * * * * * مانع الحقوق والصدقات والزكوات . < < ق : ( 26 ) الذي جعل مع . . . . . > >
وقوله : ( ^ الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد ) أي : عذاب النار . وذكر لنحاس في تفسيره قولا : أن ( ^ قرينه ) في الآية المتقدمة هو الشيطان . وقوله : ( ^ هذا ما لدي عتيد ) أي : هذا عمله وهو حاضر ، والذي قلنا : أن المراد به الملك فهو ألقى وأليق بقوله : ( ^ هذا ما لدي عتيد ) يعني : يقول الملك : هذا الذي كتبته عليه ، وقد أحضرته . وقال النحاس في قوله : ( ^ ألقيا في جهنم ) الأولى خطاب للملكين اللذين أحدهما يسوقه والآخر يشهد عليه ، وهما اللذان كتبا العمال .
وقوله : ( ^ معتد مريب ) أي : معتد في سيرته ونطقه وخلقه .
يقال : أرابني كذا فأنا مريب أي : شاك
قال الشاعر :
( بثينة قالت يا جميل أربتنى ** فقلت كلانا يا بثين مريب ) ويقال في قوله : ( ^ مناع للخير ) أي : الزكاة المفروضة . وقال الضحاك : الآية وردت في الوليد بن المغيرة المخزومي . < < ق : ( 27 ) قال قرينه ربنا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قال قرينه ربنا ما أطغيته ) القرين : هاهنا هو الشيطان باتفاق المفسرين . وقوله : ( ^ ربنا ما أطغيته ) أي : ما أضللته .
وقوله : ( ^ ولكن كان في ضلال بعيد ) أي : وجدته وقد اختار الضلالة لنفسه ، وهو معنى قوله تعالى حكاية عن إبليس : ( ^ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي . . . ) الآية . < < ق : ( 28 ) قال لا تختصموا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قال لا تختصموا لدي ) أي : عندي .
____________________

( ^ بظلام للعبيد ( 29 ) يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ( 30 ) وأزلفت ) * * * * *
وقوله : ( ^ وقد قدمت إليكم بالوعيد ) أي : بعثت الرسل وأنزلت الكتب وبينت الأمر والنهي والوعد والوعيد . فإن قيل : قد قال في موضع آخر : ( ^ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) [ و ] قال هاهنا ( ^ لا تختصموا لدي ) فكيف وجه التوفيق ؟ والجواب من وجهين : أحدهما : أن للقيامة مواطن ومواقف ، فهذا في موطن . وذلك في موطن ما على بينا .
والوجه الثاني : أن قوله : ( ^ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) للمؤمنين ، وقوله : ( ^ لا تختصموا لدى ) للكفار . ويقال إنه يقول لهم لا تختصموا لدى بعد أن اختصموا ، واختصامهم ما ذكر في سورة القصص والصافات . < < ق : ( 29 ) ما يبدل القول . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ما يبدل القول لدي ) أي : لا يكذب عندي ؛ فإنه لا يخفى على حقيقة الأمور وبواطنها . ويقال : ' ما يبدل القول لدي ' أي : لا يبدل قولي : إن السيئة بمثلها ، والحسنة بعشر أمثالها .
وقوله : ( ^ وما أنا بظلام للعبيد ) أي : لا أنقص ثواب المحسنين ، ولا أزيد في مجازاة المسيئين . < < ق : ( 30 ) يوم نقول لجهنم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) فيه قولان : أحدهما : أن معنى قوله : ( ^ هل من مزيد ) أي : قد امتلأت ، فلا مزيد في ، وحقيقته أنك قد وفيت بما وعدت ، وملأتني فلا موضع للزيادة . وهذا مثل قوله عليه الصلاة والسلام : ' وهل ترك لنا عقيل من دار ' أي : ما ترك .
والقول الثاني : أن معنى قوله : ( ^ هل من مزيد ) أي : طلب الزيادة بقوله تغيظا على الكفار ، وطلبا لزيادة الانتقام . والأول أحسن . وقد ثبت برواية أنس وأبي هريرة أن
____________________

( ^ الجنة للمتقين غير بعيد ( 31 ) هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ ( 32 ) من خشي ) * * * * * النبي قال : ' لا تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط ' أي : حسبي .
وهذا الخبر يؤيد القول الثاني ، والخبر من المتشابه ، وقد بينا وجه الكلام في المتشابه . وقال بعضهم : أن القول من جهنم هاهنا على طريق المجاز مثل قول الشاعر :
( امتلأ الحوض وقال قطني ** مهلا ورويدا قد ملأت بطني )
فقوله : قطني أي : حسبي . ووجه المجاز فيه أنه لما امتلأ الحوض ولم يكن فيه مزيد وكأنه قال : قد امتلأت فحسبي . كذلك في جهنم ، وهو على توسع الكلام . والأصح أن هذا النطق من جهنم على طريق الحقيقة ، وهذا اللائق بمذهب أهل السنة في الإيمان بتسبيح الجمادات ، وما نزل في ذلك من آي القرآن . وعن الحسن البصري قال : لو لم يعص الله إلا رجل واحد لملأ الله منه جهنم يوم القيامة . < < ق : ( 31 ) وأزلفت الجنة للمتقين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وأزلفت الجنة للمتقين ) أي : قربت .
وفي الآثار : أن الناس إذا بعثوا من قبورهم رأوا الجنة والنار على قرب منهم . وقيل إن الجنة والنار يعرضان على المؤمنين والكفار قبل دخولهم فيهما . < < ق : ( 32 ) هذا ما توعدون . . . . . > >
وقوله : ( ^ هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ ) الأواب هو الذي اعتاد الرجوع إلى الله تعالى في كل أموره . والحفيظ هو الذي يحفظ الأمر والنهي . وعن بعضهم : أن الأواب هو المسبح .
وعن بعضهم : أنه الكثير الصلاة .
وعن بعضهم : أنه الدعاء .
____________________

( ^ الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ( 33 ) ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود ( 34 ) لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد ( 34 ) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا ) * * * * *
وعن بعضهم : أنه الذي يحفظ قوله وفعله في مجلسه ، فإذا أراد أن [ يقوم ] قال : سبحانك اللهم وبحمدك ، لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك .
ويقال : حفيظ أي : حافظ لعهد الله . < < ق : ( 33 ) من خشي الرحمن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ من خشي الرحمن بالغيب ) إنما قال بالغيب ؛ لأنهم آمنوا بالبعث والجنة والنار والثواب والعقاب ، وذلك كله غيب .
وقوله : ( ^ وجاء بقلب منيب ) المنيب قد بينا معناه فيما سبق ، والرجل هو المنيب ؛ لكنه أضاف إلى القلب ؛ لأن الأكثر من أعمال الإيمان يعمله المؤمن بقلبه . < < ق : ( 34 ) ادخلوها بسلام ذلك . . . . . > >
وقوله : ( ^ ادخلوها بسلام ) يقال : إن الله تعالى يقول ذلك ، ويقال : الملك يقولها .
وقوله : ( ^ بسلام ) أي : بسلامة .
وقوله : ( ^ ذلك يوم الخلود ) هو الخلود في الجنة والنار . < < ق : ( 35 ) لهم ما يشاؤون . . . . . > >
وقوله : ( ^ لهم ما يشاءون فيها ) أي : ما يشتهون فيها .
قوله : ( ^ ولدينا مزيد ) فيه قولان : أحدهما : أن المزيد هو ما لم يخطر ببالهم ، ولم تصل [ إليه ] شهوتهم وإرادتهم . والآخر : أنه النظر إلى الله تعالى . < < ق : ( 36 ) وكم أهلكنا قبلهم . . . . . > >
وقوله : ( ^ وكم أهلكنا قبلهم من قرن ) قد بينا معنى القرن ، والأصح أنه أقصى مدة عمر كل قوم في عمرهم ؛ فقرن نوح على ما كان في زمانه ، وقرن إبراهيم على ما كان في زمانه ، وكذا إلى زمانا ، فعلى هذا قوله : ' من قرن ' أي : من أهل قرن .
وقوله : ( ^ هم أشد منهم بطشا ) أي : قوة .
وقوله : ( ^ فنقبوا في البلاد ) أي : طوفوا وساروا .
____________________

( ^ فنقبوا في البلاد هل من محيص ( 36 ) إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ( 37 ) ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ( 38 ) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ( 39 ) ومن الليل فسبحه وأدبار السجود ( 40 ) واستمع يوم يناد المناد ) * * * *
قال امرؤ القيس .
( وقد نقبت في البلدان حتى ** رضيت من الغنيمة بالإياب )
( ^ [ هل من محيص ] < < ق : ( 37 ) إن في ذلك . . . . . > > إن في ذلك لذكرى ) أي : موعظة وتذكير .
وقوله : ( ^ لمن كان له قلب ) أي : عقل . يقول الإنسان لغيره : مالك من قلب أي : مالك من عقل ، ويقول : أين قلبك أي : أين عقلك .
وعند بعض العلماء أن محل العقل هو القلب بدليل هذه الآية . وعن بعضهم : أن محله الدماغ . يقال : فلان خفيف الدماغ أي : خفيف العقل .
وقوله : ( ^ أو ألقى السمع وهو شهيد ) أي : استمع بأذنه وهو حاضر بفؤاده ، يقول الإنسان لغيره : ألق سمعك وارعني سمعك أي : استمع إلي ، والمعنى : أنه يستمع ، ولا يشغل قلبه بما يمنعه من السماع . < < ق : ( 38 ) ولقد خلقنا السماوات . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ) أي : إعياء ونصب ، وهو رد لما قالته اليهود أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام واستراح يوم لسبت . < < ق : ( 39 ) فاصبر على ما . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك ) أي : صل حامدا ربك .
وقوله : ( ^ قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ) قبل طلوع الشمس هو صلاة الصبح . وقبل الغروب هو الظهر والعصر . < < ق : ( 40 ) ومن الليل فسبحه . . . . . > >
وقوله : ( ^ ومن الليل فسبحه ) هو المغرب والعشاء .
____________________

( ^ من مكان قريب ( 41 ) يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج ( 42 ) إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير ( 43 ) يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا ) * * * * * *
وقوله : ( ^ وأدبار السجود ) القول المعروف أنه الركعتان بعد المغرب ، ورد القرآن به لزيادة التأكد والندب إليه ، وهو قول علي وأبي هريرة . وقيل : إنه جميع النوافل بعد الفرائض . وقيل : إنه الوتر ؛ لأنه آخر ما يفعله الإنسان عند فراغه من الصلوات ، وقد ذكرنا الخبر فيما جرى من الرؤية ، وقوله عليه الصلاة والسلام في آخر ذلك الخبر : ' فإن استطعتم أن [ لا ] تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وعلى صلاة قبل غروبها فافعلوا ' وقرأ هذه الآية . < < ق : ( 41 ) واستمع يوم يناد . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب ) القول المعروف أنه إسرافيل عليه السلام ينادي الناس على صخرة بيت المقدس ، فيقول : أيتها العظام البالية ، والجلود المتمزقة ، والأجساد المتفرقة ، والأوصال المتقطعة ، ارجعي إلى ربك ، وقيل بلفظ آخر .
وفي الآية قول آخر : وهو أن قوله : ( ^ من مكان قريب ) أي : من تحت أقدامهم . ويقال في صماخ آذانهم ، وقيل : إن هذا النداء هو النفخة الأولى بهلاك الناس . < < ق : ( 42 ) يوم يسمعون الصيحة . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ يوم يسمعون الصيحة بالحق ) هو النفخة الثانية ، والأصح أن [ كليهما ] واحد ، وذكره بلفظين .
وقوله : ( ^ ذلك يوم الخروج ) أي : من القبور لحساب الأعمال ودخول الجنة والنار . < < ق : ( 43 ) إنا نحن نحيي . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير ) أي : المرجع . < < ق : ( 44 ) يوم تشقق الأرض . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ) أي : لا يلبثون بعد سماع الصيحة ، والمعنى : أنهم إذا سمعوا الصيحة تشققت عنهم الأرض ، وخرجوا من غير ) * * * * * * ( ^ يسير ( 44 ) نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ( 45 ) ) * * * * * لبث ولا زمان .
وقوله : ( ^ ذلك حشر علينا يسير ) هو جواب لقولهم في أول السورة ذلك رجع بعيد . < < ق : ( 45 ) نحن أعلم بما . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ نحن أعلم بما يقولون ) أي : بما يقولون من الشرك والكذب على الله وعلى رسوله .
وقوله : ( ^ وما أنت عليهم بجبار ) أي : بمسلط ، وهو مثل قوله تعالى : ( ^ لست عليهم بمسيطر ) والجبار في صفات الله محمود ، وفي صفات الخلق مذموم ، وكذلك المتكبر ؛ لأن الخلق أمروا بالتواضع والخشوع والخضوع ولين الجانب وخفض الجناح ، وأما الرب جل جلاله فيليق به الجبروت والكبرياء : لأنه المتعالي عن إدراك الخلق ، القاهر لهم في كل ما يريده ، ولم يصفه أحد حق صفته ، ولأعظمه أحد حق تعظيمه ، ولا عرفه أحد حق معرفته . وقد قيل : إن الجبار في اللغة هو القتال ، وهو في معنى قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام ( ^ إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض ) أي : قتالا .
وقال بعضهم : إن الآية منسوخة ، وهي قبل نزول آية السيف ، نسختها آية السيف . وفي بعض التفاسير : أن قوله : ( ^ فاقتلوا المشركين ) نسخت سبعين آية من القرآن .
وقوله : ( ^ فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) أي : عظ بالقرآن من يخافني . فإن قيل : أليس يوعظ بالقرآن الكافر والمؤمن جميعا ، فكيف معنى قوله : ( ^ من يخاف وعيد ) والكافر لا يخاف وعيد الله ؟ والجواب : أنه لما لم ينتفع بالقرآن إلا المؤمن فكأنه لم يخوف بالقرآن إلا المؤمنون ، والله أعلم .
____________________


____________________

<
> بسم الله الرحمن الرحيم <
> ( ^ والذاريات ذروا ( 1 ) فالحاملات وقرا ( 2 ) فالجاريات يسرا ( 3 ) فالمقسمات ) * * * * * * <
> تفسير سورة الذاريات <
>
وهي مكية في قول الجميع < < الذاريات : ( 1 ) والذاريات ذروا > >
قوله تعالى : ( ^ والذاريات ذروا ) وروى أبو الطفيل أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خطب وقال : سلوني : فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا حدثتكم به ، سلوني عن كتاب الله ، ما من آية نزلت إلا وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار ، في سهل أم في جبل ، وفيم أنزلت ، فقام ابن الكوا وقال : ما لذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا ؟ فقال علي رضي الله عنه سل تفقها ، ولا تسأل تعنتا ، ' والذاريات ذروا ' هي الرياح ، فالحاملات وقرا ' هي السحاب ' فالجاريات يسراً ' هي السفن ' فالمقسمات أمراً هي الملائكة ، ومثل هذا عن ابن عباس ، وعلى أكثر هذا المفسرين .
فقوله : ( ^ والذاريات ) هي من ذرت الريح التراب وأذرته إذا فرقته ، ويقال : إن الذاريات هي النساء الحوامل تذرين الأولاد ، والأول هو المختار . < < الذاريات : ( 2 ) فالحاملات وقرا > >
وقوله : ( ^ فالحاملات وقرا ) قيل : إنها الرياح تحمل السحاب ، والوقر هو السحاب . < < الذاريات : ( 3 ) فالجاريات يسرا > >
وقوله : ( ^ فالجاريات يسرا ) يقال : إنها الرياح أيضا تجري بسهوله ويسر ، ويقال : ( ^ فالجاريات يسرا ) هي : الكواكب السبة : الشمس ، والقمر ، والمشتري ، وعطارد ، والزهرة ، وبهرام ، وزحل ، والقول الأول هو المختار . < < الذاريات : ( 4 ) فالمقسمات أمرا > >
وقوله : ( ^ فالمقسمات أمرا ) يقال : إنها الرياح أيضا . ومعنى قسمة الأمر : أن الرياح تقسم المطر فتصب البعض ولا تصب البعض ، والقول الأول هو المختار ، والمعنى من الملائكة هم أربعة : جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وعزرائيل ؛ فجبريل على الوحي والعذاب ، وميكائيل على الرزق والمطر والرياح ، وإسرافيل على الصور ، وعزرائيل على قبض الأرواح ، وقال الأعشى في وصف السحاب .
____________________

( ^ أمرا ( 4 ) إنما توعدون لصادق ( 5 ) وإن الدين لواقع ( 6 ) والسماء ذات الحبك ( 7 ) إنكم لفي قول مختلف ( 8 ) ) * * * * *
( كأن مشيتها من بيت جارتها ** مشي السحاب لا ريث ولا عجل ) < < الذاريات : ( 5 ) إنما توعدون لصادق > >
وقوله : ( ^ إنما توعدون لصادق ) قال مجاهد معناه : أن القيامة كائنة .
وقوله : ( ^ لصادق ) أي : ذو صدق ، وكذلك قالوا في قوله : ( ^ في عيشة راضية ) أي : ذات رضا ، ويقال : سمي الوعد صادقا ؛ لأن الصدق يقع عليه ، كما يقال : ليل نائم ، وخبر كاذب ، وسر كاتم ، وما أشبه ذلك . < < الذاريات : ( 6 ) وإن الدين لواقع > >
وقوله : ( ^ وإن الدين لواقع ) قال قتادة : إن الجزاء لواقع . قال لبيد شعرا :
( قوم يدينون بالنوعين مثلهما ** بالسوء سوءا وبالإحسان إحسانا )
يعني : يجازون . فإن قيل : ما معنى القسم بالرياح والسفن والسحاب وما أشبه ذلك ؟ فكيف يقسم الله بخلقه ؟ والجواب معناه : ورب الذاريات ، ورب الحاملات والجاريات . ويقال : إن قسمه بالشيء يدل على جلالة ذلك وعظم منفعة العباد به . وقيل : التقدير : أقسم بالذاريات . < < الذاريات : ( 7 ) والسماء ذات الحبك > >
قوله تعالى : ( ^ والسماء ذات الحبك ) قال عكرمة : ذات الخلق الحسن ، وقيل : ذات التأليف ، المحكم : ويقال ذات الطرائق في الرمل والماء إذا ضربتها الرياح حبائك ، ويقال : الحبك هو بهاؤها واستواؤها ، ويقال : شدتها وإحكامها ، قال الشاعر :
( مكلل بأصول النبت تنسجه ** ريح خريق مايد حبك )
وقال أبو كثير الهذلي :
( ممن حملن به وهن عواقد ** حبك النطاق تشب غير مهبل )
وعن الحسن البصري : والسماء ذات الحبك أي : النجوم . < < الذاريات : ( 8 ) إنكم لفي قول . . . . . > >
وقوله : ( ^ إنكم لفي قول مختلف ) يعني : مصدق ومكذب ، ويقال معناه : أن
____________________


____________________

( ^ يؤفك عنه من أفك ( 9 ) قتل الخراصون ( 10 ) الذين هم في غمرة ساهون ( 11 ) ) * * * * * بعضهم يقول : هو ساحر ، وبعضهم يقول : شاعر ، وبعضهم يقول : مجنون ، وعلى هذا وقع القسم ، وقيل : ( ^ إنكم لفي قول مختلف ) أي : مناقض ، ذكره القفال الشاشي . ومعنى التناقض في هذا : أنهم أقروا بالنشأة الأولى ، وأنكروا النشأة الأخرى ، وهذا تناقض ؛ لأن من قدر على النشأة الأولى فهو على النشأة الأخرى أقدر . < < الذاريات : ( 9 ) يؤفك عنه من . . . . . > >
وقوله : ( ^ يؤفك عنه من أفك ) أي : يصرف عنه من صرف ، وقيل : يصرف عن الإقرار به من صرف عنه في علم الله وحكمه ، ويقال : من صرف عن هذا الخير فقد صرف عن الخير كله ، كما يقال : من حرم عن كذا فقد حرم . وفي التفسير : أن أمر النبي لما انتشر من قبائل العرب جعلوا يبعثون الواحد والاثنين يسألون عن خبره ، فكان المشركون في أيام الموسم يبعثون الناس في الطرقات حتى إذا جاء السائل . [ وسألهم ] عن محمد قالوا : هو مجنون كذاب ، وذكروا أمثال هذا ، [ وكانوا ] يرجعون قبل أن يلقوه ، ويقولون : قومه أعلم به . < < الذاريات : ( 10 ) قتل الخراصون > >
وقوله : ( ^ قتل الخراصون ) أي : لعن الكذابون ، وهذا هو المتفق عليه من أهل التفسير . وعن بعضهم : أنه لا يعرف قتل بمعنى لعن في اللغة ، ومعناه : أن الخراصين قد أتوا بما يستحقون [ به ] القتل ، ولعنة الله إياهم إهلاك لهم ، فهو قتلهم . والخارص هو الذي يقول بالحدس والظن . < < الذاريات : ( 11 ) الذين هم في . . . . . > >
وقوله : ( ^ الذين هم في غمرة ساهون ) قال السدى : في غفلة لاهون ، ويقال : في حيرة وعمى ، وقيل : في شك وجهالة ، كأن الجهل والعمى غمر حالهم ، ومنه الماء الغمر إذا كان يغطي من ينزل فيه . ويقال : ساهون يتمادون يعني : أن الشك والضلالة يتمادى بهم .
____________________

( ^ يسألون أيان يوم الدين ( 12 ) يوم هم على النار يفتنون ( 13 ) ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون ( 14 ) إن المتقين في جنات وعيون ( 15 ) آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا من قبل ذلك محسنين ( 16 ) كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ( 17 ) ) * * * * * * < < الذاريات : ( 12 ) يسألون أيان يوم . . . . . > >
وقوله : ( ^ يسألون أيان يوم الدين ) أي : متى يوم الجزاء ، وكانوا يسألون عن ذلك تعنتا وتكذيبا . < < الذاريات : ( 13 ) يوم هم على . . . . . > >
وقوله : ( ^ يوم هم على النار يفتنون ) أي : يعذبون . قال أبو عبيدة : يحرقون ، وذكره القتيبي وغيره . ويقال : يفتنون أي : يدخلون النار ، ومنه فتنت الذهب ، وقد بينا من قبل . < < الذاريات : ( 14 ) ذوقوا فتنتكم هذا . . . . . > >
وقوله : ( ^ ذوقوا فتنتكم ) أي : عذابكم .
وقوله : ( ^ هذا الذي كنتم به تستعجلون ) ومعنى استعجالهم : أنهم كانوا يقولون متى يوم الدين ، متى يوم الحساب ، متى يوم القيامة ، والمراد من الآية أنه يقال لهم ذلك . < < الذاريات : ( 15 ) إن المتقين في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن المتقين في جنات وعيون ) أي : بساتين وأنهار . < < الذاريات : ( 16 ) آخذين ما آتاهم . . . . . > >
وقوله : ( ^ آخذين ما آتاهم ربهم ) أي : آخذين ما أعطاهم ربهم ، ومعنى الأخذ هو دخولهم الجنة ووصولهم إلى ما وعدوا من الثواب . < < الذاريات : ( 17 ) كانوا قليلا من . . . . . > >
وقوله : ( ^ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ) أي : من قبل أن ينالوا ما نالوا محسنين في الدنيا . ومعنى الإحسان هاهنا هو طاعة الله تعالى ، ثم فسر فقال : ( ^ كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) قل إبراهيم النخعي : كانوا يقومون أكثر الليل . وعن الضحاك أن قوله : ( ^ قليلا ) يقع على الناس ، ومعناه : أن قليلا من الناس كانوا لا يهجعون . وعن سعيد بن جبير أن معناه : قلما مرت عليهم ليلة لم يصلوا فيها . وقال الحسين البصري : مدوا الصلاة إلى السحر ، ثم استغفروا الله . وعن أنس بن مالك معناه : كانوا يصلون بين العشاء والعتمة ، وهذا أثر مسند . ويقال : إنه في أهل قباء كانوا يفعلون ذلك . وعن بعضهم أن معناه : كانوا لا ينامون حتى يصلوا العشاء الآخرة .
____________________

( ^ وبالأسحار هم يستغفرون ( 18 ) وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ( 19 ) وفي ) * * * * * < < الذاريات : ( 18 ) وبالأسحار هم يستغفرون > >
وقوله : ( ^ وبالأسحار هم يستغفرون ) فيه قولان : أحدهما : أنه الاستغفار نفسه ، والآخر أن معناه : الصلاة . وقد كان في قيام الليل من دأب أصحاب رسول الله والتابعين من بعد . روي عن العباس بن عبد المطلب وكان جارا لعمر رضي الله عنهما قال : عجبا لعمر نهاره صيام وحوائج الناس ، وليلة قيام . وعن علي رضي الله عنه أنه كان يصلي أكثر الليل . وعن عثمان أنه كان يحيي الليل بركعة ، وهي وتره . وعن ابن عمر أنه كان لا ينام من الليل إلا القليل . وعن شداد بن أوس أنه كان إذا مال إلى فراشه يكون كالحية على المقلاة ، ثم يقول : إن النار منعتني النوم ، ثم يقوم فيصلي حتى يصبح . وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص معروف ' أنه كان يقوم الليل ويصوم النهار إلى أن سهل عليه رسول الله بعض ذلك ' . < < الذاريات : ( 19 ) وفي أموالهم حق . . . . . > >
وقوله : ( ^ وفي أموالهم حق ) يقال : إنه الزكاة المفروضة ، ويقال : ما سوى الزكاة من الحقوق ، وذلك أن يحمل كلا ، أو يصل رحما ، أو يعطي في نائبة ، أو يعين ضعيفا .
وقوله : ( ^ للسائل ) هو الطواف على الأبواب . ويقال : كل من سأل .
وقوله : ( ^ والمحروم ) فيه أقوال : قال ابن عباس : هو المحارف ، وهو الذي لا يتيسر له كسب ولا معيشة . وعن بعضهم : هو الذي لا سهم له من الغنيمة ، وقد ضعف هذا القول ؛ لأن السورة مكية ، والغنائم كانت بعد الهجرة .
ويقال : المحروم هو الذي لا يسأل الناس ، ولا يفطن له فيعطى .
وعن الحسن بن محمد الحنفية : هو الذي أصابته ( الجائحة ) في ماله ، وهذا قول حسن يشهد له قوله تعالى في سورة ' ن ' ( ^ فلما رأوا قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون ) وكان قد هلك مالهم بالجائحة . ويقال : المحروم هو الكلب ، ذكره النقاش في تفسيره ، ورواه عن محمد بن علي بن الحسين ، وعمر بن عبد العزيز . روي
____________________

( ^ الأرض آيات للموقنين ( 20 ) وفي أنفسكم أفلا تبصرون ( 21 ) وفي السماء رزقكم وما توعدون ( 22 ) فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ( 23 ) هل ) * * * * أن عمر بن عبد العزيز كان يأكل وثم كلب ، فأمر أن يلقى له الطعام ، وقال : إني إخال أنه المحروم . < < الذاريات : ( 20 ) وفي الأرض آيات . . . . . > >
وقوله : ( ^ وفي الأرض آيات للموقنين ) أي : دلالات وعبر . < < الذاريات : ( 21 ) وفي أنفسكم أفلا . . . . . > >
وقوله : ( ^ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) قال عبد الله بن الزبير معناه : سبيل الخلاء والبول . ويقال : ما يدخل في جوفه وما يخرج منه . والأولى أن يقال : هو سائر الآيات التي في النفس مما يدل على أن لها خالقا وصانعا . < < الذاريات : ( 22 ) وفي السماء رزقكم . . . . . > >
وقوله : ( ^ وفي السماء رزقكم ) أي : المطر ، ويقال : إن مع كل قطرة مكتوب رزق فلان .
وقوله : ( ^ وما توعدون ) قال عطاء : الثواب والعقاب . والعقاب .
وقال الكلبي : الخير والشر . والمعروف أنه الجنة ؛ لأنها في السماء عند سدرة المنتهى ، كما قال تعالى : ( ^ عندها جنة المأوى ) وعن سعيد بن جبير قال : ( ^ وفي السماء رزقكم ) الثلج ، وكل ما نزل من السماء فهو مذاب من الثلج .
وعن بعضهم : أنه يحتمل ' وفي لسماء رزقكم ' أي : تقدير رزقكم . < < الذاريات : ( 23 ) فورب السماء والأرض . . . . . > >
وقوله : ( ^ فورب السماء والأرض إنه الحق ) يعنى أن الوعد حق وما ذكرت أن في السماء رزقكم وما توعدون حق . وقال الكلبي : إنه لحق يعني : ما سبق من أول السورة إلى هذا الموضع .
وقوله : ( ^ مثل ما أنكم تنطقون ) روي عن رسول الله أنه قال : ' ويل لقوم يقسم لهم ربهم ثم لا يصدقونه ' رواه الحسن مرسلا . ومعنى قوله : ( ^ مثل ما أنكم تنطقون ) يعني : أنه حق مثل نطقكم ، كما يقول القائل لغيره : إنه لحق كما أنك
____________________

( ^ أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ( 24 ) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون ( 25 ) فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين ( 26 ) ) * * * * * هاهنا ، أو ما كما أنك تتكلم . < < الذاريات : ( 24 ) هل أتاك حديث . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ) قد ذكرنا من قبل ، وإكرامه إياهم هو خدمتهم بنفسه . وقد ثبت برواية أبي شريح الخزاعي وغيره أن النبي قال : ' من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ' .
قال رضي الله عنه : أخبرنا أبو علي الشافعي بمكة ، أخبرنا ابن فراس ، أخبرنا أبو محمد المقرئ ، أخبرنا جدي محمد بن عبد الله بن يزيد ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن نافع بن جبير ، عن [ أبي ] شريح ، عن النبي الحديث .
والكرامة إياهم هو تعجيل الطعام . < < الذاريات : ( 25 ) إذ دخلوا عليه . . . . . > >
وقوله : ( ^ إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما ) وقرئ : ' فقالوا سلما ' فمعنى قوله : ( ^ سلاما ) أي : سلموا سلاما ، ومعنى قوله : ' سلما ' أي : عن سلم .
وقوله : ( ^ قال سلام ) هو جواب سلامهم .
وقوله : ( ^ قوم منكرون ) إنما قال ذلك لأنه أنكر هيئتهم ، ولم يكن رآهم من قبل .
قال الشاعر :
( فأنكرتني وما كان الذي ( نكرت ) من الحوادث إلا الشيب والصلعا )
ويقال : ( ^ قوم منكرون ) أي : يخافون ، يقال : أنكرت فلانا إذا خفته . < < الذاريات : ( 26 ) فراغ إلى أهله . . . . . > >
وقوله : ( ^ فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين ) في القصة : أن أكثر أموال إبراهيم
____________________

( ^ فقربه إليهم قال ألا تأكلون ( 27 ) فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم ( 28 ) فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم ( 29 ) قالوا ) * * * * * كان هو البقر ، وكان يسمى أبا الضيفان ، ويقال : كان يمشي ميلا وميلين في طلب ( الضيف ) ، فكان لا يأكل إلا مع الضيف .
وقوله : ( ^ فراغ ) أي : ذهب خفية . < < الذاريات : ( 27 ) فقربه إليهم قال . . . . . > >
وقوله : ( ^ فقربه إليهم قال ألا تأكلون ) في الآية حذف ، وتقديره : فقربه إليهم فلم يأكلوا قال ألا تأكلون . وفي القصة : أن إبراهيم عليه السلام كان إذا قعد مع الضيف نكس رأسه ، وجعل يأكل ولا ينظر إلى الضيف ، ففعل مثل ذلك مع الملائكة ، وهم أربع : جبريل ، وميكائيل ، وروبيل ، وملك آخر ، فقالت سارة : ارفع رأسك فهم لا يأكلون ، فرفع رأسه وقال : ألا تأكلون . < < الذاريات : ( 28 ) فأوجس منهم خيفة . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فأوجس منهم خيفة ) أي : دخل في نفسه منهم خيفة . وفي التفسير : أن السبب في ذلك أن الرجل كان إذا طرقه ضيف ( فقدم ) إليه شيئا وأكله أمن منه ، وإن لم يأكل خاف شره .
وقوله : ( ^ قالوا لا تخف ) يعني : نحن ملائكة الله فلا تخف .
وقوله : ( ^ وبشروه بغلام عليم ) أجمع المفسرون على أنه إسحاق عليه السلام . < < الذاريات : ( 29 ) فأقبلت امرأته في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فأقبلت امرأته في صرة ) أي : صيحة ، كأنها ولولت مثل ما تفعل النساء ، ويقال : في صرة هو حكاية صوتها في الضحك ، وقد قال في موضع آخر : ( ^ فضحكت ) وهو مثل : صرير الباب ، وخرير الماء ، والقهقهة غير ذلك ، فالقهقهة أخذت من حكاية صوت الضاحك .
وقوله : ( ^ فصكت وجهها ) أي : ضربت وجهها مثل ما تفعل النساء .
وقوله : ( ^ وقالت عجوز عقيم ) وإنما فعلت ذلك ؛ لأنها أنكرت ولادتها غلاما وقد
____________________

( ^ كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم ( 30 ) قال فما خطبكم أيها المرسلون ( 31 ) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ( 32 ) لنرسل عليهم حجارة من طين ( 33 ) مسومة عند ربك للمسرفين ( 34 ) فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ( 35 ) فما وجدنا فيها ) * * * * صارت عجوزا عقيما ، وقد ذكرنا سنها ، أنها كانت بنت تسع وتسعين سنة . < < الذاريات : ( 30 ) قالوا كذلك قال . . . . . > >
وقوله : ( ^ قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم ) أي : الحكيم فيما يدبر ، العليم بأمور خلقه . < < الذاريات : ( 31 ) قال فما خطبكم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قال فما خطبكم أيها المرسلون ) أي : ما شأنكم ؟ ولأي شيء أرسلتم ؟ < < الذاريات : ( 32 ) قالوا إنا أرسلنا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ) أي : كافرين ، وقيل : ذوي جرم . < < الذاريات : ( 33 - 34 ) لنرسل عليهم حجارة . . . . . > >
وقوله : ( ^ لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة ) أي : معلمة ، ويقال : العلامات هي اخواتيم على الأحجار ، وقيل : كان اسم كل من يهلك بذلك الحجر من الكفار مكتوبا على ذلك الحجر . وعن ابن عباس قال : ( ^ مسومة ) أي : حمرة في بياض . ويقال : مخططة .
وقوله : ( ^ عند ربك للمسرفين ) أي : المشركين ، وهم الذين أسرفوا في المعاصي ، وكل مشرك مسرف في المعصية . فإن قيل : ما معنى قوله : ( ^ حجارة من طين ) وكيف تكون الحجارة من طين ؟ والجواب من وجوه : أحدها : أن كان في الأصل طينا فاستحجر بشروق الشمس عليه .
والثاني : أنه كان مطبوخا من طين كما يطبخ الآجر .
والثالث : أن قوله : ( ^ جارة من طين ) ذكر الطين هاهنا لكي يعلم أنه لم يرد به البرد ، والعرب تسمي البرد النازل من السماء حجارة . < < الذاريات : ( 35 - 36 ) فأخرجنا من كان . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) فيه دليل لمن قال : إن الإسلام والإيمان واحد ، وقد بينا من قبل . وعن
____________________

( ^ غير بيت من المسلمين ( 36 ) وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم ( 37 ) وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين ( 38 ) ) * * * * * قتادة أنه قال : لو كان في قريات لوط بيت من المسلمين غير بيت لوط لم يهلكهم الله تعالى ؛ ليعرف قدر الإيمان عند الله تعالى . واختلف القول أنه هل كان آمن بلوط عليه السلام أحد . فأحد القولين : أنه كان آمن به بضع [ عشرة ] نفسا .
والقول الثاني : أنه لم يكن آمن به أحد إلا ابنتاه . < < الذاريات : ( 37 ) وتركنا فيها آية . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم ) أي : عبرة ، والعبرة في قريات لوط بينة لمن مر بها ، فإنها أرض سوداء ( مبيئة ) . ويقال : معنى الآية المذكورة في قريات لوط هو ما بقي من الحجارة فيها .
وفي القصة عن ابن عباس : أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت الأرض السابعة ، واقتلع مدائن قوم لوط من أصلها ، ورفعها حتى بلغ بها السماء الدنيا ، وحتى تسمع أهل السماء الدنيا نباح الكلاب وصوت الديكة منها ، ثم قلبها وأرسل الله تعالى حجارة على ما بينا ، ويقال : أرسل الحجارة على الشذاذ والمسافرين منهم حتى أهلكهم كلهم .
وفي القصة أيضا : أن إبراهيم عليه السلام أصبح جالسا في مسجده بعد أن ذهبت الملائكة مكثوا عند إبراهيم عليه السلام حتى قالوا قيلولة ، ثم راحوا إلى مدائن لوط ، وكان بين قرية إبراهيم ومدائن لوط أربعة فراسخ فلما اصبح إبراهيم رأى دخانا ساطعا في السماء من مدائن لوط ، فعرف أنهم قد عذبوا . < < الذاريات : ( 38 ) وفي موسى إذ . . . . . > >
قوله : ( ^ وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين ) أي : وفي إرسال موسى آية وعبرة .
وقوله : ( ^ بسلطان مبين ) أي : بحجة بينة .
____________________

( ^ فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون ( 39 ) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم ( 40 ) وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ( 41 ) ) * * * * * < < الذاريات : ( 39 ) فتولى بركنه وقال . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فتولى بركنه ) قال ابن عباس : بجمعه وجنوده . وعن قتادة : بقوته في نفسه . وعن بعضهم : برهطه الذين يتقوى بهم . وركن الشيء ما يتقوى به الشيء ، ومنه قوله تعالى مخبرا عن لوط عليه السلام ( ^ أو آوى إلى ركن شديد ) أي : إلى رهط وقوم أتقوى بهم ، وكذلك هاهنا أيضا معناه : أعرض معتمدا على رهطه وقومه الذين يتقوى بهم ، وقيل : تولى بركنه أي : نأى بجانبه .
وقوله : ( ^ وقال ساحر أو مجنون ) قال أهل العلم : هذا تناقض ؛ لأن السحر لا يكون إلا بعقل كامل ، والمجنون هو الذي لا عقل له . < < الذاريات : ( 40 ) فأخذناه وجنوده فنبذناهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فأخذناهم وجنوده فنبذناهم في اليم ) أي : ( طرحناهم ) وألقيناهم في البحر .
وقوله : ( ^ وهو مليم ) يقال : ألام الرجل فهو مليم ، إذ أتى بما يلام عليه . < < الذاريات : ( 41 ) وفي عاد إذ . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ) الريح العقيم هي الريح التي لا خير فيها أصلا ، كأنها لا تلقح شجرا ، ولا تثير سحابا ، ولا تأتي بمطر . وفي بعض التفاسير : أن الريح العقيم ريح محبوسة تحت الأرض السابعة أرسل منها على مقدار منخر ثور ، حتى أهلكت عاد ودمرتهم ، ثم ردها إلى موضع حبسها . وقد ثبت عن النبي أنه قال : ' نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ' .
وعن سعيد بن المسيب والزهري : أنهم أهلكوا بالجنوب ، فقيل لسعيد : إن الجنوب تأتي بالرحمة ، فقال : إن الله يصرفها كيف يشاء .
وعن علي رضي الله عنه أنه قال : الريح العقيم هي النكباء .
____________________

( ^ ما تذر من شيء أنت عليه إلا جعلته كالرميم ( 42 ) وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين ( 43 ) فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون ( 4 ) فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين ( 45 ) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين ( 46 ) ) * * * * < < الذاريات : ( 42 ) ما تذر من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ما تذر من شيء أنت عليه إلا جعلته كالرميم ) قال السدى : كالتراب . وعن مؤرج قال : كالرماد بلغه حضرموت . ويقال : كالعظم البالي المنسجق ومنه الرمة . ويقال كالنبت الذي يبس وديس بالرجل . < < الذاريات : ( 43 ) وفي ثمود إذ . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وفي ثمود إذ قيل لهم تمتوا حتى حين ) أي : إلى ثلاثة أيام ، وقد بينا هذا من قبل . < < الذاريات : ( 44 ) فعتوا عن أمر . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فعنتوا عن أمر ربهم ) أي : عصوا ، ويقال : خالفوا أمر ربهم .
وقوله : ( ^ فأخذتهم الصاعقة ) وقرئ : ' الصعقة ' وهما بمعنى واحد ، ويقال : الصعقة الصيحة ، والصاعقة فاعلة من الصعقة .
وقوله : ( ^ وهم ينظرون ) أي : نهارا جهارا ، وهم يرون نزول العذاب ، ومعناه : أنه لم يكن بليل وهم نيام ولم يشعروا به . < < الذاريات : ( 45 ) فما استطاعوا من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فما استطاعوا من قيام ) أي : وقعوا وقوعا لم يستطيعوا بعده القيام . ويقال : لم يستطيعوا أن يدفعوا عن أنفسهم العذاب أي : أن يقوموا بالدفع . يقول الرجل : أنا لا أستطيع أن أقوم بهذا الأمر أي : لا أستطيع دفع هذا الأمر عن نفسي .
وقوله : ( ^ وما كانوا منتصرين ) أي : ممتنعين من نزول العذاب بهم . < < الذاريات : ( 46 ) وقوم نوح من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين ) أي : خارجين عن طاعة الله تعالى .
وقوله : ( ^ من قبل ) أي : من قبل عاد وثمود ، أهلكناهم كما أهلكنا عادا وثمود . < < الذاريات : ( 47 ) والسماء بنيناها بأيد . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ والسماء بنيناها بأيد ) أي : بقوة وقدرة .
____________________

( ^ والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون ( 47 ) والأرض فرشناها فنعم الماهدون ( 48 ) ومن كل شيء خلقنا زوجين ) * * * * *
وقوله : ( ^ وإنا لموسعون ) قال مجاهد : معناه يسع قدرتنا أن تخلق سماء مثلها ، ويقال : ( ^ وإنا لموسعون ) أي : في وسعنا خلق ما هو أحكم وأرفع من هذه السماء التي ترونها ، وحقيقة المعنى : أن هذا الذي خلقنا ليس هو جهد قدرتنا ، فإن في وسعنا أن نخلق أمثال هذا وأضعافه . ويقال : وإنا لموسعون أي : في رزق العباد . ويقال : في تدبير أمر العباد . < < الذاريات : ( 48 ) والأرض فرشناها فنعم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ والأرض فرشناها ) أي : بسطناها . وفي تفسير النقاش : أنها مسيرة خمسمائة عام .
وقوله : ( ^ فنغم الماهدون ) أي : الباسطون ، والمعنى : أنا بسطنا الأرض على الهيئة التي يستقر عليها العباد ، ولا تنكفئ بهم على ما يبسط الإنسان فرشا يمهد به لغيره موضع استقرار وسكون . < < الذاريات : ( 49 ) ومن كل شيء . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ومن كل شيء خلقنا زوجين ) أي : صنفين . ويقال : معناه زوجين زوجين ، وذلك مثل : السماء والأرض ، والليل والنهار ، والنور والظلمة ، والذكر والأنثى ، والبر والبحر ، وعن مجاهد قال : الكفر والإيمان ، والشقاوة والسعادة ، والهدى والضلالة . وعن الكلبي قال : السماء والأرض زوج ، والليل والنهار زوج ، والشمس والقمر زوج ، وعد به أشياء من ذلك ، ثم قال : والله هو الوتر . وروى حذيفة عن النبي أنه قال : ' إن الله خالق كل شيء ، صانع وصنعته ' .
وفي بعض الأخبار أيضا عن النبي مخبرا عن الله تعالى : ' لا إله إلا أنا ،
____________________

( ^ لعلكم تذكرون ( 49 ) ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ( 50 ) ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين ( 51 ) كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ( 52 ) ) * * * * خلقت الشر ، وخلقت من يجري على يده الشر ، فويل لمن خلقته للشر وأجريت الشر على يده ، وخلقت الخير ، وخلقت من يجري الخير على يده ، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يده ' وذكر النقاش في تفسيره برواية سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي أنه قال : ' إن الله خلق الإيمان وحفه بالسماحة والحياء ، وخلق الكفر وحفه بالشح والجفاء ' .
وفي بعض الأخبار أيضا : أن الله خلق الرفق فلو رأيته رأيت شيئا حسنا ، وخلق الخرق فلو رأيته رأيت شيئا قبيحا .
وقوله : ( ^ لعلكم تذكرون ) أي : تتعظون . < < الذاريات : ( 50 ) ففروا إلى الله . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ففروا إلى الله ) أي : من معصيته إلى طاعته ، ويقال : من سخطه إلى رحمته ، ومن عقابه إلى عفوه .
وقوله : ( ^ إني لكم منه نذير مبين ) قد بينا من قبل . < < الذاريات : ( 51 ) ولا تجعلوا مع . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين ) الآية . قد بينا . < < الذاريات : ( 52 ) كذلك ما أتى . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ) ظاهر المعنى ، وهذا تسلية للنبي أي : كما قيل لك فقد قيل لمن قبلك من الرسل .
____________________

( ^ أتواصوا به بل هم قوم طاغون ( 53 ) فتول عنهم فما أنت بملوم ( 54 ) وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ( 55 ) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( 56 ) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ( 57 ) ) * * * * * < < الذاريات : ( 53 ) أتواصوا به بل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أتواصوا به ) أي : أوصى بعضهم بعضا بهذا القول ، ويقال : أوصى الأول الأخير بالتكذيب .
قوله : ( ^ بل هم قوم طاغون ) أي : عاصون يبالغون في العصيان . < < الذاريات : ( 54 ) فتول عنهم فما . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فتول عنهم فما أنت بملوم ) في بعض الآثار عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه لما نزلت هذه الآية حزن أصحاب رسول الله حزنا شديدا ، وظنوا أنه لا ينزل الوحي بعد ذلك حيث أمر النبي بالإعراض والتولي ، وعذر بقوله : ( ^ فما أنت بملوم ) < < الذاريات : ( 55 ) وذكر فإن الذكرى . . . . . > > فأنزل الله تعالى : ( ^ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) ففرحوا ، وقيل : إن هذه الآية قبل نزول آية السيف ، ثم نسخت بآية السيف . < < الذاريات : ( 56 ) وما خلقت الجن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) في قراءة أبي بن كعب ' وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون ' وهو تفسير القراءة المعروفة .
قال الضحاك : الآية عامة أريد بها الخاص ، وهم المؤمنون ، وهذا القول اختيار الفراء والقتيبي وغيرهما .
والقول الثاني : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أي : لآمرهم بالعبادة . وقال مجاهد : لآمرهم وأنهاهم ، وحكى بعضهم هذا عن علي .
والقول الثالث : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أي : لينقادوا ويخضعوا لي ، وانقيادهم وخضوعهم هو استمرارهم على مشيئته وحكمه ، وهو معنى خضوع السموات والأرضين وطواعيتها وانقيادها ، والمختار هو القول الأول . < < الذاريات : ( 57 ) ما أريد منهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ما أريد منهم من رزق ) أي : أن يرزقوا عبادي ، ويقال : أن يرزقوا أنفسهم .
( ^ وما أريد أن يطعمون ) هو على المعنيين الأولين ، أي : يطعموا عبادي ، أو يطعموا أنفسهم ، فإذا قلت في الأول هو رزق أنفسهم فمعنى هذا إطعام العباد ، وإذا
____________________

( ^ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ( 58 ) فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون ( 59 ) فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون ( 60 ) ) * * * * * * قلت في الأول رزق العباد فمعنى هذا إطعامهم أنفسهم ، وإنما قال : ( ^ يطعمون ) لأن الخلق عباد الله ، فإذا أطعمهم ( فكأنه ) أطعم الله على المجاز .
وقد ثبت عن النبي أنه قال حاكيا عن الله تعالى فيما يقول لعبده يوم القيامة : ' استطعمتك فلم تطعمني ، فيقول : يا رب ، وكيف أطعمك ، وأنت رب العالمين ؟ فيقول : استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ولو أطعمته لوجدته عندي . . . الخبر إلى آخره ' . < < الذاريات : ( 58 ) إن الله هو . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) ، الرزاق بمعنى الرازق ، ويقال : يقتضي مبالغة وتكثيرا .
وقوله : ( ^ ذو القوة المتين ) أي : القوة البالغة . < < الذاريات : ( 59 ) فإن للذين ظلموا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم ) أي : نصيب من العذاب مثل نصيب أصحابهم ، أي : أمثالهم من المشركين الذين تقدموا ، فجعلهم أصحابهم لما اجتمعوا في الكفر ، وإن تفرقت بهم القرون . والذنوب في اللغة : هو الدلو لعظيم ، ومنه أخذ النصيب .
وقوله : ( ^ فلا يستعجلون ) أي : العذاب نازل بهم فلا ينبغي أن يستعجلوا ، وقد تقدم ذكر استعجالهم فيما سبق . < < الذاريات : ( 60 ) فويل للذين كفروا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون ) قد بينا معنى الويل . وقوله : ( ^ من يومهم الذي الذي يوعدون ) هو يوم القيامة ، وهو اليوم الموعود المنتظر لجزاء العباد ، ونسأل الله حسن العاقبة بفضله ومنه ( آمين ) .
____________________

<
> بسم الله الرحمن الرحيم <
> ( ^ والطور ( 1 ) وكتاب مسطور ( 2 ) ) * * * * * * <
> تفسير سورة الطور <
>
وهي مكية . وقد ثبت برواية جبير بن مطعم أنه قال : ' سمعت النبي يقرأ في المغرب سورة الطور ' . < < الطور : ( 1 ) والطور > >
قوله تعالى : ( ^ والطور ) قال مجاهد : هو بالسريانية اسم للجبل . والأصح أنه اسم الجبل بالعربية . وحكي عن ابن عباس أنه قال : كل جبل ينبت فهو طور ، وكل ما لا ينبت فليس بطور . وقال كعب الأحبار وغيره : هو الطور الذي كلم الله عليه موسى . وقد روي هذا القول عن قتادة وعكرمة . وعن نوف البكالي : أن الله تعالى أوحى إلى الجبال أني منزل على جبل منكن ، فشمخت الجبال بأنفسها ، وتواضع الطور وقال : أنا راض بما قسم الله لي ، وكان عليه الأمر . < < الطور : ( 2 ) وكتاب مسطور > >
وقوله : ( ^ وكتاب مسطور ) فيه أقوال : أنه القرآن ، وهو مروي عن الحسن البصري . والآخر : أنه التوراة كتبها الله تعالى في الألواح . والثالث أنه الكتاب الذي أثبت الله فيه أعمال بني آدم ، ويخرج يوم القيامة وفيكون صحائف ، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله ، وآخذ وراء ظهره ، وهذا قول معروف ذكره الفراء وغيره .
ويقال : إن المراد منه الصحف التي تقرأ منها الملائكة في السماء القرآن على ما قال تعالى : ( ^ في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة ) ويقال : إنه اللوح المحفوظ قد كتب فيه ما هو كائن إلى يوم القيامة .
____________________

( ^ في رق منشور ( 3 ) والبيت المعمور ( 4 ) * * * * * < < الطور : ( 3 ) في رق منشور > >
وقوله : ( ^ في رق منشور ) والرق : هو الأديم الذي يكتب فيه الشيء .
وقوله : ( ^ منشور ) أي : مبسوط ، وهذا يؤيد القول الذي قلنا إن الكتاب هو صحائف الأعمال في الآخرة ، لأن الله تعالى قد قال في موضع آخر : ( ^ وإذا الصحف نشرت ) والمراد منه صحائف الأعمال في الآخرة . < < الطور : ( 4 ) والبيت المعمور > >
قوله تعالى : ( ^ والبيت المعمور ) قال بعضهم : هو الكعبة ، وعمارته بالحج والطواف . والقول المعروف أنه بيت في السماء ، قاله ابن عباس وعامة المفسرين وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أيضا .
واختلفوا في موضعه ، فروى أنس بن مالك بن صعصعة عن النبي في قصة المعراج أنه قال : ' رفع لي البيت المعمور في السماء السابعة ' .
وعن علي رضي الله عنه أنه في السماء السادسة . وعن الربيع بن أنس وغيره أنه في السماء الدنيا بحيال الكعبة لو سقط سقط عليه .
وفي القصة : أن البيت المعمور [ أنزله ] الله تعالى من السماء لآدم ، ووضعه مكان الكعبة فلما كان زمان نوح رفعه الله تعالى إلى السماء الدنيا فهو موضع حج الملائكة وحرمته كحرمة الكعبة في الأرض .
قال علي وغيره : اسمه الضراح يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدا وقد أسند هذا اللفظ إلى الرسول .
وعن بعضهم أنه في السماء الرابعة . وفي بعض المسانيد ' أن الله تعالى خلق نهرا
____________________

( ^ والسقف المرفوع ( 5 ) والبحر المسجور ( 6 ) ) * * * * * * * تحت العرش يسمى نهر الحيوان فيدخله جبريل عليه السلام كل يوم حين تطلع الشمس ثم يخرج ، وينتفض انتفاضة فيقطر منه سبعون ألف قطرة يخلق الله تعالى من كل قطرة منها ملكا فهم العباد في البيت المعمور ' . وهذا خبر غريب . < < الطور : ( 5 ) والسقف المرفوع > >
قوله تعالى : ( ^ والسقف المرفوع ) فيه قولان : أحدهما : أنه السماء ، والآخر : أنه العرش . < < الطور : ( 6 ) والبحر المسجور > >
وقوله : ( ^ والبحر المسجور ) أشهر الأقاويل فيه أنه الممتلئ . وعن ربيع بن أنس في قوله تعالى : ( ^ وكان عرشه على الماء ) قال : إن الله تعالى جعل ذلك الماء نصفين حين خلق السموات والأرض ، فجعل نصفا منه تحت الأرض السابعة ونصفا منه تحت العرش ، فإذا كان بين النفختين ينزل الله منه قطرا على الأرض ، فينبت به الأجساد في القبور .
والقول الثاني في الآية : أن البحر المسجور هو المفجور على ما قال الله تعالى في موضع آخر : ( ^ وإذا البحار فجرت ) وتفجيرها هو بسطها وإرسالها على الأرض . وقد روي عن ابن عباس أنه قال : البحر المسجور هو المرسل ، وذلك لمعنى ما بينا .
والقول الثالث : أن البحر المسجور هو الموقد نارا ، من قولهم : سجرت التنور . وعن علي رضي الله عنه أنه قال لكعب الأحبار : أين جهنم ؟ قال : هو البحر ، فقال : ما أراك إلا صادقا ، وقرأ قوله تعالى : ( ^ وإذا البحار سجرت )
والقول الرابع : أن البحر المسجور هو البحر الذي يبس ماؤه وذهب ، كأن بحار الأرض تفرغ عن الماء يوم القيامة . وعبر بعضهم عن هذا البحر المسجور بالفارغ .
____________________

( ^ إن عذاب ربك لواقع ( 7 ) ما له من دافع ( 8 ) يوم تمور السماء مورا ( 9 ) وتسير الجبال سيرا ( 10 ) فويل يومئذ للمكذبين ( 11 ) الذين هم في خوض يلعبون ( 12 ) * * * * * * * * < < الطور : ( 7 ) إن عذاب ربك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن عذاب ربك لواقع ) على هذا وقع القسم ، وإلى هذا الموضع كان قسما على التقدير الذي قلناه في السورة المتقدمة .
وقوله : ( ^ واقع ) أي : كائن . < < الطور : ( 8 ) ما له من . . . . . > >
وقوله : ( ^ ما له من دافع ) أي : ماله دافع من الكفار . وعن جبير بن مطعم : ' أنه أتى المدينة ليفدي بعض أسارى بدر ، فسمع النبي يقرأ في الصلاة سورة الطور ، فلما سمع قوله : ( ^ إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع ) غشية وجل وخوف ، وكان ذلك سبب إسلامه ' . < < الطور : ( 9 ) يوم تمور السماء . . . . . > >
قوله : ( ^ يوم تمور السماء مورا ) أي : تدور ، ويقال : تجيء وتذهب والمراد سيرها ويقال تكفأ بأهلها . < < الطور : ( 10 ) وتسير الجبال سيرا > >
وقوله ( ^ وتسير الجبال سيراً ) أى تجىء وتذهب على وجه الأرض ، ويقال : سيرها سير السحاب بين السماء والأرض على ما قال تعالى : ( ^ وهي تمر مر السحاب ) . < < الطور : ( 11 - 12 ) فويل يومئذ للمكذبين > >
وقوله : ( ^ فويل يومئذ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون ) أي : في باطل لاهون ، ويقال : يخوضون في أمر النبي بالتكذيب ، ويلعبون بما هو [ الجد ] . وعن بعضهم : أنه رؤي في المنام ، فقيل له : كيف الأمر ؟ فقال : الأمر جد فأياك أن تخلطه بالهزل . وقيل : إن الله تعالى جعل كل ما فيه الكفار لعبا . < < الطور : ( 13 ) يوم يدعون إلى . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ) أي : يدفعون في نار جهنم .
وقوله : ( ^ دعا ) أي : دفعا . والدع في اللغة : هو الدفع بشدة وعنف .
____________________

( ^ يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ( 13 ) هذه النار التي كنتم بها تكذبون ( 14 ) أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ( 15 ) اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ) * * * * * * < < الطور : ( 14 ) هذه النار التي . . . . . > >
وقوله : ( ^ هذه النار التي كنتم بها تكذبون ) يقال لهم هذا على طريق التوبيخ والتقريع . < < الطور : ( 15 ) أفسحر هذا أم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أفسحر هذا ) في التفسير : أنهم لما كانوا يرون الآيات في الدنيا ودلائل نبوة الرسول فيقولون : إنها سحر ونحن لا نبصر ما يقول أي : لا نعلم فإذا كان يوم القيامة وعاينوا العذاب يقال لهم : أفسحر هذا كما تزعمون في الدنيا لما رأيتم من الآيات أم أنتم لا تبصرون ، أي : هل أنتم لا تبصرون كما لم تبصروا في الدنيا على زعمكم ؟ .
والقول الثاني في قوله : ( ^ أم أنتم لا تبصرون ) أي : معناه بل كنتم لا تبصرون ، أي : لا تعلمون ، وهذا قول معروف . < < الطور : ( 16 ) اصلوها فاصبروا أو . . . . . > >
وقوله : ( ^ اصلوها ) أي : ادخلوها . ويقال : قاسوا حرها .
وقوله : ( ^ فاصبروا أو لا تصبروا ) هو مثل قوله تعالى : ( ^ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ) والمعنى : أنكم سواء صبرتم أو جزعتم ، فالعذاب واقع بكم ولا يخفف عنكم . وفي بعض الآثار : أن أهل النار يجزعون مدة مديدة ، وينادون على أنفسهم بالويل والثبور ثم يقولون : تعالوا نصبر ، فيصبرون أيضا مدة مديدة فلا ينفعهم واحد من الأمرين ، وهو معنى قوله تعالى : ( ^ سواء عليكم ) أي : مستو [ كلتا ] الحالتين ، والعذاب مستمر بكم فيهما .
وقوله : ( ^ إنما تجزون ما كنتم تعملون ) يعني : أن هذا عملكم بأنفسكم . < < الطور : ( 17 ) إن المتقين في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن المتقين في جنات ونعيم ) أي : بساتين ونعمة .
____________________

( ^ ما كنتم تعملون ( 16 ) إن المتقين في جنات ونعيم ( 17 ) فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم ( 18 ) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون ( 19 ) ) * * * * * * < < الطور : ( 18 ) فاكهين بما آتاهم . . . . . > >
وقوله : ( ^ فاكهين ) قال ابن عرفة وهو نفطويه النحوي فاكهين : ناعمين . ويقال : فاكهين ذوي فاكهة . يقال : فلان لابن أي : ذو لبن : وتامر أي : ذو تمر . وقرئ : ( ^ فكهين ) أي : معجبين مسرورين بحالهم .
وقوله : ( ^ بما آتاهم ربهم ) أي : أعطاهم ربهم .
وقوله : ( ^ ووقاهم ربهم عذاب الجحيم ) أي : عذاب النار ، والجحيم : معظم النار . < < الطور : ( 19 ) كلوا واشربوا هنيئا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ كلوا واشربوا هنيئا ) أي : تهنئون هنيئا .
وقوله : ( ^ بما كنتم تعملون ) أي : تعملون من الطاعات . < < الطور : ( 20 ) متكئين على سرر . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ متكئين على سرر ) هو جمع سرير .
وقوله : ( ^ مصفوفة ) أي مضموم بعضها إلى بعض . ويقال : مصطفة .
وفي التفسير : أن ارتفاع السرير يكون كذا كذا ميلا ، فإذا أراد المؤمن أن يصعده تطامن حتى يرتفع عليه المؤمن ، ثم يعود إلى ما كان .
وقوله : ( ^ وزوجناهم ) أي : قرناهم ، قاله الفراء والزجاج وغيرهما من أهل المعاني . قالوا : وليس المراد منه التزويج المعروف الذي يكون في الدنيا ، فإن عقد التزويج من عقود الدنيا ليس من عقود الآخرة .
وقوله : ( ^ بحور عين ) الحور : البيض ، ومنه الحواري ، ومنه الحواريون ، لأصحاب عيسى ، وهم القصارون الذين يبيضون الثياب . والعرب تسمى نساء الأمصار حواريات لبياضهن .
وقال بعضهم :
( فقال للحواريات يبكين غيرنا ** ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح )
وقوله : ( ^ عين ) أي : حسان العين . ويقال : سميت الواحدة منهن حوراء ؛ لشدة
____________________

( ^ متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين ( 20 ) والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ) * * * * * * بياضها ، وسواد ( حدقتيها ) . < < الطور : ( 21 ) والذين آمنوا واتبعتهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم ) وقرئ : ' واتبعتهم ذريتهم ' وفي الخبر موقوفا على ابن عباس ومرفوعا إلى رسول الله : ' أن الله تعالى يرفع ذرية المؤمن إلى درجته ، وإن لم يبلغها عملهم ؛ لتقر عينهم بهم ' وعن بعضهم أن هذا في الآباء مع الأولاد ، والأولاد مع الآباء جميعا ، كأن الله تعالى يبلغ الوالد درجة الولد إذا كان أرفع منه في الدرجة ، ويبلغ الولد درجة الوالد إذا كان أرفع منه في الدرجة . وقد ورد في بعض الكتب : أن هذا يكون أيضا للأخ مع أخيه في الإيمان يقول الأخ : يا رب ، ارفعه إلى درجتي ، فيقول : إنه لم يعمل مثل عملك ، فيقول : إني عملت لنفسي وله .
وفي بعض الأخبار عن النبي ' أن أولاد المؤمنين يكونون مع آبائهم في الجنة وأولاد الكفار مع آبائهم في النار . '
____________________

( ! ( بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ) ! وفي بعض الأخبار : ' أن أولاد المشركين يكونون خدم أهل الجنة ' . وقد ثبت برواية عائشة رضي الله عنها : أنه مات صبي من الأنصار ، فقالت عائشة : طوبى له عصفور من عصافير الجنة ، فقال عليه الصلاة والسلام : ' يا عائشة أو غير ذلك ؟ إن الله تعالى خلق النار وخلق لها أهلا ، وخلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق الجنة وخلق لها أهلا ، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ' . قال الشيخ الإمام رضي الله عنه : أخبرنا بذلك أبو علي الشافعي رحمه الله بمكة ، أخبرنا أبو الحسن بن فراس أخبرنا أبو محمد المقرىء أخبرنا جدي عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عائشة بنت طلحة ، عن عائشة أم المؤمنين ، عن النبي . . . والخبر في صحيح مسلم .
وقد قال أهل العلم : إن الأصح في ذرارى المؤمنين أنهم في الجنة ، ويحتمل أن النبي إنما قال ذلك على ما كان عرفه في الأصل ، ثم إن الله تعالى أخبره أن ذرارى المسلمين في الجنة بهذه الآية وغيرها ، وأنما ذرارى الكفار : فالأصح أن الأمر فيهم على التوقف على ما روى عن النبي ' أنه سئل عن أطفال المشركين فقال : الله أعلم بما كانوا عاملين ' .
وقوله : ( ^ بإيمان ) أي : بإيمانهم ، إما بإيمانهم بأنفسهم ، أو بثبوت الإيمان لهم
____________________

( ^ وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين ( 21 ) وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون ( 22 ) يتنازعون فيها كأسا ) بإيمان الآباء .
( ^ ألحقنا بهم ذريتهم ) أي : في الدرجة على ما قلنا .
وقوله : ( ^ وما ألتناهم من عملهم من شيء ) أي : ما نقصناهم من عملهم من شيء . وقرأ ابن كثير : ' وما ألتناهم ' بكسر اللام ، والأول هو الأولى . وقرأ ابن مسعود : ' وما لتناهم ' والكل بمعنى واحد .
قال الشاعر :
( أبلغ بنى ثقل عني مغلغلة ** جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا )
قوله تعالى : ( ^ كل امرئ بما كسب رهين ) هذا في المشركين ، ومعناه : أن الكفار محبوسون في النار بعملهم ، وأما المؤمن فهو غير محبوس ولا مرتهن ، فإن ارتهن بعمله فلا بد أن يدخل النار . وفي الخبر المعروف أنه عليه الصلاة والسلام قال : ' لن ينجي أحدا منكم عمله ، قيل : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل له ' . < < الطور : ( 22 ) وأمددناهم بفاكهة ولحم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وأمددناهم بفاكهة ) هذا رجوع إلى صفة أهل الجنة .
وقوله : ( ^ ولحم طير مما يشتهون ) ظاهر المعنى . < < الطور : ( 23 ) يتنازعون فيها كأسا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يتنازعون فيها كأسا ) أي : يتعاطون ، والمعنى : بعضهم يعطي بعضا على ما يفعل الشراب في الدنيا .
قال امرؤ القيس :
( فلما تنازعنا الحديث وأسمحت ** هصرت بغصن ذي شماريخ ميال )
____________________

( ^ لا لغو فيها ولا تأثيم ) ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ منكون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا في أهلنا مشفقين
وقوله ( ^ لا لغو فيها ولا تأثيم ) أي : لا يجري بينهم كلام باطل ، ولا كلام يأثم به قائله ، على ما يكون بين الشراب في الدنيا . قال القتيبي : معناه : لا يسكرون فيكون منهم كلام لغو أو كلام يأثمون به . < < الطور : ( 24 ) ويطوف عليهم غلمان . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون ) أي : مصون مستور من الشمس والريح ، ومن كل ما يذهب صفاءه وبهاءه ويغيره . < < الطور : ( 25 ) وأقبل بعضهم على . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) في الآية دليل على أن أهل الجنة يجتمعون ، ويذكرون أحوال الدنيا ، ويسأل بعضهم بعضاً عن ذلك . < < الطور : ( 26 ) قالوا إنا كنا . . . . . > >
وقوله : ( ^ قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ) أي : وجلين خائفين ، فيقال : إن خوفهم ووجلهم هو من يوم القيامة . ويقال : إن خوفهم ووجلهم من أن لا تقبل منهم أعمالهم ، وهو في معنى قوله تعالى : ( ^ إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ) قالت عائشة : عملوا ما عملوا من الطاعات ، وخافوا أن لا تقبل منهم . ويقال : إن المؤمن في بيته وجل ؛ لأنه يحتاج إلى معاشرة أهله وولده ، ولا بد له مع ذلك أن يتقي الله تعالى ، ولا يقول ولا يفعل ما لا يرضاه الله ، وهذا هو أشد شيء على المؤمنين أن يكونوا على حذر من ربهم وعلى طلب رضاه منهم فيما بين أمورهم مع الخلق . < < الطور : ( 27 ) فمن الله علينا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فمن الله علينا ) أي : أنعم الله علينا .
وقوله : ( ^ ووقانا عذاب السموم ) أي : عذاب جهنم ، فيقال : إن السموم اسم من أسماء جهنم . ويقال : عذاب السموم أي : عذاب سموم جهنم . < < الطور : ( 28 ) إنا كنا من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إنا كنا من قبل ندعوه ) أي : نوحده ونعبده ، والدعاء هاهنا بمعنى
____________________

( ^ فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ( 27 ) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم ( 28 ) فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون ( 29 ) أم يقولون شاعر نتربص ) * * * * * * * * التوحيد ، وعليه أكثر المفسرين . ويقال : إنه الدعاء المعروف .
قوله : ( ^ إنه هو البر الرحيم ) قرئ بفتح الألف وكسرها ، فمن قرأ بالكسر فهو على الابتداء والاستئناف ، ومن قرأ بالفتح فمعناه : إنا كنا من قبل ندعوه بأنه هو البر الرحيم أي : لأنه . والبر : هو البار اللطيف بعباده ، ولطفه بعباده هو إنعامه عليهم مع عظم جرمهم وذنبهم . والرحيم : هو العطوف على ما ذكرنا . وعن بعضهم : أن البر الذي يصدق وعده لأوليائه .
وعن ابن عياس في عذاب السموم قال : السموم هو الطبق السابع من النار ، وهو الطبق الأعلى . والسموم يكون بالحر ويكون بالبرد .
قال الشاعر :
( اليوم يوم بارد سمومه ** من يجزع اليوم فلا ألومه )
ويقال ' السموم وهج النار . < < الطور : ( 29 ) فذكر فما أنت . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون ) قوله : ( ^ فذكر ) أي : فعظ ، ويقال : ذكر عقاب الكافرين ، ونعيم المؤمنين .
وقوله : ( ^ بكاهن ولا مجنون ) الكاهن هو الذي يخبر عن الغيب كذبا . يقال : تكهن كهانة إذا فعل ذلك . والمجنون : هو الذي زال عقله واختلط . < < الطور : ( 30 ) أم يقولون شاعر . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم يقولون شاعر ) يقال : إن ' أم ' هاهنا بمعنى الاستفهام يعني : أتقولون شاعر . ويقال : المعنى : بل . قال النحاس : ' أو ' في اللغة للخروج من حديث إلى حديث .
وقوله : ( ^ شاعر نتربص به ريب المنون ) معناه : حوادث الدهر .
وقال الخليل : المنون هو الموت ، ذكره ابن السكيت أيضا . وقيل : هو صرف الدهر ،
____________________

( ^ به ريب المنون ( 30 ) قل تربصوا فإني معكم من المتربصين ( 31 ) أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون ( 32 ) أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون ( 33 ) فليأتوا بحديث ) * * * * * * * * * * * * *
وقال الشاعر : أمن المنون وريبها نتوجع ** والموت ليس بمعتب من يجزع )
والمنون يؤنث ويذكر ، فمن ذكر فعلى اللفظ ، ومن أنث فهو على أنه بمعنى المنية . ويقال : ( ريب ) المنون الدهر ، مكاره الدهر ، فقال : رابني كذا أي : أصابني منه ما أكره . وفي التفسير : أن هذا القول قاله أبو جهل وعقبة بن أبي معيط وشيبة بن ربيعة والنضر بن الحارث وغيرهم . قالوا : هو شاعر ننتظر به حوادث الدهر ، وتتخلص منه بها كما تخلصنا من فلان وفلان . < < الطور : ( 31 ) قل تربصوا فإني . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قل تربصوا ) أي : انتظروا .
( ^ فإني معكم من المتربصين ) أي : المنتظرين ، وانتظاره كان [ إما ] أن يظفر بهم أو يسلموا . < < الطور : ( 32 ) أم تأمرهم أحلامهم . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ أم تأمرهم أحلامهم بهذا ) أي : عقولهم ، وكانوا يدعون أنهم ذوو عقول وأحلام . والعقل : هو الداعي إلى الحلم فسماه باسمه . ويقال : إن المعنى من هذا هو تسفيههم وتجهيلهم أي : ليس لهم حلم ولا عقل حيث قالوا مثل هذا القول ، وحيث نسبوا إلى الشعر والجنون من دعاهم إلى التوحيد وأتاهم بالبراهين .
وقوله : ( ^ أم هم قوم طاغون ) أي : بل هم قوم طاغون . < < الطور : ( 33 ) أم يقولون تقوله . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم يقولون تقوله ) أي : افتراه واختلقه .
وقوله : ( ^ بل لا يؤمنون ) أي : لا يصدقون . < < الطور : ( 34 ) فليأتوا بحديث مثله . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ) أي : بكتاب مثل ما أتى به
____________________

( ^ مثله إن كانوا صادقين ( 34 ) أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ( 35 ) أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون ( 36 ) ) * * * * * * محمد إن كانوا صادقين أنه اختلقه وافتراه . وهذا بمعنى التحدي على ما ذكره في مواضع كثيرة . < < الطور : ( 35 ) أم خلقوا من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم خلقوا من غير شيء ) فيه قولان : أحدهما أن معناه : أم خلقوا من غير أن يكون لهم خالق وصانع أي : تكونوا بأنفسهم .
وقوله : ( ^ أم هم الخالقون ) أي : خلقوا أنفسهم ، والمراد على هذا القول ، أنهم إذا لم يدعوا أنهم تكونوا من غير خالق وصانع ، ولا ادعوا أنهم الذين هم خلقوا أنفسهم ، وأقروا أن خالقهم هو الله ، فلا ينبغي أن يعبدوا معه غيره . والقول الثاني أن معناه : أم خلقوا من غير شيء أي : لغير شيء ، وهو مثل قوله تعالى : ( ^ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ) ومثل قوله تعالى : ( ^ أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) فإن قال قائل : هل يجوز أن يكون ' من ' بمعنى اللام ؟ والجواب : أن بعضهم قد أجاز ذلك ، ومن لم يجز قال معناه : أم خلقوا من غير شيء توجبه الحكمة يعنى : أن الحكمة أوجبت خلقهم ذكره النحاس أيضاً والأول أظهر في المعنى . < < الطور : ( 36 ) أم خلقوا السماوات . . . . . > > قوله تعالى : (^ أم خلقوا السموات والأرض) معناه : أم يدعون خلق السماوات والأرض للأصنام التي يعبدونها .
قوله ( ^ بل لا يوقنون ) أى لا يوقنون بما يدعون وقيل أم خلقوا السموات والأرض أى أهم الذين خلقوا السموات والأرض . معناه : أنهم لم يخلقوا السموات والأرض .
وفي التفسير : أنهم كانوا مقرين بأن الله خالق السموات والأرض . فالمعنى : أنهم إذا كانوا مقرين بأن الله هو الخالق فلم يشركوه معه غيره ؟ ! .
____________________

( ^ أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون ( 37 ) أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين ( 38 ) أم له البنات ولكم البنون ( 39 ) أم تسألهم أجرا فهم من ) * * * * * * * * < < الطور : ( 37 ) أم عندهم خزائن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم عندهم خزائن ربك ) أي : عطايا ربك ، ويقال : خزائنه من الرزق والمطر ، فهم يملكون ويعطون من شاءوا .
قوله : ( ^ أم هم المسيطرون ) أي : الأرباب المسلطون . قال أبو عبيدة والمعنى : أنهم ليسوا كذلك . يقال : تسيطر الرجل على فلان ، إذا حمله على ما يحبه ويهواه . < < الطور : ( 38 ) أم لهم سلم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم لهم سلم ) أي : درج ومرقى .
وقوله : ( ^ يستمعون فيه ) أي : عليه ، وهو مثل قوله تعالى : ( ^ ولأصلبنكم في جذوع النخل ) أي : على جذوع النخل .
وقوله : ( ^ فليأت مستمعهم بسلطان مبين ) أي : فليأت من ادعى الاستماع منهم بحجة بينة . وفي بعض التفاسير : كما أتى جبريل بالحجة في أنه قد سمع الوحي . < < الطور : ( 39 ) أم له البنات . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم له البنات ولكم البنون ) معناه : كيف تقولون أن له البنات وأنتم لا ترضون ذلك لأنفسكم ؟ والمعنى : أنه ليس الأمر كما تزعمون . < < الطور : ( 40 ) أم تسألهم أجرا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم تسألهم أجرا ) أى علا على تبليغ الرسالة .
وقوله ( ^ فهم من مغرم مثقلون أي : فهم من المغرم الذي لحقهم مثقلون . يقال : لحق فلاناً دين فادح ، أو دين ثقيل ، فهو مثقل . < < الطور : ( 41 ) أم عندهم الغيب . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم عندهم الغيب فهم يكتبون ) معناه : علم الغيب ، ويقال : اللوح المحفوظ ، فهم يكتبون منه ما يزعمونه ويدعونه ، ومعناه : أنه ليس عندهم ذلك ، فقد ادعوا ما ادعوا فقالوا ما قالوا زورا وكذبا . ويقال : أم عندهم الغيب أي : كتاب من الله فهم يقولون ما يقولون منه . < < الطور : ( 42 ) أم يريدون كيدا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم يريدون كيدا ) أي : كيدا بك ، وكيدهم : هو ما دبروه في أمره
____________________

( ^ مغرم مثقلون ( 40 ) أم عندهم الغيب فهم يكتبون ( 41 ) أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون ( 42 ) أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون ( 43 ) وإن ) * * * * * * ليخرجوه من مكة أو يقتلوه أو يحسبوه .
وقوله : ( ^ فالذين كفروا هم المكيدون ) أي : هم المقتولون ، وقد قتلوا ببدر . ويقال : معناه : أن كيدنا ومكرنا نازل بهم . < < الطور : ( 43 ) أم لهم إله . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم لهم إله غير الله ) فإن قيل : قد كانوا يدعون أن لهم آلهة غير الله ، فكيف يصح قوله أم لهم إله غير الله يحي ويميت ، ويعطي ويمنع ، ويرزق ويحرم ؟ ! .
وقوله : ( ^ سبحان الله عما يشركون ) نزه نفسه عن شركهم ، وعما كانوا يعتقدونه من عبادة غيره . < < الطور : ( 44 ) وإن يروا كسفا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وإن يروا كسفا من السماء ) أي : جانبا من السماء ، أو قطعة من السماء ، وإنما قال ذلك لأن بعض الكفار قالوا : ( ^ فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين ) . والمعنى أنه [ لو ] سقط عليهم جانب من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا : إنما سكرت أبصارنا . < < الطور : ( 45 ) فذرهم حتى يلاقوا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون ) وقرئ : ' يصعقون ' يعني : يموتون . ويقال : هو يوم القيامة ، ويصعقون هو نزول العذاب بهم . < < الطور : ( 46 ) يوم لا يغني . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ) أي : حيلتهم .
وقوله : ( ^ ولا هم ينصرون ) أي : لا يمنع منهم العذاب . ويقال : لا يكون لهم ناصر يدفع عنهم . < < الطور : ( 47 ) وإن للذين ظلموا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ) الأكثرون على أنه عذاب
____________________

( ^ يروا كسفا من السماء ساقطا يقولون سحاب مركوم ( 44 ) فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون ( 45 ) يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون ( 46 ) وإن ) * * * * * * لقبر . وعن مجاهد : أنه الجوع في الدنيا . ويقال ( ^ أكثرهم لا يعلمون ) أي : لا يعلمون أن العذاب نازل بهم ، فهذا دليل على أنه قد كان فيهم من هو متعنت يعرف وينكر . < < الطور : ( 48 ) واصبر لحكم ربك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ واصبر لحكم ربك ) أي : لما حكم عليك ، وهذا تعزية وتسلية له في الأذى الذي كان يلحقه من الكفار .
وقوله : ( ^ فإنك بأعيننا ) قال ابن عباس : بمرأى منا ، ويقال : نحن نراك ونحفظك ونرعاك . قال أهل المعاني : وهذا إنما قاله لتيسير الأمر عليه وتسهيله ، لأنه إذا علم أن الأذى الذي يلحقه من الكفار بحكم الله ومرأى منه ، سهل عليه بعض السهولة ، فإنه لا يترك مجازاتهم على ذلك وإثابته على ما لحقه من الأذى .
وقوله : ( ^ وسبح بحمد ربك ) أي : صل حامدا لربك .
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن معناه : هو أنه إذا قام إلى الصلاة يقول : سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك .
وعن بعضهم أنه إذا قام إلى الصلاة يقول : الله أكبر كبيرا ، والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ، فهو المراد من الآية ، قاله زر بن حبيش . وقال أبو الأحوص معناه : أنه يقول : سبحانك وبحمدك إذا قام [ من ] أي مجلس كان . وعن بعضهم أنه بقول : إذا قام من المجلس : سبحانك اللهم وبحمدك ، لا إله إلا أنت ، استغفرك وأتوب إليك . فهو كفارة لكل مجلس جلسه الإنسان .
وقوله : ( ^ حين تقوم ) قد بينا . < < الطور : ( 49 ) ومن الليل فسبحه . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ومن الليل فسبحه ) أي : صل له ، ويقال : إنه صلاة المغرب
____________________

( ^ للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون ( 47 ) واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ( 48 ) ومن الليلة فسبحه وإدبار النجوم ( 49 ) ) * * * * * * * والعشاء . قال مجاهد : هو الليل كله .
وقوله : ( ^ وإدبار النجوم ) قال علي وابن عباس : هو الركعتان قبل الصبح . وقد روي عن النبي أنه قال : ' ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ' .
فعلى هذا معنى ' إدبار السجود ' ركعتا المغرب ، قاله ابن عباس ، ' وإدبار النجوم ' ركعتا الصبح ، وإنما سماهما إدبار النجوم لأن الرجل يصليهما عندما يزول سلطان النجوم من الضوء ، كالرجل يدبر عن الشيء فيزول سلطانه عنه . ويقال : معنى قوله : ( ^ وإدبار النجوم ) هو التسبيح بعد صلاة الصبح .
____________________

<
> بسم الله الرحمن الرحيم <
> ( ^ والنجم إذا هوى ( 1 ) * * * * * * * <
> تفسير سورة والنجم <
>
وهي مكية ، وفي قول بعضهم إلا قوله تعالى : ( ^ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) الآية . قال : هي نزلت بالمدينة .
وهذه السورة أول سورة أعلنها النبي وقرأها جهرا عند المشركين . < < النجم : ( 1 ) والنجم إذا هوى > >
قوله تعالى : ( ^ والنجم ) قال ابن عباس في رواية الوالبي هو الثريا ، [ وهي ] إحدى الروايتين عن مجاهد . وروى أسباط عن السدى : أنه الزهرة . وعن ابن عباس في رواية أخرى ، وهو قول جماعة : أن المراد به القرآن أنزل نجما نجما في عشرين سنة . وقيل : في ثلاث وعشرين سنة .
والقول الرابع : قول قتادة وغيره أنه جميع النجوم في السماء ، عبر عنها باسم الجنس ، وهذا أظهر الأقاويل ؛ لأنه يطابق اللفظ من كل وجه . ويجوز أن يذكر النجم بمعنى النجوم .
قال [ عمر ] بن أبي ربيعة :
( أحسن [ النجم ] في السماء الثريا ** والثريا في الأرض زين السماء )
ومعناه : أحسن النجوم .
وقوله : ( ^ إذا هوى ) أي : غاب وغار هذا إذا حملناه على النجم المعروف وأما إذا حملناه على نجوم القرآن ؛ فمعناه : إذا نزل يعني نزل جبريل عليه السلام .
وعن بعضهم أنه قال : ( ^ والنجم إذا هوى ) أي : تساقطت يوم القيامة أي :
____________________

( ^ ما ضل صاحبكم وما غوى ( 2 ) وما ينطق عن الهوى ( 3 ) إن هو إلا وحي يوحى ( 4 ) علمه شديد القوى ( 5 ) * * * * * * النجوم ، وهو في معنى قوله تعالى : ( ^ وإذا النجوم انكدرت ) أي : انتثرت . وعن بعضهم : ( ^ إذا هوى ) معناه : انقضاضها في أثر الشياطين ، وهو الرمي بالشهب على ما ورد به القرآن في مواضع كثيرة .
< < النجم : ( 2 ) ما ضل صاحبكم . . . . . > > قوله تعالى : ( ^ ما ضل صاحبكم وما غوى ) الآية الأولى وردت على وجه القسم ومعناه ورب النجم .
وقوله ( ^ ما ضل صاحبكم ) على هذا وقع القسم ، وكانت قريش يقولون : إن محمدا ضال غاو ، فأقسم الله تعالى أنه ما ضل وما غوى ، أي : ما أخطأ [ طريقا ] ( ^ وما غوى ) أي : ما خرج عن الرشد في أمر دينه ودنياه ، والغي : ضد الرشد . ويقال : ما غوى أي : ما خاب سعيه فيما يطلبه . كأنه أشار إلى وجود ما هو في طلبه .
قال الشاعر :
( ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره ** ومن يغو لا يعدم على الغي لائما )
أي : من خاب سعيه ، ولم يجد ما يطلبه . < < النجم : ( 3 ) وما ينطق عن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وما ينطق عن الهوى ) قال أبو عبيدة : بالهوى . وقال غيره : ما ينطق عن هواه أي : ما ينطق بغير الحق ؛ لأن من اتبع الهوى في قوله قال بغير الحق . < < النجم : ( 4 ) إن هو إلا . . . . . > >
وقوله : ( ^ إن هو إلا وحي يوحى ) الوحي في اللغة : إلقاء الشيء إلى النفس خفية ، وهو في عرف أهل الإسلام عبارة عما ينزله الله تعالى على الأنبياء ، ومن الأنبياء التبليغ إلى الخلق . < < النجم : ( 5 ) علمه شديد القوى > >
قوله تعالى : ( ^ علمه شديد القوى ) أكثر أهل التفسير على أن المراد به جبريل عليه السلام ، وهو الذي علم الرسول ما أنزله الله تعالى عليه .
____________________

( ^ ذو مرة فاستوى ( 6 ) وهو بالأفق الأعلى ( 7 ) ثم دنا فتدلى ( 8 ) ) * * * * * * * *
وروى عباد بن منصور عن الحسن البصري أن قوله : ' علمه شديد القوى ' هو الله تعالى . والقوى جمع القوة . قال ابن عباس : من قوة جبريل أنه أدخل جناحه تحت الأرض السابعة ، وقلع مدائن لوط ، ورفعها إلى السماء ، ثم قلبها . وعن كعب الحبر : أن إبليس تعرض لعيسى عليه السلام على عقبة من الأعقاب ، وقصده ، فنفخه جبريل بجناحه نفخة ألقاه إلى الهند . < < النجم : ( 6 ) ذو مرة فاستوى > >
قوله تعالى : ( ^ ذو مرة فاستوى ) قال الحسن : ذو مرة أي : ذو منظر حسن . وقال غيره وهو الأولى ذو قوة . يقال : حبل مري أي : محكم الفتل .
وقوله : ( ^ فاستوى ) أي : فاستوى جبريل في أفق السماء على صورته التي خلق فيها . وكذا قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة وعلقمة وقرة بن شراحيل وأكثر أهل التفسير . وعن الحسن البصري : أنه الله تعالى ، والأصح هو الأول . < < النجم : ( 7 ) وهو بالأفق الأعلى > >
قوله تعالى : ( ^ وهو بالأفق الأعلى ) هو الأفق الذي تطلع من جانبه الشمس . وقيل : الذي يجيء منه النهار . والأفق : جوانب السماء . ويقال بالأفق الأعلى أي : بالسماء . وفي الأخبار : ' أن جبريل عليه السلام أظهر نفسه للنبي على صورته التي خلق عليها ، وقد سد الأفق ' .
وفي بعض الروايات : رأسه في السماء ورجلاه في الأرض ، فقد ملأ بجناحيه ما بين المشرق والمغرب . < < النجم : ( 8 ) ثم دنا فتدلى > >
قوله تعالى : ( ^ ثم دنا ) أي : دنا جبريل من النبي عليه الصلاة والسلام .
وقوله : ( ^ فتدلى ) أي : زاد في الدنو . وقال بعضهم : قوله : ( ^ ثم دنا فتدلى ) على التقديم والتأخير .
وقوله : ( ^ تدلى ) أي : هوى وأرسل نفسه من السماء ، ثم دنا أي : دنا جبريل من
____________________

( ^ فكان قاب قوسين أو أدنى ( 9 ) * * * * * * النبي وصار ما بينهما قاب قوسين أو أدنى ، وهو معنى قوله : ( ^ فكان قاب قوسين أو أدنى ) أي : كان ( بينهما ) مقدار قوسين أو أقل من ذلك ، وقاب لغة يمانية في هذا المعنى ، قال الشاعر :
( ( ألم تعلموا أن رشيمة لم تكن ** لتبخسنا من وراء قاب إبهام ) )
وعن عائشة رضي الله عنه قاب نصف الإبهام . وروى أسباط عن السدى أن قوله : ( ^ فكان قاب قوسين أو أدنى ) أي : قدر ذراعين . وقال مجاهد : من الوتر إلى المقبض . وقيل : من السية إلى السية ، فإن قيل : إذا حملتم هذا على جبريل ، فكيف تقدير الآية ؟ والجواب : أن معناه : ' أن جبريل لما استوى في الأفق الأعلى على صورته غشي على النبي ' وهو مروي في الأخبار من عظم ما رأى ، فانتقل جبريل من صورته إلى الصورة التي كان يلقى النبي فيها ، وهو صورة رجل ، ودنا من النبي ، وهو معنى قوله : ( ^ ثم دنا ) ثم نكس رأسه إليه ، بمعنى قوله : ( ^ فتدلى ) وضمه إليه ، فسكنه من روعته . < < النجم : ( 9 ) فكان قاب قوسين . . . . . > >
فإن قيل : ما معنى قوله : ( ^ فكان قاب قوسين أو أدنى ) [ و ] ' أو ' كلمة تشكيك ، ولا يجوز الشك على الله تعالى . وإن كان بمعنى الواو ، فكان ينبغي أن يقول : فكان منه أدنى من قاب قوسين ، وأيضا فقد قال : ( ^ قاب قوسين أو أدنى ) وأي معنى لذكر القوسين هاهنا وتخصيصهما بالذكر ، وقد كان يمكنه تمثيله وتشبيهه بشيء واحد غير القوس فلا يحتاج إلى ذكر القوسين ؟ والجواب : أن القرآن نزل بلغة العرب على ما كانوا يتخاطبون به ، ويفهم بعضهم من بعض ، فعلى هذا
____________________

نزلت الآية ، إنكم لو رأيتموه لقلتم إن القرب الذي بينهما قاب قوسين أو أدنى أو أنقص ، وقيل : أزيد أو أنقص ، وأما ذكر القوس فهو على ما كانوا يعتادونه ، وقرب القوس من الوتر معلوم . ويقال : إن القوسين هاهنا بمعنى القوس الواحد ، وقد ذكرنا أن الشيء الواحد يذكر بلفظ التثنية . والظاهر أن المراد منه القوسان على الحقيقة ، وهو غير مستنكر في لغة العرب ، ولا يستبعد .
القول الثاني في الآية : أن قوله : ( ^ ثم دنا ) أي : دنا محمد من ربه .
وقوله : ( ^ فتدلى ) أي : زاد في الدنو . وفي رواية مالك بن صعصعة أن النبي [ قال ] : ' بينا أنه قاعد إذ أتاني جبريل فلكزني بين كتفي ، فقمت فإذا شجرة عليها شبه وكرين ، فجلست في أحدهما ، وجلس جبريل في الآخر ، وارتفعنا إلى السماء ، ورأيت نورا عظيما ، ونظرت فإذا جبريل كالحلس فعرفت فضل خشيته على خشيتي ، ولط دوننا الحجاب ' . وفي بعض الروايات قال : ' فارقني جبريل ، وهدأت الأصوات ، وسمعت من ربي : ادن يا محمد ' . وقد ذكر هذا اللفظ في الصحيح ، وهو دنو محمد من ربه ليلة المعراج .
والقول الثالث : أن معنى قوله : ( ^ ثم دنا ) أي : دنا الرب من محمد ، وهو لفظ ثابت أيضا ، وهو على ما شاء الله .
وقوله : ( ^ فتدلى ) أي : زاد في الدنو ، والمعروف عند الأكثرين القول الأول ، وهو الأسلم .
____________________

( ^ فأوحى إلى عبده ما أوحى ( 10 ) ما كذب الفؤاد ما رأى ( 11 ) * * * * * * * < < النجم : ( 10 ) فأوحى إلى عبده . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فأوحى إلى عبده ما أوحى ) فيه قولان : أحدهما : فأوحى جبريل إلى عبد الله ما أوحى ، وهو محمد .
والقول الثاني : فأوحى إلى عبده ما أوحى أي : أوحى الله تعالى إلى محمد ما أوحى . وفي الأخبار : أنه كان مما أوحى الله إليه أنه فرض على هذه الأمة خمسين صلاة في اليوم والليلة ثم ردت إلى الخمس ، [ ومما ] أوحى إليه أيضا خواتيم سورة البقرة ، ومما أوحى إليه تلك الليلة أنه غفر لأمته المقحمات ما لم يشركوا بالله ' يعني : يغفر . < < النجم : ( 11 ) ما كذب الفؤاد . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ما كذب الفؤاد ما رأى ) قال المفسرون معناه : رأى شيئا ، وصدق فيما أخبر عن رؤيته . ويقال : ما كذب الفؤاد ما رأى أي : رأى الفؤاد ما رآه حقيقة ، ولم يكن على تخييل وحسبان .
تقول العرب : كذبت فلانا عينه : إذا تخيل له الشيء على غير حقيقته .
قال أبو معاذ النحوي : يقال : ما كذب فلان الحديث . أي : ما كذب فيه .
وقرئ : ( ^ ما كذب الفؤاد ما رأى ) من التكذيب ، والأول أولى ، قال الشاعر :
( كذبتك عينيك أو رأيت بواسطة ** غلس الظلام من الرباب خيالا )
ويقال : ما كذب الفؤاد العين أي : لم توهمه أنه علم شيئا ولم يعلمه . وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : رأى محمد ربه بفؤاده مرتين . فإن قال قائل : المؤمنون يرونه بفؤادهم ، وليس ذلك إلا العلم به ، فما معنى تخصيص النبي ؟
____________________

( ^ أفتماروه على ما يرى ( 12 ) ولقد رآه نزلة أخرى ( 13 ) ) * * * * * * * والجواب : أنهم قالوا : إن الله تعالى خلق رؤية لفؤاده ، فرأى بفؤاده مثل ما يرى الإنسان بعينه . وعلى القول الأول الرؤية منصرفة إلى جبريل . < < النجم : ( 12 ) أفتمارونه على ما . . . . . > >
قوله تعالى ( ^ أفتمارونه على ما يرى ) بعنى افتجادلونه وكانت مجادلتهم مجادلة الشاكين المكذبين وقد روى أنهم استعوصفوه مسجد بيت المقدس واستخبروه عن عيرهم في الطريق وقربها من مكة وقرىء ' أفتمرونه على ما يرى أى أفتجحدونه قال الشاعر :
( لئن هجرت أخا صدق ومكرمة ** فقد مريت أخا ما كان يمركما ) أى جحدت . < < النجم : ( 13 - 14 ) ولقد رآه نزلة . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد رآه نزلة أخرى ) أي : رأى جبريل عليه السلام نزلة أخرى أي : مرة أخرى . فإن قيل : قد كان رآه كثيرا ، فما معنى نزلة أخرى ؟ والجواب : أنه لم ير جبريل في [ صورته التي خلق عليها ] إلا مرتين : مرة بالأفق الأعلى ، وكان ذلك عند ابتداء الوحي ، وقال أهل المعاني : كان ذلك شبه آية أراها النبي ليعلم أنه من الله . والمرة الثانية رآه عند سدرة المنتهى ليلة المعراج كما قال : ( ^ ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى ) والسدرة شجرة النبق . وفي التفسير : أنها في السماء السابعة ، ويقال : في السادسة . وعن عكرمة : هي على يمين العرش .
وقد ثبت عن النبي أنه قال : ' رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كقلال هجر ، وأوراقها كآذان الفيلة ، يخرج من أصلها أربعة أنهار : نهران ظاهران ، ونهران باطنان ' . على ما بينا .
واختلف القول في معنى المنتهى ، قال بعضهم : ينتهي إليها علم الملائكة ، ولا يعلمون ما وراء ذلك ، وهو القول المعروف .
____________________


والقول الثاني : ينتهي إليها ما يصعد إلي السماء ، وينتهي إليها ما يهبط من فوق .
وفي بعض الأخبار : أن الملائكة تصعد بأعمال بني آدم حتى إذا انتهوا إلى سدرة قبضت منهم ، ولم يعلموا ما وراء ذلك .
وقد ذكر أبو عيسى القول الثاني الذي ذكرنا مسندا إلى النبي .
والقول الثالث : أن معنى المنتهي أنه ينتهي إليها مقام جبريل . وفي الآية قول آخر : وهو أن معنى قوله : ( ^ ولقد رآه نزلة أخرى ) أي : رأى محمد ربه نزلة أخرى ، وقد ذكرنا قول ابن عباس من قبل .
واختلف أصحاب رسول الله ورضي عنهم في هذا ، فقال ابن مسعود وجماعة : إنه رأى جبريل ولم ير الله تعالى .
وعن مسروق قال : قالت عائشة رضي الله عنها من زعم ثلاثا فقد أعظم الفرية ، من زعم أن محمدا يعلم ما في غد فقد أعظم الفرية ؛ قال الله تعالى : ( ^ إن الله عنده علم الساعة ) وذكرت الآية ، ومن زعم أن محمدا كتم من الوحي فقد أعظم الفرية ؛ قال الله تعالى : ( ^ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) ومن زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية ، قال الله تعالى : ( ^ لا تدركه الأبصار . . . ) الآية .
وروى عكرمة عن ابن عباس : ' أن محمدا رأى ربه ليلة المعراج بعينه ' . وهو قول أنس وكعب الأحبار وجماعة كثيرة من التابعين منهم : الحسن ، وعكرمة : أن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى ، فكلم موسى مرتين ، ورأى محمد ربه
____________________

( ^ عند سدرة المنتهى ( 14 ) عندها جنة المأوى ( 15 ) إذ يغشى السدرة ما يغشى ( 16 ) * * * * * * * * * مرتين . وهذا قول جماعة من الأئمة منهم أحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وغيرهما . وفي بعض الروايات : جعلت الخلة لإبراهيم ، والكلام لموسى ، والرؤية لمحمد .
فإن قيل : كيف تجوز الرؤية على الله تعالى في الدنيا ؟ والجواب : أنه لم يكن في الدنيا ، وإن كان في الدنيا فكل ما فعل الله تعالى وأكرم به نبيا من أنبيائه فجائز بلا كيف .
وفي رواية [ زرين ] حبيش عن ابن مسعود في معنى الآية ' أن النبي رأى جبريل وله ستمائة جناح ' والخبر صحيح . وقد ثبت برواية عكرمة عن ابن عباس أن النبي قال : ' رأيت ربي في أحسن صورة ' والله أعلم . < < النجم : ( 15 ) عندها جنة المأوى > >
وقوله : ( ^ عندها جنة المأوى ) أي : يأوى إليها المؤمنون يوم القيامة ، ويقال : تأوى إليها أرواح الشهداء . وقيل : [ تأوى ] إليها الملائكة .
قال سفيان بن عيينة : كالغربان يقعن على الشجر . وفي الآية دليل على أن الجنة في السماء وأنها مخلوقة ، ومن زعم أنها غير مخلوقة فهو كافر بهذه الآية .
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : جنة المأوى جنة المبيت . وعن بعضهم : جنة المثوى والمقام . وعن بعضهم : يأوى إليها جبريل والملائكة المقربون .
قال كعب الأحبار : هي جنة فيها طير خضر في حواصلها أرواح الشهداء . < < النجم : ( 16 ) إذ يغشى السدرة . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إذ يغشى السدرة ما يغشى ) قال ابن مسعود : يغشاها فراش من ذهب . وعن الحسن : يغشاها نور الرب تعالى . في بعض الأحاديث : أن الملائكة استأذنوا لربهم أن ينظروا إلى محمد ليلة المعراج ، فأذن لهم ، فاجتمعوا على السدرة .
____________________


وفي هذا الحديث أن النبي قال : ' رأيت على كل ورقة منها ملكا قائما يسبح الله تعالى ' . أورده أبو الحسن بن فارس قال : فهو معنى قوله : ( ^ إذ يغشى السدرة ما يغشى ) وفي بعض الروايات : يغشاها جراد من ذهب . واعلم أن السدرة شجرة تجمع ثلاثة أشياء : الظل المديد ، والطعم اللذيذ ، والرائحة الطيبة ، كذلك الإيمان يجمع ثلاثة أشياء : النية ، والقول ، والعمل . واعلم أنا قد ذكرنا اختلاف أصحاب رسول الله ورضي عنهم في أنه هل رأى ربه ليلة المعراج أولا ؟
وذكر أبو الحسين بن فارس في تفسيره آثارا سوى ما ذكرناها ؛ فحكي عن ابن عمر أن الله تعالى احتجب عن خلقه بنور وظلمة ونار . وروي عن [ أبي ] العالية الرياحي رحمه الله أن النبي قال : ' رأيت ليلة المعراج نهرا ، ورأيت وراءه حجابا ، ورأيت وراء الحجاب نورا ، ولا أدري ما وراء ذلك ' . وروي عن محمد بن كعب القرظي ' أن النبي رأى ربه بفؤاده كما يرى بالعين ' .
وفي رواية أبي ذر ' أن النبي سئل هل رأيت ربك ؟ فقال : نور أني أراه ' . فالروايات مختلفة في الباب ، والله أعلم بالصواب من ذلك . وينبغي أن يقال : إن ثبت النقل أنه رأى ربه نحكم بالرؤية ونعتقدها ، وإن لم يثبت النقل فالأمثل أنه لم ير . < < النجم : ( 17 ) ما زاغ البصر . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ما زاغ البصر وما طغى ) في التفسير أن معناه : لم يلتفت يمينا ولا
____________________

( ^ ما زاغ البصر وما طغى ( 17 ) لقد رأى من آيات ربه الكبرى ( 18 ) أفرأيتم اللات والعزى ( 19 ) ومناة الثالثة الأخرى ( 20 ) ) * * * * * * * * شمالا . ويقال معناه : ما قصر عما أمر بالنظر إليه ، وما جاوز بصره في النظر إلى غير ما أمر به بالنظر . ومعنى الزيغ في اللغة : هو الميل به ، ومعنى الطغيان : هو التجاوز . < < النجم : ( 18 ) لقد رأى من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد رأى من آيات ربه الكبرى ) قال ابن مسعود : أي : جبريل وله ستمائة جناح قد سد الأفق . وفي رواية ينتشر من ريشه الدر والياقوت ( والتعاويذ ) . وفي رواية أخرى عن ابن مسعود : أنه رأى رفرفا أخضر قد ملأ الأفق .
وتقدير الآية : ' رأى من آيات ربه الآية الكبرى ' . وقيل : رأى من آيات ربه الكبرى ، أي : النور الذي رآه في تلك الليلة . < < النجم : ( 19 - 20 ) أفرأيتم اللات والعزى > >
قوله تعالى : ( ^ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) معناه : أفرأيتم هذه الأصنام التي تعبدونها ، هل تملك شيئا مما ذكر الله تعالى ؟ أو هل لها من العلو والرفعة والقدرة مثل ما ذكرنا ؟ .
وأما تفسير هذا الأصنام : ' فلات ' صنم كانت ثقيف تعبده ، وقيل : إنه كان صخرة . وأما ' العزى ' فشجرة كانت تعبدها غطفان وجشم وسليم . ويقال : كانت بيت عليه سدنة ، وكانت العرب قد علقوا عليه السوار ، وزينوه بالعهن وما يشبهه . وقد روي عن النبي ' أنه بعث خالد بن الوليد ليهدم العزى فقطع شجرات ثم ، وهدم بعض الهدم ، فرجع إلى النبي وأخبره ، فقال : هل رأيت شيئا ؟ فقال : لا . قال : إنك لم تفعل ، عد ، فعاد وبالغ في الهدم وقتل السدنة ، وكانوا يقولون : يا عزى عوزيه ، يا عزى خبليه . قال : فخرجت امرأة عريانة من جوف العزى ، ناشرة شعرها ، تدعو بالويل والثبور ، وتحثو التراب على رأسها ، فعمها خالد بالسيف وقتلها ، ورجع
____________________

إلى النبي وذكر له ذلك . فقال : تلك العزى لا تعبد بعد اليوم ' . وهذا خبر معروف . وأما ' مناة ' صنم كان ' بقديد ' بين مكة والمدينة . ويقال : بالمشلل .
قال أهل التفسير : وإنما قال : ( ^ ومناة الثالثة الأخرى ) لأنهم كانوا يعتقدون أن مناة دون اللات والعزى . وفي التفسير : أن ' اللات ' كان رجل يلت السويق على حجر ، فكان كل من يأكل منه سمن ، فلما مات عبدوه ، واتخذوا حجرا ( بصورته ) .
قال الشاعر :
( لا تعبدوا اللات إن الله مهلكها ** وكيف ينصركم من ليس ينتصر )
واعلم أنا قد ذكرنا في سورة الحج : ' ' أن النبي قرأ هذه السورة على المشركين ، فلما بلغ هذه الآية ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى ' . رواه سعيد بن جبير . وغيره عن ابن عباس قال : ' فلما قرأ ( كذلك ) فخرج المشركون وقالوا : ما كنا نطلب منك إلا هذا ، وهو أن لا تعيب آلهتنا ولا تسبها ، وتعلم أن لها شفاعة يوم القيامة . لما بلغ آخر السورة سجد النبي وسجد المسلمون والمشركون جميعا ، ثم إن جبريل أتاه وأمره أن يقرأ عليه السورة ، فقرأ كما قرأ على المشركين ، فقال : إن هذا لم أنزله عليك ، واستخرج ذلك من قراءته ، وحزن النبي بذلك حزنا شديدا حيث عمل الشيطان على لسانه ما عمل ، فأنزل الله تعالى مسليا ومعزيا له : ( ^ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته . . . . ) الآية . ثم إن الرسول لما رجع عما سمع منه ، وعاد إلى
____________________

( ^ ألكم الذكر وله الأنثى ( 21 ) تلك إذا قسمة ضيزى ( 22 ) إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ) * * * * * * سب آلهتهم وعيبها ، عاد المشركون إلى ما كانوا عليه ' .
وفي القصة : أنه كان قد وصل ذلك الخبر إلى الحبشة ، أن المسلمين والمشركين اتفقوا ، وأن الكفار قد سجدوا بسجود النبي حتى الوليد بن المغيرة ، وقد كان شيخهم وكبيرهم فرفع التراب إلى جبهته وسجد عليه ، فرجع المسلمون من الحبشة ، فلما صاروا في بعض الطريق بلغهم الخبر فرجعوا إلى الحبشة . < < النجم : ( 21 ) ألكم الذكر وله . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ألكم الذكر وله الأنثى ) هذا على طريق الإنكار عليهم ، لأنهم كانوا يقولون : هذه الأصنام على صور الملائكة ، والملائكة بنات الله ، وهذا قول بعضهم . < < النجم : ( 22 ) تلك إذا قسمة . . . . . > >
وقوله : ( ^ تلك إذا قسمة ضيزى ) أي : جائرة . وحقيقة المعنى : أنكم إذا كرهتم البنات لأنفسكم فأولى أن تكرهوها لله تعالى .
وقد حكى أهل اللغة هذه الكلمة عن العرب على أربعة أوجه : ضيزى ، وضوزى بغير همزة ، وضأزى ، وضازي بغير همزة ، وهذه اللغات وراء ما ورد به التنزيل . < < النجم : ( 23 ) إن هي إلا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ) أي : حجة . وعن ابن عباس : أن كل سلطان في القرآن هو بمعنى الحجة .
وقوله : ( ^ إن يتبعون إلا الظن ) في بعض الآثار : أن المؤمن أحسن العمل فحسن ظنه ، وأن المنافق أساء العمل فساء ظنه . وفي بعض الأخبار : ' أكذب الحديث هو الظن ' .
____________________

( ^ ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ( 23 ) أم للإنسان ما تمنى ( 24 ) فلله الآخرة والأولى ( 25 ) وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ( 26 ) إن ) * * * * *
وقوله : ( ^ وما تهوى الأنفس ) أي : ما تدعو إليه هو النفس .
وقوله : ( ^ ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) أي : طريق الرشد والحق . < < النجم : ( 24 ) أم للإنسان ما . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ أم للإنسان ما تمنى ؟ معناه : اللأنسان ما تمنى ؟ أي : ليس له ما تمنى . واعلم أن الأمنية مذمومة ، والإرادة محمودة ، والفرق بينهما أن الأمنية شهوة لا يصدقها العمل ، والإرادة هو ما يصدقه العمل . وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال : ' الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والفاجر من اتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله المغفرة ' . وعن بعضهم : الأماني رأس مال المفاليس . < < النجم : ( 25 ) فلله الآخرة والأولى > >
وقوله : ( ^ فلله الآخرة والأولى ) أي : الملك في الآخرة والأولى . < < النجم : ( 26 ) وكم من ملك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وكم من ملك في السموات ) روى عن كعب الأحبار أنه قال : ما من موضع شبر في السماء إلا وفيه ملك قائم أو ساجد .
وقد روى مثل هذا في الأرض أيضا عن غيره . وكم في اللغة للتكثير .
وقوله : ( ^ لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ) والمعنى : أنهم لا يملكون الشفاعة لأحد حتى يأذن الله فيه ويرضاه . وفي بعض التفاسير : أن هذا جواب لقول المشركين : إن الغرانقة تشفع يوم القيامة عند الله تعالى ، وهي الأصنام ، فأخبر الله تعالى أن أحدا لا يملك الشفاعة إلا بإذن الله تعالى ورضاه في ذلك . < < النجم : ( 27 ) إن الذين لا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى ) هو قولهم للأصنام وتسميتهم إياها اللات ، والعزى ، ومناة تسمية الإناث . وكانوا يقولون : إن هذه الأصنام على صورة الملائكة .
____________________

( ^ الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى ( 27 ) وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ( 28 ) فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ( 29 ) ذلك مبلغهم من العلم أن ربك هو أعلم بمن ضل عن ) * * * * * * < < النجم : ( 28 ) وما لهم به . . . . . > >
وقوله : ( ^ وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) أي : لا ينوب على الحق أبدا . < < النجم : ( 29 ) فأعرض عن من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ) يقال : إن هذه الآية نزلت قبل نزول آية السيف ، ثم نسختها آية السيف . < < النجم : ( 30 ) ذلك مبلغهم من . . . . . > >
وقوله : ( ^ ذلك مبلغهم من العلم ) أي : لا يعلمون إلا أمر المعاش في الحياة الدنيا . وعن الحسن البصري قال : رب رجل ينقر درهما بظفره فيذكرونه ولا يخطئ فيه ، وهو لا يحسن يصلي .
وقوله : ( ^ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ) أي : يعلم المهتدي والضال ، والمؤمن والكافر ، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم . < < النجم : ( 31 ) ولله ما في . . . . . > >
وقوله : ( ^ ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) أي : بالجنة . < < النجم : ( 32 ) الذين يجتنبون كبائر . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ) وقرئ : ' كبير الإثم ' وقد بينا معنى الكبائر من قبل . وقيل : إنه كل ما أوعد الله عليه بالنار . والفواحش : المعاصي .
وقوله : ( ^ إلا اللمم ) قال ابن عباس وغيره : وهو أن يلم بالذنب ثم يتوب منه . أي : يفعل ذلك مرة ولا يصر عليه . وعنه أيضا أنه قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما رواه أبو هريرة أن النبي قال : ' إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العين النظر ، وزنا اليد اللمس ، والنفس تمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك أويكذبه ' . وهو حديث صحيح .
____________________

( ^ سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ( 30 ) ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ( 31 ) الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذا أنشأكم من الأرض وإذ ) * * * * * * *
فعلى هذا القول : اللمم هو النظر واللمس وما يشبه ذلك . وفيه حديث نبهان التمار الذي ذكرنا في سورة هود .
وفي الآية قول ثالث : أن اللمم هو الصغائر . وفيه قول رابع : أن اللمم هو ما فعله المسلمون في الجاهلية قبل إسلامهم ، فلما أسلموا وقع العفو عنها .
وقيل : إن اللمم هو النظر فجأة ، ثم يغض بصره في الحال . وعن بعضهم :
( إن تغفر اللهم فاغفر جما ** فأي عبد لك لا ألما . )
وقد روى بعضهم هذا مسندا إلى النبي وأما معنى ' إلا ' في الآية ، فقال بعضهم : هو منقطع ، فكأنه قال : لكن اللمم . ومنهم من قال : الاستثناء على حقيقته ، واللمم : فواحش إلا أن الله تعالى يعفو عنها بمشيئته .
وقوله : ( ^ إن ربك واسع المغفرة ) أي : كثير المغفرة .
وقوله : ( ^ هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض ) معناه : هو ابتداء خلقكم من تراب ثم من نطفة .
وقوله تعالى : ( ^ وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ) يعني : أنه كان عالما بأحوالكم وأنتم أجنة في بطون الأمهات جاهلون بأحوالكم .
وقوله : ( ^ فلا تزكوا أنفسكم ) أي : لا تمدحوا أنفسكم .
وقوله : ( ^ هو أعلم بمن اتقى ) أي : هو أعلم بالمتقين . وعن عطاء بن أبي رباح : أن اللمم أن يعزم على الذنب ثم لا يفعل . ذكره القفال الشاشي في تفسيره . وحكي عن أبي هريرة أنه قال : اللمم : الغمزة والقبلة .
____________________

( ^ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ( 32 ) أفرأيت الذي ) * * * * * *
وأما قوله : ( ^ فلا تزكوا أنفسكم ) قد بينا . وفي تفسير النقاش : أن الرجل من اليهود كان إذا مات له طفل يقول : هو صديق ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم . ويقال : إن الآية في الرجل يخبر بصومه وصلاته وفعله الخير بين الناس ، وقد كان منهم من يقول كذلك فعلنا كذا ، وصنعنا كذا ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك . واعلم أن مدح الرجل نفسه مكروه ، وكذلك مدح الرجل غيره في وجهه .
وفي الخبر المعروف : أن رجلا مدح رجلاً عند النبي فقال : ' ويلك قطعت عنق أخيك فإن كنت قائلا شيئا ، فقل : أحسب فلانا كذا ، ولا أزكى على الله أحدا ' .
وفي خبر آخر ' احثوا التراب في وجوه المداحين ' ، رواه المقداد عن النبي .
وقوله : ( ^ هو أعلم بمن اتقى ) قد بينا . < < النجم : ( 33 ) أفرأيت الذي تولى > >
قوله تعالى : ( ^ أفرأيت الذي تولى ) أي : أعرض عن الإيمان بالله . < < النجم : ( 34 ) وأعطى قليلا وأكدى > >
وقوله : ( ^ وأعطى قليلا وأكدى ) معنى قوله أكدى : أي : قطع عطاءه .
ويقال : أكدى معناه : أجبل . ومنه الكدية ، وهي إذا حفر الرجل بئرا فبلغ موضعا لا يمكنه العمل فيه من صخرة وما يشبهها ، يقال له : الكدية . ومعنى قوله أجبل أي : بلغ جبلا . وفي التفسير : أن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة ، ويقال : في العاص بن وائل ، كان يحضر مجلس النبي ويستمع إلى القرآن ، ثم إن المشركين عيروه فقال : إني أخشى العذاب ، فقال له بعضهم : أعطني شيئا أتحمل عنك العذاب يوم القيامة ، فأعطاه وتحمل عنه ، فعلى هذا قوله : ' أعطى قليلا ' أي : استمع ورغب في الإسلام .
____________________

( ^ تولى ( 33 ) وأعطى قليلا وأكدى ( 34 ) أعنده علم الغيب فهو يرى ( 35 ) أم لم ينبأ بما في صحف موسى ( 36 ) وإبراهيم الذي وفى ( 37 ) ألا تزر وازرة وزر أخرى ) * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ أكدى ) أي : قطع ما أعطى . وقال مقاتل : أعطى بلسانه وقطع بقلبه . وحكى بعضهم عن ابن عباس أن معنى الآية : أطاع ثم عصى . وذكر بعضهم : أن رجلا من جهلاء الأعراب ، وكان قد أسلم وقدم المدينة فجعل يقول : من يشتري حسناتي بصاع من تمر ، فقال أبو خيثمة الأنصاري ، وكان رجلا فيه خير : أنا أشتريها منك بوسق من تمر . والوسق : ستون صاعا ، فباع الأعرابي منه حسناته وأخذ الوسق ، فأنزل الله تعالى في الأعرابي هذه الآية . والمعروف هو القول الأول . < < النجم : ( 35 ) أعنده علم الغيب . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أعنده علم الغيب فهو يرى ) أي : يعلم . والرؤية تكون بمعنى رؤية البصر ، وتكون بمعنى العلم . تقول العرب : رأيت فلانا عالما أي : علمت . ومعنى الآية : أكان عند من ( تحمل ) الذنوب عن الوليد علم الغيب فهو يعلم أنه يتحملها عنه يوم القيامة ؟ . < < النجم : ( 36 ) أم لم ينبأ . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أم لم ينبأ بما في صحف موسى ) معناه : أم لم يخبر .
وقوله : ( ^ بما في صحف موسى ) ذكر وهب بن منبه : أن الله تعالى أنزل مائة [ وأربعة ] كتب ؛ ثلاثون صحيفة على شيث ، وخمسون على إدريس ، وعشرون على إبراهيم ، وأربعة على موسى وداود وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام . < < النجم : ( 37 ) وإبراهيم الذي وفى > >
قوله : ( ^ وإبراهيم الذي وفى ) قرأ الحسن البصري ' وفى ' مخففا أي : بما أمر به . ويقال : [ وفى في ذبح ابنه ] .
وأما القراءة المعروفة بالتشديد فيجوز أن تكون بمعنى ' وفى ' إلا أنه أكده بالتشديد ويقال : وفى [ بسهام ] الإسلام . قال الحسن : لم يؤمر بأمر إلا عمل به .
____________________

( ( 38 ) وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ( 39 ) وأن سعيه سوف يرى ( 40 ) ثم يجزاه الجزاء الأوفى ( 41 ) وأن إلى ربك المنتهى ( 42 ) وأنه هو أضحك وأبكى ( 43 ) وأنه ) * * * * * * * *
وعن ابن عباس أنه قال : الإسلام ثلاثون سهما ، ولم يتم جميعها غير إبراهيم ومحمد عليهما السلام . وقال الفراء : ' وفى ' معناه : بلغ . وعن الهذيل بن شرحبيل قال : كان بين نوح وإبراهيم قرون يأخذون الجار بذنب الجار ، وابن العم بذنب ابن العم ، والصديق بذنب الصديق ، فجاء إبراهيم وبلغ عن الله تعالى < < النجم : ( 38 ) ألا تزر وازرة . . . . . > > : ( ^ ألا تزر وازرة وزر أخرى ) أي : لا يؤخذ أحد بذنب غيره . < < النجم : ( 39 ) وأن ليس للإنسان . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) معناه : إن سعي في الخير يلق الخير ، وإن سعى في الشر يلق الشر . < < النجم : ( 40 ) وأن سعيه سوف . . . . . > >
وقوله : ( ^ وأن سعيه سوف يرى ) أي : يراه على معنى أن الله تعالى يريه إياه ، وهو الجزاء الذي يجازيه عليه ، وهو معنى < < النجم : ( 41 ) ثم يجزاه الجزاء . . . . . > > قوله : ( ^ ثم يجزاه الجزاء الأوفى ) أي : الأكمل الأتم . < < النجم : ( 42 ) وأن إلى ربك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وأن إلى ربك المنتهى ) أي : مصير العباد ومرجعهم إليه . قال محمد بن علي الباقر : تاه فيه العقول أي : تحيرت . فعلى هذا معنى الآية : أن العقول إذا انتهت إلى أوصافه تحيرت ، يعني : أنها لا تدرك أوصافه على الكمال . وفي بعض التفاسير : أن بعض الملائكة تفكر في الله تعالى فصيحت عليه صيحة ، فتاه عقله ، فهو يسمى بين الملائكة التائه . < < النجم : ( 43 ) وأنه هو أضحك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وأنه هو أضحك وأبكى ) قال ابن عباس : أضحك أهل الجنة ، وأبكى أهل النار . ويقال : أضحك بالوعد ، وأبكى بالوعيد . ويقال : أضحك الأرض بالنبات ، وأبكى السماء بالمطر . والأصح من الأقاويل أنه أضحك الخلق وأبكاهم . < < النجم : ( 44 ) وأنه هو أمات . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وأنه هو أمات وأحيا ) يقال : أمات الآباء ، وأحيا الأبناء وقيل : أمات قوما بالضلالة ، وأحيا بالهداية . والأصح أنه أمات الخلق وأحياهم . < < النجم : ( 45 ) وأنه خلق الزوجين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى ) أي : الصنفين . قال الضحاك :
____________________

( ^ هو أمات وأحيا ( 44 ) وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى ( 45 ) من نطفة إذا تمنى ( 46 ) وأن عليه النشأة الأخرى ( 47 ) وأنه هو أغنى وأقنى ( 48 ) وأنه هو رب ) * * * * آدم وحواء . والأصح أنه الذكر والأنثى من بني آدم . < < النجم : ( 46 ) من نطفة إذا . . . . . > >
وقوله : ( ^ من نطفة إذا تمنى ) أي : تقدر . تقول العرب : ما تمنى تلك [ الأماني ] أي : يقدر ذلك المقدر . وقيل : إذا تمنى ، هو عبارة عن الوطء أي : من نطفة تحصل بالجماع . < < النجم : ( 47 ) وأن عليه النشأة . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وأن عليه النشأة الأخرى ) أي : البعث يوم القيامة ، وإنما قال : ' الأخرى ' لأنها ثانية النشأة الأولى ، والنشأة الأولى ابتداء الخلق . < < النجم : ( 48 ) وأنه هو أغنى . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وأنه هو أغنى وأقنى ) معناه : أعطى وأوسع ، فقوله : ( ^ أقنى ) أي : أعطى القنية ، والقنية : هي أصل مال يتخذ . قالوا : وهو مثل الإبل والبقر والضياع والنبات وما أشبه . ويقال : أغنى بالذهب والفضة ، وأقنى بغيرهما من الأموال . ويقال : أغنى وأقنى : أي : أعطى وقنع بما أعطى . قال القتيبي : أغنى أي : أعطى المال وأفنى أي أخدم كأنه أعطاه من يخدمه وقال أغنى أى أعطى بما أعطى . وعن بعضهم أغنى : أي : أغنى نفسه ، كأنه وصف نفسه بالغنى . وقوله : ( ^ وأقنى ) أي : أفقر خلقه إلى نفسه ، ويقال : أغنى وأقنى : أي : وسع وقتر . < < النجم : ( 49 ) وأنه هو رب . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وأنه هو رب الشعرى ) في التفسير : أنه كان رجل من خزاعة خالف دين آبائه وعبد الشعر العبور ، وهو كوكب خلف الجوزاء تسمى المرزم ، وهما الشعريان : [ إحداهما ] : الغميصاء ، والأخرى : العبور ، فالغميصاء في المجرة ، والعبور خلف الجوزاء وتسمى كلب الجوزاء . وكان ذلك الرجل يعبد الشعرى ، ويقول : إنها تقطع الفلك عرضا دون سائر الكواكب ، فإنها تقطع أموالا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وذكر أنه خالق الشعرى التي تعبدونها . [ قاله ] مجاهد وقتادة وغيرهما . وعن بعضهم : أنها الزهرة ، وهذا مخالف لظاهر الآية .
____________________

( ^ الشعرى ( 49 ) وأنه أهلك عادا الأولى ( 50 ) وثمود فما أبقى ( 51 ) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى ( 52 ) والمؤتفكة أهوى ( 53 ) فغشاها ما غشى ( 54 ) ) * * * * * < < النجم : ( 50 ) وأنه أهلك عادا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وأنه أهلك عادا الأولى ) فإن قيل : ما معنى قوله : ' عادا الأولى ' ، وعاد كانت واحد لا اثنين ؟ والجواب : أن ثمودا وعادا كانا من ولد آدم بن سام بن نوح ، فعاد هم قوم هود ، وهم عاد الأولى ، وثمود هم قوم صالح وهم عاد الأخرى . < < النجم : ( 51 ) وثمود فما أبقى > >
وقوله : ( ^ وثمود فما أبقى ) أي : أبادهم وأفناهم . < < النجم : ( 52 ) وقوم نوح من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى ) أي : أكبر وأشد طغيانا . وفي القصة : أن الرجل منهم كان يأتي بابنه إلى نوح فيقول : احذر هذا الشيخ ، وإياك أن يضلك ، فإن أبي حملني وأنا في مثل سنك إليه وحذرني منه كما حذرتك منه . < < النجم : ( 53 ) والمؤتفكة أهوى > >
قوله تعالى : ( ^ والمؤتفكة أهوى ) المؤتفكة هي مدائن لوط ، ائتفكت بهم الأرض أي : انقلبت بهم .
وقوله : ( ^ أهوى ) يقال : هوى إذا سقط ، وأهوى إذا أسقط . وقد بينا أن جبريل عليه السلام قلعها من أصلها ، وبلغ بها السماء الدنيا حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح الكلاب وأصوات ديكتهم ، وكان فيها أربعمائة ألف رجل . وقد قيل أكثر من ذلك ، ثم أن جبريل قلبها فجاءت تهوى فهو معنى قوله : ( ^ والمؤتفكة أهوى ) قال عكرمة : فهي تتجلجل في الأرض إلى قيام الساعة . والعرب تقول : أهوى أي : وقع في هوة ، والهوة : الحفرة . < < النجم : ( 54 ) فغشاها ما غشى > >
قوله تعالى : ( ^ فغشاها ما غشى ) أي : غشاها من الحجارة ما غشى . يقال : من عذاب الله ما غشى . والتغشية : التغطية . وفي القصة : أن الحجر يتبع شرادهم حتى أهلكهم جميعا ، وكان في الحرم رجل منهم فوقف حجر في الهواء سبعة أشهر ، ثم خرج فلما خرج وخطا خطوة سقط عليه الحجر وأهلكه ، وكان اسمه أبو رغال . < < النجم : ( 55 ) فبأي آلاء ربك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فبأي آلاء ربك تتمارى ) أي : تتشكك ، ومعناه : تشك ، وقيل :
____________________

( ^ فبأي آلاء ربك تتمارى ( 55 ) هذا نذير من النذر الأولى ( 56 ) أزفت الآزفة ( 57 ) ليس لها من دون الله كاشفة ( 58 ) أفمن هذا الحديث تعجبون ( 59 ) وتضحكون ولا ) * * * * * * * تكذب . والمرية : هي الشك في اللغة . والخطاب للكافر أي : فبأي آلاء ربك تتمارى أيها الكافر . < < النجم : ( 56 ) هذا نذير من . . . . . > >
وقوله : ( ^ هذا نذير من النذر الأولى ) أي : نبي يشبه الأنبياء المتقدمين . < < النجم : ( 57 - 58 ) أزفت الآزفة > >
وقوله : ( ^ أ زفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة ) فإن قيل : ما معنى قوله : ' كاشفة ' ؟ ولم أدخل هاء التأنيث ؟ والجواب : أن بعضهم قال : لموافقة رءوس الآى وقال بعضهم معناه ليس لها من دون الله نفس كاشفة وهذا أحسن ومعنى الآية : أنه لا يعلم علمها سوى الله تعالى . وهو علم قيامها وتجليها ويقال لا يأتي بها أحد سوى الله تعالى .
يقال : كشف عن الشيء إذا أظهره أي : لا يكشف عن القيامة ولا يظهرها غير الله تعالى . < < النجم : ( 59 ) أفمن هذا الحديث . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أفمن هذا الحديث تعجبون ) أي : القرآن .
وقوله : ( ^ تعجبون ) أي : تتعجبون ، وتعجبهم أنهم قالوا : كيف أنزل على واحد مثلنا . ويقال : تعجبهم من قوله إن الله واحد على ما قال في موضع آخر ( ^ أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ) . < < النجم : ( 60 ) وتضحكون ولا تبكون > >
وقوله : ( ^ وتضحكون ولا تبكون ) يعني : من حقكم أن تبكوا لا أن تضحكوا . وفي التفسير : ' أن النبي لما نزلت هذه الآية لم ير ضاحكا إلى أن خرج من الدنيا ، غير أنه كان يبتسم ' . وفي بعض الأخبار : عجبت من ضاحك ( ملء فيه والموت يطلبه ) .
____________________

( ^ تبكون ( 60 ) وأنتم سامدون ( 61 ) فاسجدوا لله واعبدوا ( 62 ) ) * * * * * * < < النجم : ( 61 ) وأنتم سامدون > >
وقوله : ( ^ وأنتم سامدون ) أي : لاهون غافلون ، ويقال : متكبرون . قال مجاهد : السمود هو الغناء بلغة حمير . يقولون : يا جارية سمدى لنا : أي : غنى . ويقال له : البرطمة أيضا وأنشد بعضهم :
( رمى الحدثان نسوة آل حرب ** بداهية سمدان لها سمودا ) ويروى :
( بمقدار سمدن له سمودا . **
( فرد شعورهن السود بيضا ** ورد وجوههن البيض سودا ) < < النجم : ( 62 ) فاسجدوا لله واعبدوا > >
وقوله : ( ^ فاسجدوا لله واعبدوا ) حمل بعضهم هذا على الصلوات الخمس . وقيل : إن الآية نزلت بمكة قبل فرض الصلوات الخمس ، والسورة مكية ، فعلى هذا معناه : فاسجدوا لله واعبدوا أي : اخضعوا لله ووحدوا . ويقال : المراد منه أصل السجود ، والمراد من العبادة هي الطاعة ، وهو موضع سجود عند أكثر الفقهاء إلا مالك حيث قال : ليس في المفصل سجود أصلا . وقد ثبت عن النبي برواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ' أنه عليه الصلاة والسلام قرأ سورة النجم فسجد فيها ، فما بقى من القوم أحد إلا سجد غير رجل واحد أخذ حصى ووضعه على جبهته ، وقال : يكفيني هذا . وقال عبد الله : فرأيته قتل كافرا ' . والله أعلم .
____________________

<
> بسم الله الرحمن الرحيم <
> ( ^ اقتربت الساعة وانشق القمر ( 1 ) ) * * * * * * * <
> تفسير سورة القمر <
>
وهي مكية إلا قوله تعالى : ( ^ سيهزم الجمع ويولون الدبر ) والآية التي بعدها . < < القمر : ( 1 ) اقتربت الساعة وانشق . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ اقتربت الساعة ) أي : دنت القيامة ، وهو مثل قوله تعالى : ( ^ أزفت الآزفة ) ، ومثل قوله : ( ^ اقترب للناس حسابهم ) ، وقد روى أنس أن النبي خطب عند مغيربان الشمس حتى كادت تغرب ، فقال : ' ما بقي من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من هذا اليوم فيما مضى منه ' . وعن كعب ووهب : أن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة ، والذي يمضى هو الألف السابع .
وقوله : ( ^ وانشق القمر ) روى ابن مسعود رضي الله عنه قال : بينما نحن مع رسول الله بمنى فانشق القمر فلقتين ، فلقة وراء الجبل ، وفلقة دونه ، وأنزل الله تعالى ( ^ اقتربت الساعة وانشق القمر ) . وعن ابن عباس : أن المشركين سألوا من النبي آية . وروي أنهم قالوا له إن كنت صادقا فشق القمر لنا حتى نرى قطعة منه على أبي قبيس ، وقطعة منه على ( قعيقعان ) ، فدعا الله تعالى وانشق القمر على ما أرادوا ، فقال النبي : ' اشهدوا اشهدوا ' .
____________________

( ^ وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ( 2 ) ) * * * * *
فإن قيل : ابن عباس لم يكن رأى انشقاق القمر ، فكيف تصح روايته ؟ وأما ابن مسعود فقد تفرد بهذه الرواية ، ولو كان قد انشق القمر لرواه جميع أصحاب رسول الله ، وأيضا لو كان ثابتا لرواه جميع الناس ، ولأرخوا له تاريخا ؛ لأنهم قد أرخوا ما دون هذا من الحوادث ، وإنما معنى الآية : انشق القمر أي : ينشق ، وذلك يوم القيامة . ويقال : معنى انشق القمر أي : انكسف .
والجواب : أنه قد ثبت انشقاق القمر بالرواية الصحيحة . رواه ابن مسعود وجبير بن مطعم شهدا بالرؤية ، ورواه ابن عباس وابن عمر وأنس ، وروى بعضهم عن بعضهم عن عبد الله بن عمرو ، ومن المحتمل أنه روي عن رؤية ، وقد كان ابن مسعود روى هذا عن [ رؤيته ] ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ، فكان ذلك اتفاقا منهم ، ثم الدليل القاطع على ثبوته الآية .
وقوله إن معناه سينشق القمر . قلنا : هذا عدول عن ظاهر الآية ، ولا يجوز إلا بدليل قاطع ، ولأن الله تعالى قال : < < القمر : ( 2 ) وإن يروا آية . . . . . > > ( ^ وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ) وهذا دليل على أنهم قد رأوها ، ولأنه سماه آية ، وإنما يكون آية إذا كانت في الدنيا ؛ لأن الآية هاهنا بمعنى الدلالة والعبرة .
وقوله : إن الناس لم يروا . قلنا : يحتمل أنه كان في زمان غفلة الناس ، أو تستر عنهم بغيم ، وقد رد الله تعالى الشمس ليوشع بن نون ، ولم ينقل أرخ لذلك أيضا . وقد ذكر في بعض التفاسير أن أهل مكة قالوا : سحرنا ابن أبي كبشة ، فقال بعضهم : سلوا السفار الذين يقدمون ، فإنه إن كان سحرنا فلا يقدر أن يسحر جميع الناس ، فقدم السفار وسألوهم وأخبروا أنهم قد رأوا .
قوله تعالى : ( ^ وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ) قال الفراء : أي : يشبه بعضه بعضا ، فيحتمل أن يكون معناه : فعله هذا في السحر يشبه سائر أفعاله في
____________________

( ^ وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ( 3 ) ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر ( 4 ) حكمة بالغة فما تغن النذر ( 5 ) * * * * * * السحر ، ويحتمل أن معناه : سحره يشبه سحر موسى وعيسى وغيرهما . وعن بعضهم : أن قوله : ( ^ مستمر ) أي : ذاهب باطل ، يبطل ويذهب بمضي الزمان ، ذكره أبو عبيدة . ويقال : سحر مستمر : أي : شديد محكم . ويقال : استمر من الأرض إلى السماء أي : ظهر سحره في السماء . < < القمر : ( 3 ) وكذبوا واتبعوا أهواءهم . . . . . > >
وقوله : ( ^ وكذبوا واتبعوا أهواءهم ) أي : اتبعه ما دعته نفوسهم إليه من الباطل .
وقوله : ( ^ وكل أمر مستقر ) قال مجاهد : الخير لأهل الخير ، والشر لأهل الشر . ويقال : الجنة لمن يعمل بالطاعة ، والنار لمن يعمل بالمعصية . وقيل : كل أمر مستقر : أي : واقع . وقيل : لكل قول حقيقة وغاية ونهاية في وقوعه وحلوله ، ذكره السدى . وعن بعضهم : ويحتمل أن يكون معناه : الإشارة إلى دوام ثواب المؤمنين في الجنة ، وعقاب الكافرين في النار . < < القمر : ( 4 ) ولقد جاءهم من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد جاءهم من الأنباء ) أي : من الأخبار ، وهي الأقاصيص وأخبار الأنبياء .
وقوله : ( ^ ما فيه مزدجر ) أي : متعظ . يقال : زجرته فانزجر ، وكففته فكف ، ووعظته فاتعظ . < < القمر : ( 5 ) حكمة بالغة فما . . . . . > >
وقوله : ( ^ حكمة بالغة ) معناه أي : القرآن ، وما بلغه الرسول عن الله حكمة بالغة ، أي : تامة كاملة ، ويقال معناه : أنه صواب كله . وقد بينا أن الحكمة هي الإصابة قولا وفعلا .
وقوله : ( ^ فما تغن النذر ) أي : أي شيء تغني النذر . ويقال : ' ما ' بمعنى ' لا ' أي : لا تغني النذر عنهم شيئا ، وهذا في أقوام بأعيانهم ، علم الله منهم أنهم لا يؤمنون ، ( وأنه ) لا ينفعهم إنذار الرسل وإقامة الآيات .
____________________

( ^ فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر ( 6 ) خشعا أبصارهم يخرجون من ) * * * * * * < < القمر : ( 6 ) فتول عنهم يوم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فتول عنهم ) منهم من قال : قوله : ( ^ فتول عنهم ) عليه الوقف ، وبه تم الكلام ثم ابتدأ ، وقال : ( ^ يوم يدع الداع ) ، ومنهم من قال : معناه : فتول عنهم يوم يدعو الداعي . وأما معنى دعاء الداعي . في التفسير أنه قيام إسرافيل عليه السلام على صخرة بيت المقدس ، ونفخه في الصور . ويقال : هو دعاء الناس إلى الحساب .
وقوله : ( ^ إلى شيء نكر ) أي : فظيع شديد هائل . وكل ما يهول الإنسان فهو منكر عنده . ويقال : نكر أي : لا يطاق حمله . وعن مجاهد أنه قرأ : ( ^ يوم يدع الداع إلى شيء نكر ) بخفض الكاف وفتح الراء ، أي : جحد وكفر به ، وهذه قراءة شاذة . وعن ابن عمر أنه قرأ : ( ^ إلى شيء نكر ) بتسكين الكاف وأنشدوا في هذا شعراً
( أبى الله إلا عدله ووفاءه ** فلا النكر معروف ولا العرف ضائع ) < < القمر : ( 7 ) خشعا أبصارهم يخرجون . . . . . > >
وقوله ( ^ خشعا أبصارهم ) أي : خاشعة أبصارهم ، يعني : ذليلة ، وقرئ : ' خاشعا أبصارهم ' ويجوز التوحيد إذا تقدم فعل الجماعة دون ما إذا تأخر ، يقال : مررت بشباب حسان وجوههم ، وحسن وجوههم ، وحسنة وجوههم .
قال الشاعر :
( في شباب حسن أوجههم ** من إياد بن نزار بن معد )
وقوله : ( ^ يخرجون من الأجداث ) أي : من القبور ، واحدتها جدث . وفي لغة تميم هو الجذف . وفي الخبر عن النبي أنه قال : ' مواتهم أجداثهم ' أي : قبورهم .
وقوله تعالى : ( ^ كأنهم جراد منتشر ) أي : داخل بعضهم في بعض كالجراد ، وقال تعالى في موضع آخر : ( ^ كالفراش المبثوث ) هو المنتشر والمختلط أيضا ، لا يقصدون جهة واحدة ، بل ينتشر في جهات مختلفة بخلاف الجراد ، فإن الكل يتبعون جملة واحدة .
____________________

( ^ الأجداث كأنهم جراد منتشر ( 7 ) مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر ( 8 ) كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ( 9 ) فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ( 10 ) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ( 11 ) * * * * * *
وروي أن مريم عليها السلام سألت ربها أن يطعمها لحما بغير دم ، فقالت : اللهم أعشها بغير [ رضاع ] ، وتابع بينها بغير شياع . ثم ذكر أن التوفيق بين الآيتين هو أن الناس إذا خرجوا من قبورهم يختلط بعضهم ببعض ، ولا يتبعون جملة واحدة ، فهم كالفراش المبثوث ، ثم يدعون إلى المحشر أو إلى الحساب فيتبع كلهم الجهة التي يدعون إليها ، فهم كالجراد المنتشر . < < القمر : ( 8 ) مهطعين إلى الداع . . . . . > >
وقوله : ( ^ مهطعين إلى الداع ) أي : مسرعين مقبلين ، ويقال : مهطعين الإهطاع : هو النسلان ، ويقال : الخبب .
وقوله : ( ^ يقول الكافرون هذا يوم عسر ) أي : غير سهل . < < القمر : ( 9 ) كذبت قبلهم قوم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا ) أي : نوحا عليه السلام .
وقوله : ( ^ وقالوا مجنون وازدجر ) أي : زجر بالشتم والسب .
ويقال : زجرا بالتخويف بالقتل ، قاله سعيد بن جبير وقتادة وغيرهما . ويقال : ازدجر ، أي : استطر عقله ، كأنهم قالوا : مجنون ومعتوه . < < القمر : ( 10 ) فدعا ربه أني . . . . . > >
وقوله : ( ^ فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ) أي : انتصر لدينك بالانتقام من أعدائك . < < القمر : ( 11 ) ففتحنا أبواب السماء . . . . . > >
وقوله : ( ^ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ) قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( فتح ) موضع المجرة ، وهي شرج السماء . وفي القصة : أن الله تعالى أرسل الماء من السماء بدون سحاب ، ولم يكن أرسل المطر قبله ولا بعده إلا من
____________________

( ^ وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر ( 12 ) وحملناه على ذات ألواح ودسر ( 13 ) تجري بأعيينا جزاء لمن كان كفر ( 14 ) ) * * * * * سحابة ، وقيل : إن الأبواب هاهنا بطريق المجاز ، والمعنى : أرسلنا من السماء بماء منهمر أي : كثير .
قال الشاعر :
( أعيني جودا بالدموع الهوامر ( على حتى باد من بعد وضامر ) )
ويقال : منهمر أي : منصب سائل . < < القمر : ( 12 ) وفجرنا الأرض عيونا . . . . . > >
قوله : ( ^ وفجرنا الأرض عيونا ) أي : فتحنا عيون الأرض بالماء .
وقوله : ( ^ فالتقى الماء على أمر قد قدر ) أي : التقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قدر كونه ، وهو تغريق أهل الأرض سوى أصحاب السفينة . ويقال : على أمر قد قدر : هو تقدير الماء ، يعني : أن الماء أنزل من السماء وفجر من العيون على كيل وتقدير معلوم . < < القمر : ( 13 ) وحملناه على ذات . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ وحملناه على ذات ألواح ودسر ) أي : على السفينة ذات ألواح ، ودسر أي : مسامير ، ويقال : ودسر أي : معاريض السفينة ، وهي الخشب التي تعرض عليها . ويقال : دسر أي : صدر السفينة ، كأنها قد تدسر الماء بصدرها ، أي : تدفع . < < القمر : ( 14 ) تجري بأعيننا جزاء . . . . . > >
وقوله : ( ^ تجري بأعيننا ) أي : بمرأى منا وحفظ منا .
وقوله تعالى : ( ^ جزاء لمن كان كفر ) أي : جزاء على ما صنع بمن كفر به ، وهو نوح عليه السلام . ويقال : جزاء النوع وهو الذي كفر به ذكره الزجاج وغيره وقيل جزاء عمن كفر به وهو الله تعالى . وقرئ في الشاذ : ' جزاء لمن كان كفر ' وهو ظاهر .
____________________

( ^ ولقد تركناها آية فهل من مدكر ( 15 ) فكيف كان عذابي ونذر ( 16 ) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ( 17 ) كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر ( 18 ) إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر ( 19 ) تنزع الناس ) * * * * * * < < القمر : ( 15 ) ولقد تركناها آية . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد تركناها آية ) أي : تركنا السفينة آيو وعبرة ، قال قتادة : بقيت سفينة نوح ببا قردى من بلاد الجزيرة حتى أدركها أوائل هذه الأمة .
وقوله : ( ^ فهل من مدكر ) أي : متعظ متذكر . < < القمر : ( 16 ) فكيف كان عذابي . . . . . > >
وقوله : ( ^ فكيف كان عذابي ونذر ) أي : كيف كان تعذيبي وإنذاري . < < القمر : ( 17 ) ولقد يسرنا القرآن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) أي : متفكر ، ومعنى تيسر القرآن للذكرى : هو قراءته عن ظهر قلب ، ولم يعط هذا في كتاب الله غير هذه الأمة ، فإن أهل الكتابين إنما يقرءوا فهما عن الصحف . < < القمر : ( 18 ) كذبت عاد فكيف . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر ) أي : تعذيبي وإنذاري لهم . < < القمر : ( 19 ) إنا أرسلنا عليهم . . . . . > >
وقوله : ( ^ إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا ) أي : باردة ، ويقال : شديدة الهبوب .
وقوله : ( ^ في يوم نحس ) أي : في يوم مشئوم ، وعن جعفر بن محمد قال : كان في أربعاء لا تدور ، ذكره النقاش . ويقال : كان زحل راجعا هابطا ، وهو ضعيف متروك .
وقوله : ( ^ مستمر ) أي : دائم الشؤم ، ودوام الشؤم أن الريح استمرت بهم سبع ليال وثمانية أيام . ويقال : مستمر أي : استمر بهم العذاب حتى أوقعهم في جهنم . < < القمر : ( 20 ) تنزع الناس كأنهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ تنزع الناس ) أي : تقلع الناس . وفي القصة : أن الريح كانت تقلعهم ، وتجعل أعلاهم أسفلهم وأسفلهم أعلاهم . قال الحسن البصري : لما جاءت الريح أخذ بعضهم بيد بعض ، وجعلوا دست ، وضربوا بأقدامهم على الحجر حتى رسخت فيه ، وقالوا : من الذي يزيلنا من أماكننا ؟ وفي القصة : أن طول الواحد منهم كان ستمائة ذراع وخمسمائة ، والأقصر ثلاثمائة ذراع بذراعهم ، فلما فعلوا ذلك خرجت من تحت أقدامهم وقلعتهم .
____________________

( ^ كأنهم أعجاز نخل منقعر ( 20 ) فكيف كان عذابي ونذر ( 21 ) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ( 22 ) كذبت ثمود بالنذر ( 23 ) فقالوا أبشرا منا واحد نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر ( 24 ) أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو ) * * * * * * * * * *
وقوله : ( ^ كأنهم أعجاز نخل منقعر ) أي : أصول نخل منقلع . فإن قيل : قد قال في موضع آخر : ( ^ كأنهم أعجاز نخل خاوية ) وقال ها هنا : ( ^ منقعر ) ولم يقل منقعرة . قلنا : النخل يذكر ويؤنث . فإن قيل : فلم شبه بأصول النخل لا بجميعه ؟ قلنا في القصة : أن الريح كانت تقلع رءوسهم أولا ، ثم تخرب أجسادهم وتجعلها ( كأصول ) النخل ، فهو معنى الآية . < < القمر : ( 21 ) فكيف كان عذابي . . . . . > >
وقوله : ( ^ فكيف كان عذابي ونذر ) قد بينا . < < القمر : ( 22 ) ولقد يسرنا القرآن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) . < < القمر : ( 23 ) كذبت ثمود بالنذر > >
( ^ كذبت ثمود بالنذر ) أي : بالرسل . ويجوز أن يكون أراد به صالحا وحده ، وذكر الواحد باسم الجمع . < < القمر : ( 24 ) فقالوا أبشرا منا . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه ) أي : نتبع بشرا منا واحدا . قالوا على طريق الإنكار ، أي : لا نتبعه .
وقوله : ( ^ إنا إذا لفي ضلال وسعر ) أي : في ضلال وعناء ، ويقال : في ضلال وجنون . يقال : ناقة مسعورة ، أي : كالمجنونة من النشاط . < < القمر : ( 25 ) أؤلقي الذكر عليه . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أؤلقي الذكر عليه من بيننا ) أي : النبوة .
وقوله : ( ^ بل هو كذاب أشر ) أي : كذاب متكبر . والأشر : البطر الفرح ، كأنه يتكبر بطرا وفرحا .
____________________

( ^ كذاب أشر ( 25 ) سيعلمون غدا من الكذاب الأشر ( 26 ) إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر ( 27 ) ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر ) * * * * * * < < القمر : ( 26 ) سيعلمون غدا من . . . . . > >
وقوله : ( ^ سيعلمون غدا من الكذاب الأشر ) أي : يوم القيامة حتى يلقون جزاء أعمالهم . وقرئ في الشاذ : ' من الكذاب الأشر ' وقرئ أيضا : ' الأشر ' بضم الشين . والأشر والأشر بمعنى واحد ، وهو مثل حذر وحذر . < < القمر : ( 27 ) إنا مرسلو الناقة . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم ) في القصة : أن قوم صالح طلبوا منه أن يخرج من هذه الصخرة وأشاروا إلى صخرة بعينها ناقة حمراء عشراء ، والعشراء : هي الناقة الحامل التي أتى على حملها عشرة أشهر ، وتلد سقبا في الحال ، ثم ترد ماءهم وتشرب جميع ما فيها ، وتعطي لبنا بقدر ما شربت من الماء ، فأعطاهم الله تعالى هذه الآية . وروي أن الصخرة تمخضت كما تتمخض الناقة عند الولادة ، ووضعت ناقة في الحال كأعظم ما يكون . وروي أن عظم الناقة كان بحيث إذا مشت بين الوادي أخذ بطنها ما بين الجبلين .
وقوله : ( ^ فتنة لهم ) أي : اختبارا لهم .
وقوله : ( ^ فارتقبهم واصطبر ) أي : انتظرهم واصبر . < < القمر : ( 28 ) ونبئهم أن الماء . . . . . > >
وقوله : ( ^ ونبئهم أن الماء قسمة بينهم ) أي : للناقة يوم ولهم يوم .
وقوله : ( ^ كل شرب محتضر ) أي : كل نصيب بحضرة من له . < < القمر : ( 29 ) فنادوا صاحبهم فتعاطى . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فنادوا صاحبهم ) يعني : قدار بن سالف ، وهو أحمر ثمود . وفي المثل : أشأم من أحمر عاد . يعني : على قومه . وإنما قيل : عادا لأن ثمود من نسب عاد . وفي الخبر أن النبي قال : ' انبعث له يعني لقتل الناقة رجل عزيز في قومه مثل [ أبي ] زمعة ' .
____________________

( ( 28 ) فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ( 29 ) فكيف كان عذابي ونذر ( 30 ) إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتضر ( 31 ) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ( 32 ) كذبت قوم لوط بالنذر ( 33 ) إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر ( 34 ) ) * * * * * * *
وقوله : ( ^ فتعاطى فعقر ) أي : ارتكب المعصية فعقر الناقة . والعقر : هو القتل . وفي الخبر : ' أفضل الجهاد من أريق دمه وعقر جواده ' . < < القمر : ( 30 ) فكيف كان عذابي . . . . . > >
وقوله : ( ^ فكيف كان عذابي ونذر ) قد بينا . < < القمر : ( 31 ) إنا أرسلنا عليهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة ) في القصة : أن جبريل عليه السلام قام في جانب قريتهم ، وصاح عليهم صيحة واحدة ، فماتوا جميعا .
وقوله : ( ^ فكانوا كهشيم المحتضر ) الهشيم ما يبس من النبات والشجر ، والهشيم هاهنا : ما تناثر من التراب عن الجواد ، يعني : صاروا كذلك .
وقوله : ( ^ المحتضر ) وفرئ : ' المحتضر ' بفتح الظاء . قال أهل المعاني : هو أن يأخذ الراعي حظيرة حوالي غنمه من شوك وشجر ، فإذا يبس وتناهى في اليبس تكسر وتشتت ، فشبهم حين هلكوا بذلك . وأما المحتضر هو الذي يتخذ الحظيرة ، والمحتضر بالفتح هو المتخذ . < < القمر : ( 32 ) ولقد يسرنا القرآن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) أي : متعظ . قال قتادة : هل من طالب خير فيعان عليه . < < القمر : ( 33 ) كذبت قوم لوط . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ كذبت قوم لوط بالنذر ) فإن قيل : كيف قال : ( ^ بالنذر ) ولوط كان واحدا ؟ قلنا : لأن من كذب واحدا من الرسل ، فكأنه كذب جميع الرسل . < < القمر : ( 34 ) إنا أرسلنا عليهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إنا أرسلنا عليهم حاصبا ) أي : ريحا ذات حصباء ، وهي الحجارة .
قوله : ( ^ إلا آل لوط نجيناهم بسحر ) هو لوط وابنتاه . وفي الخبر : أنه وأعنزة بين
____________________

( ^ نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر ( 35 ) ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر ( 36 ) ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ( 37 ) ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر ( 38 ) ) * * * * * * يديه ، وهي أربعون يسوقها ، وهو آخذ بيد ابنته الكبرى بيمينه ، وبيد ابنته الصغرى بيساره ، وامرأته خلفه ، فلما سمعوا الوصية في هلاك القوم سجد هو وابنتاه شكرا ، والتفتت المرأة فأصابتها الحجارة وهلكت . < < القمر : ( 35 ) نعمة من عندنا . . . . . > >
وقوله : ( ^ نعمة من عندنا ) أي : إنعاما من عندنا .
وقوله : ( ^ كذلك نجزي من شكر ) أي : شكر نعم الله . < < القمر : ( 36 ) ولقد أنذرهم بطشتنا . . . . . > >
وقوله : ( ^ ولقد أنذرهم بطشتنا ) أى خوفهم بطشتنا بهم في الإهلاك
وقوله ( ^ فتماروا بالنذر ) أي : شكوا برسالة الرسل . < < القمر : ( 37 ) ولقد راودوه عن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد راودوه عن ضيفه ) أي : طلبوا من لوط أن يسلم إليهم أضيافه . وفي القصة : أن جبريل عليه السلام جاء ومعه ملكان ، وكان قوم لوط قد قالوا له : إنا لا نمتنع من عملنا ، فإياك أن تضيف أحدا من الغرباء ، فلما جاء جبريل عليه السلام مع الملكين في صورة البشر ، مرت العجوز الخبيثة وأخبرتهم بورودهم ، وذكرت لهم حسن وجوههم ، فجاءوا يطلبون الفاحشة ، فهو معنى قوله تعالى : ( ^ راودوه عن ضيفه ) .
وقوله : ( ^ فطمسنا أعينهم ) روي أن جبريل عليه السلام صفق أعينهم صفقة بجناحه ، فصاروا عميانا يلتمسون الجدار بالأيدي . وروي أن وجوههم صارت سطحا واحدا ما بقي عليها أثر شيء .
وقوله : ( ^ فذوقوا عذابي ونذر ) أي : فذوقوا عذابي وعاقبة إنذاري . < < القمر : ( 38 ) ولقد صبحهم بكرة . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر ) أي : نزل بهم العذاب واستقر بكرة . ومعنى الاستقرار هو هلاكهم بذلك العذاب .
____________________

فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ولقد جاء آل فرعون النذر كذبوا بآياتنا كلها فأخذهم أخذ عزيز مقتدر أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في الزبر أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر < < القمر : ( 39 ) فذوقوا عذابي ونذر > >
وقوله ( ^ فذوقوا عذابي ونذر ) قد بينا . < < القمر : ( 40 ) ولقد يسرنا القرآن . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) قد ذكرنا . < < القمر : ( 41 ) ولقد جاء آل . . . . . > >
وقوله : ( ^ ولقد جاء آل فرعون النذر ) يعني : موسى وهارون ، ويقال : جاءهم الإنذار . < < القمر : ( 42 ) كذبوا بآياتنا كلها . . . . . > >
وقوله : ( ^ كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ) أي : قوي قادر ، وقد بينا معنى العزيز القادر . < < القمر : ( 43 ) أكفاركم خير من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أكفاركم خير من أولئكم ) معناه : أكفاركم خير من الكفار الذين كانوا قبلكم ، يعني : ليسوا بخير منهم ، فكما أهلكناهم فسنهلك هؤلاء .
وقوله : ( ^ أم لكم براءة في الزبر ) أي : براءة من الكتب أنا لانهلككم كما أهلكنا من قبلكم . < < القمر : ( 44 ) أم يقولون نحن . . . . . > >
وقوله : ( ^ أم يقولون نحن جميع منتصر ) يعني : أيقولون نحن جميع ينصر بعضنا بعضا ، أو ننتصر من أعدائنا . وفي المغازي أنه لما كان يوم بدر خرج أبو جهل على قدميه ، وهو يقول : نحن جميع منتصر ، فأنزل الله تعالى قوله : ( ^ سيهزم الجمع ويولون الدبر ) ، قال عمر : فرأيت النبي يثب في درعه ، ويقول : ' سيهزم الجمع ويولون الدبر ' . وفي بعض التفاسير : أن عمر رضي الله عنه قال : < < القمر : ( 45 ) سيهزم الجمع ويولون . . . . . > > نزل قوله تعالى : ( ^ سيهزم الجمع ويولون الدبر ) ولم أعرف تأويله ، حتى كان يوم بدر فرأيت النبي
____________________

( ^ بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ( 46 ) إن المجرمين في ضلال وسعر ( 47 ) يوم يحبسون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر ( 48 ) إنا كل شيء ) * * * * * * يثب في درعه ويقول : ' سيهزم الجمع ويولون الدبر ' . وهذا الخبر دليل أيضا أن هذه الآية مكية ، وقد بينا في رواية أخرى أنها مدنية . والدبر بمعنى الأدبار . < < القمر : ( 46 ) بل الساعة موعدهم . . . . . > >
وقوله : ( ^ بل الساعة موعدهم ) أي : القيامة موعدهم ، وسميت الساعة لقرب كونها . وقيل : سميت ساعة ؛ لأنها كائنه لا محالة كالوقت ، وهو كائن لا محالة فسمى ساعة .
وقوله : ( ^ والساعة أدهى وأمر ) أي : أقطع وأشد . والداهية : كل أمر لا يهتدي إلى الخروج منه . ' وأمر ' : هو من المرارة . < < القمر : ( 47 ) إن المجرمين في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن المجرمين في ضلال وسعر ) قد بينا . وعن الأخفش : أن السعر جمع السعير جمع السعير ، ويقال معناه : في نار يحترقون فيها ولا يعلمونها ، وهذا إشارة إلى العاقبة ، وما يصير إليه حالهم . < < القمر : ( 48 ) يوم يسحبون في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يوم يسحبون في النار على وجوههم ) قال ابن مسعود : ' يوم يسحبون في النار ' . والمعروف الأول ، وهو من السحب والجر .
وقوله : ( ^ ذوقوا مس سقر ) أي : يقال لهم ذلك ، وهو على طريق المجاز ، كما يقول القائل لغيره وهو يضربه : ذق وبال أمرك ، أي : عمله ، ومثله كثير في العربية وكلامهم . < < القمر : ( 49 ) إنا كل شيء . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إنا كل شيء خلقناه بقدر ) نصب كل بتقدير فعل محذوف ، وكأنه قال : إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر . وقد ثبت عن النبي أنه قال : ' كل
____________________

( ^ خلقناه بقدر ( 49 ) وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ( 50 ) ولقد أهلكنا أشياعكم ) * * * * * * شيء بقدر حتى الكيس والعجز ' . وعن ابن عباس : كل شيء بقدر حتى وضعك يدك على خدك . وعن علي : ما طن ذباب إلا بقدر .
وعن أبي أمامة الباهلي قال : أشهد أن هذه الآية نزلت في القدرية ردا عليهم وتلا هذه الآية : ( ^ إنا كل شيء خلقناه بقدر ) وهو خبر غريب .
وعن الحسن البصري رحمه الله أنه قال : لو صام إنسان حتى يصير كالحبل هزلا ، وصلى حتى يصير كوتد ، وذبح ظلما بين الركن والمقام ، ثم كان مكذبا بقدر الله ، لأدخله الله النار ، ويقال له : ذق مس سقر .
وفي رواية عائشة أن النبي قال : ' إذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين خصماء الرحمن ؟ فيقوم القدرية ثم تلا قوله : ( ^ إن المجرمين في ضلال وسعر ) وما بعدها ' . وخصومتهم أنهم يقولون : قدرت علينا المعاصي وكيف تعذبنا ؟ < < القمر : ( 50 ) وما أمرنا إلا . . . . . > >
وقوله : ( ^ وما أمرنا إلا واحدة ) يعني : إلا مرة واحدة .
وقوله : ( ^ كلمح بالبصر ) أي : كسرعة اللمح بالبصر في النفوذ والوقوع ، وفي بعض التفاسير في قوله تعالى : ( ^ إنا كل شيء خلقناه بقدر ) أي : جعلنا لكل شيء ما يصلح له ، مثل ثياب الرجال للرجال ، وثياب النساء للنساء ، والسرج للفرس ، والإكاف للحمار ، وما أشبه ذلك ، والمعنى : أي : قدرنا لكل شيء ما يصلح له ، ذكره
____________________

( ^ فهل من مدكر ( 51 ) وكل شيء فعلوه في الزبر ( 52 ) وكل صغير وكبير مستطر ( 53 ) إن المتقين في جنات ونهر ( 54 ) في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) ) * * * * * * * * * * بن فارس في تفسيره . < < القمر : ( 51 ) ولقد أهلكنا أشياعكم . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ ولقد أهلكنا أشياعكم ) أي : أشبابهكم ونظراءكم من الكفار .
وقوله : ( ^ فهل من مدكر ) أي : متعظ . < < القمر : ( 52 ) وكل شيء فعلوه . . . . . > >
وقوله : ( ^ وكل شيء فعلوه في الزبر ) أي : مسطور مكتوب في الزبر . ويقال : كل شيء محفوظ في الزبر . < < القمر : ( 53 ) وكل صغير وكبير . . . . . > >
وقوله : ( ^ وكل صغير وكبير مستطر ) أي مسطور مكتوب في اللوح المحفوظ . وفي الآثار المروية عن ابن عباس أنه قال : خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء ودفتاه من ياقوت أحمر ، قلمه ذهب وكتابه نور ، ينظر الله كل يوم فيه ثلاثمائة وستين نظرة ، يخلق ، ويحيي ، ويميت ، ويرزق ، ويفعل ما يشاء . وهذا أثر معروف . < < القمر : ( 54 ) إن المتقين في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إن المتقين في جنات ونهر ) في بعض الآثار : أن الرجل لا يكون متقيا حتى يدع ما ليس به بأس حذرا مما به بأس ، وقد روى بعضهم هذا مرفوعا إلى النبي ، وهو غريب .
وقوله تعالى : ( ^ في جنات ونهر ) أي : بساتين وأنهار ، واحد بمعنى الجمع ، والأنهار هذه ما ذكرها الله تعالى في ' سورة محمد ' .
والقول الثاني : أن معنى قوله : ( ^ في جنات ونهر ) أي : ضياء وسعة .
قال قيس بن الخطيم :
( ملكت بها كفى فأنهرت فتقها ** يرى قائما من دونها ما وراءها )
أي : أوسعت . وقرئ : ' في جنات ونهر ' بضم النون والهاء ، وهو بمعنى النهار .
وقال الشاعر :
____________________


( لولا الثريدان هلكنا بالضمم ** ثريد ليل وثريد بالنهر )
وعن أبي عمران الجوني قال : ليس في الجنة ليل ، هو نهار كله ، ويعرف مجيء النهار بفتح الأبواب ورفع الستور ، ويعرف مجيء الليل برد الأبواب وإرخاء الستور . < < القمر : ( 55 ) في مقعد صدق . . . . . > >
وقوله : ( ^ في مقعد صدق ) أي : مجلس حسن ، ويقال : في مقعد لا لغو فيه ولا تأثيم . وكل مكان ليس فيه لغو ولا تأثيم ، فهو مقعد صدق .
وقوله : ( ^ عند مليك مقتدر ) يقال : إن الملك والمليك بمعنى واحد .
قال ابن الزبعري :
( يا رسول المليك إن لساني ** رائق ما فتقت إذ أنا بور )
أي : رسول الملك . وقيل : إن المليك هو المستحق للملك ، والملك : القائم بالملك . ومعنى الآية : ذكر كرامة المؤمنين وقربهم من الله تعالى ، وهو النهاية في الإكرام .
____________________

<
> بسم الله الرحمن الرحيم <
> ( ^ الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان الشمس ) <
> تفسير سورة الرحمن <
>
وهي مكية في قول الأكثرين وقال بعضهم هي مدنية < < الرحمن : ( 1 ) الرحمن > >
قوله تعالى ( ^ الرحمن ) قال الحسن هو اسم لا يستطيع أحد أن ينتحله ويقال اسم ممتنع وإنما لم يصح أن يقال لغير وصح أن يقال راحم ورحيم لأن معنى الرحمن أن رحمته وسعت كل شيء وهذا لا يصح في غير الله جل وعلا وحكى بعضهم أن الرحمن هو مجموع فواتح ثلاث سور ' الر - حم - ن ' . < < الرحمن : ( 2 ) علم القرآن > >
وقوله ( ^ علم القرآن ) أى يسر وسهل تعلمه . < < الرحمن : ( 3 ) خلق الإنسان > >
وقوله ( خلق الإنسان ) قال قتادة : هو آدم - صلوات الله عليه - وقال الضحاك هو محمد وعن بعضهم هو جنس الناس واحد بمعنى الجمع مثل قوله تعالى ( ^ والعصر إن الإنسان لفى خسر ) اى الناس . < < الرحمن : ( 4 ) علمه البيان > > وقوله ( ^ علمه البيان ) فعلى القول الذي قلنا إن المراد به آدم فمعنى تعليم البيان تعليم الأسماء وعلى القول الذي يقول إنه محمد فمعنى تعليم البيان هو أنه بين له الحلال والحرام ويقال بين له طريق الهدى وطريق الضلالة ويقال بين الخير والشر وإذا حملنا على جنس الناس فمعنى البيان هو المنطق والكلام وكل عاقل مميز له بيان يعقله وتمييزه . < < الرحمن : ( 5 ) الشمس والقمر بحسبان > >
وقوله ( ^ الشمس والقمر بحسبان ) أى بحساب قاله مجاهد وغيره ويقال بحسبان أي بجرى معلوم في منازل معلومة وقال السدي بأجل معلوم فإذا بلغا أجلهما هلكا . وقيل الحسبان قطب الرحا والمعنى أنهما يدوران كما يدور ( ^ والقمر بحسبان ( 5 ) والنجم والشجر يسجدان ( 6 ) والسماء رفعها ووضع الميزان ( 7 ) ألا تطغوا في الميزان ( 8 ) وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ( 9 ) والأرض وضعها للأنام ( 10 ) * * * * * * * * * * الرحا على القطب . < < الرحمن : ( 6 ) والنجم والشجر يسجدان > >
وقوله : ( ^ والنجم والشجر يسجدان ) قال أهل اللغة : النجم كل ما نبت لا على ساق ، والشجر ما نبت على ساق . ويقال : النجم نجم السماء ، والشجر جميع الأشجار . وأما سجودهما ، قال ابن عباس : يسجدان إذا طلعت الشمس وإذا قالت الشمس إلى أن تغرب . ويقال : سجودهما هو ما سخرهما الله تعالى على مشيئته وأمره . والأولى هو أن يقال : إن سجود الموات ثابت بنص الكتاب ، هو على ما أراد الله تعالى ، والعلم بحقيقته موكول إليه ، وهو مذهب أهل السنة . ويقال : سجودهما بدوران الظل يمينا وشمالا . < < الرحمن : ( 7 ) والسماء رفعها ووضع . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ والسماء رفعها ) أي : أعلاها بحيث لا تنالها الأيدي .
وقوله : ( ^ ووضع الميزان ) فيه قولان ، أحدهما : أنه الميزان المعروف ، والآخر : أن المراد منه العدل . < < الرحمن : ( 8 ) ألا تطغوا في . . . . . > >
وقوله : ( ^ أن لا تطغوا في الميزان ) قرأ ابن مسعود : ' لا تطغوا في الميزان ' أي : لا تجوروا فيه ، ولا تجوزوا الحد . والطغيان : مجاوزة الحد . < < الرحمن : ( 9 ) وأقيموا الوزن بالقسط . . . . . > >
وقوله : ( ^ وأقيموا الوزن بالقسط ) أي : بالعدل . وإقامة الوزن : إقامة لسان الميزان من غير ميل وجور .
وقوله : ( ^ ولا تخسروا الميزان ) أي : لا تنقصوا ولا تبخسوا . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : يا معشر الموالي يعني : العجم إنكم وليتم أمر من فيهما هلك كثير من الأمم قبلكم المكيال والميزان . < < الرحمن : ( 10 ) والأرض وضعها للأنام > >
قوله تعالى : ( ^ والأرض وضعها للأنام ) أي : بسطها . وفي الأنام ثلاثة أقوال ، أحدها : ذكره الحسن البصري أنه الجن والإنس . والآخر : أنه الإنس خاصة . والثالث :
____________________

( ^ فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام ( 11 ) والحب ذو العصف والريحان ( 12 ) فبأي ) * * * * * * * * كل ما دب ودرج . < < الرحمن : ( 11 ) فيها فاكهة والنخل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فيها فاكهة ) الفاكهة كل ما يتفكه به .
وقوله : ( ^ ذات الأكمام ) جمع الكم ، والكم : كل ما يغطي شيئا ، ومنه الكم المعروف ، فلأنها تغطي اليد . والقلنسوة تسمى الكمة ؛ لأنها تغطي الرأس . ومعتى الكم هاهنا : هو الغلاف الذي يكون لثمرة النخل ، ويقال : الكم هو الطلع . < < الرحمن : ( 12 ) والحب ذو العصف . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ والحب ذو العصف والريحان ) العصف : ورق الزرع ، فإذا يبس صار تبنا ، ويقال : العصف هو البقل الذي ينبت من الأرض .
وقوله : ( ^ والريحان ) أي : الثمرة . قال ابن كيسان : إذا نبت الزرع فأوله يكون عصفا ، ثم يظهر فيه الريحان ، وهو ثمرته . وقيل : إن الريحان هو الرزق ، قال الشاعر :
( سلام الإله وريحانه ** ورحمته وسماء درر )
قال الحسن البصري : هو الريحان الذي يشم . وأولى الأقاويل أن العصف هو التبن ، والريحان هو الحب الذي خلق فيه للأكل ، سماه ريحانا ؛ لأن منه رزق العباد . وفي المصاحف : ' والحب والعصف ' ومعناه : وخلق الحب ذا العصف . < < الرحمن : ( 13 ) فبأي آلاء ربكما . . . . . > >
وقوله : ( ^ فبأي آلاء ربكما تكذبان ) معناه : بأي نعم ربكما تكذبان أيها الإنس والجن ؟ والمراد من الآلاء النعم التي عدها من قبل . وقد ثبت برواية محمد بن المنكدر عن جابر أن النبي قرأ سورة الرحمن على أصحابه ، فلم يجيبوا بشيء ، فقال : ' ما لي أراكم سكوتا ! للجن كانوا أحسن منكم ردا ، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة ( ^ فبأي آلاء ربكما تكذبان ) إلا قالوا : ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب ، فلك الحمد ' . ( ^ آلاء ربكما تكذبان ( 13 ) خلق الإنسان من صلصال كالفخار ( 14 ) وخلق الجان من مارج من نار ( 15 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 16 ) ) * * * * * * < < الرحمن : ( 14 ) خلق الإنسان من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ خلق الإنسان من صلصال كالفخار ) الصلصال : الطين اليابس الذي يصوت إذا نقر وحرك .
وقوله : ( ^ كالفخار ) أي : الخزف . فإن قيل : قد قال في موضع آخر : ( ^ من طين لازب ) ، وقال في موضع : ( ^ من حمأ مسنون ) ، وقال هاهنا : ( ^ من صلصال ) فكيف وجه التوفيق ؟
الجواب عنه : أن الجميع صحيح على القطع ، فالله تعالى خلق آدم من تراب جعله طينا لازبا ، ثم جعله حمأ مسنونا ، ثم جعله صلصالا كالفخار ، ثم صوره . قال قتادة : هو الماء يصيب الأرض ، ثم يذهب الماء فيجف موضع الماء وييبس وينشق ، فهو الصلصال كالفخار . وذكر أبو الحسين بن فارس في تفسيره : أنه ورد في بعض الحديث أن الله تعالى حين أراد أن يخلق آدم عليه الصلاة والسلام جعل التراب طينا لازبا ، وتركه أربعين سنة ، ثم جعله صلصالا كالفخار ، وتركه أربعين سنة ، ثم صوره وتركه جسدا لا روح فيه أربعين سنة ، وكانت الملائكة يمرون عليه فيقولون : سبحان الذي خلقك لامر ما خلقك . وقد ثبت عن النبي ' أن إبليس عليه اللعنة لما رأى الصورة فوجده أجوف ، فعلم أنه خلق لا يتمالك ' . < < الرحمن : ( 15 ) وخلق الجان من . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وخلق الجان من مارج من نار ) أي : من لهب النار . ويقال : خالص النار . وإن الجان هو أبو الجن . < < الرحمن : ( 16 ) فبأي آلاء ربكما . . . . . > >
وقوله : ( ^ فبأي آلاء ربكما تكذبان ) قد بينا معناه . وقال الحسن : الجان هو
____________________

( ^ رب المشرقين ورب المغربين ( 17 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 18 ) مرج البحرين يلتقيان ( 19 ) بينهما برزخ لا يبغيان ( 20 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 21 ) * * * * * إبليس .
وقوله : ( ^ من مارج من نار ) قد ذكرنا . وقال سعيد بن جبير : المارج : الخضرة التي تكون بين النار وبين الدخان . ويقال : المارج نار مختلطة بسواد . وقال الفراء في قوله : ( ^ من نار ) : هي نار دون الحجاب ، ومنها الصواعق التي يراها الناس . < < الرحمن : ( 17 ) رب المشرقين ورب . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ رب المشرقين ورب المغربين ) معناه : مشرق الصيف ، ومشرق الشتاء . والذي قال في موضع آخر : ( ^ رب المشرق والمغرب ) هو مشرق كل يوم في الصيف والشتاء . ويقال : المشرقان : الشمس والفجر ، والمغربان : الشمس والشفق . < < الرحمن : ( 19 ) مرج البحرين يلتقيان > >
قوله تعالى : ( ^ مرج البحرين يلتقيان ) أي : خلاهما وأرسلهما ، قاله الفراء والزجاج وغيرهما ، وعن بعضهم : مرج البحرين أي : لاقى بينهما .
وقوله : ( ^ البحرين ) فيه أقوال : قال مجاهد : بحر السماء والأرض . وقال الحسن : بحر فارس والروم . ويقال : بحر المشرق والمغرب . ويقال : بحر الملح والعذب .
وقوله : ( ^ يلتقيان ) أي : يلقي أحدهما صاحبه . < < الرحمن : ( 20 ) بينهما برزخ لا . . . . . > >
وقوله : ( ^ بينهما برزخ لا يبغيان ) أى حاجزه وقوله : لا يبغيان أي : لا يخلتط أحدهما بالآخر ، لا يختلط الملح بالعذب [ فيفسده ] ، ولا العذب بالملح فيختلج . ويقال : الحاجز حاجز من القدرة .
والآية وردت في موضع مخصوص من بحر فارس والروم . وقيل : في موضع مخصوص من العذب والملح . والعذب هو النيل ، والملح هو بحر الروم ، يلتقيان ولا يختلطان .
____________________

( ^ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ( 22 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 23 ) وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام ( 24 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 25 ) ) * * * * * * *
وقال بعضهم : الحاجز هو الأرض من بحر السماء وبحر الأرض . وعن بعضهم : أن الحاجز هو جزيرة العرب . < < الرحمن : ( 22 ) يخرج منهما اللؤلؤ . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) وقرئ : ' يخرج ' و ' يخرج ' أي : يخرج الله . وأما اللؤلؤ ، فهو الحب المعروف منه الصغار والكبار ، وأما المرجان ، قال ابن مسعود : هو خرز أحمر . ويقال : إنه [ البسد ] جوهر معروف . وقال قتادة وغيره : المرجان كبار اللؤلؤ ، واللؤلؤ صغاره ، وقيل على العكس : المرجان صغار اللؤلؤ ، واللؤلؤ كباره . فإن قيل : قد قال : ( ^ يخرج منهما ) وأجمع أهل العلم بهذا الشأن أنه يخرج من الملح دون العذب . والجواب : أنه ذكرهما والمراد أحدهما ، كما تقول العرب : أكلت خبزا ولبنا ، وإنما الأكل في أحدهما دون الآخر . قال الزجاج : لما ذكر البحرين ثم ذكر اللؤلؤ والمرجان ، وهو يخرج من أحدهما ، صحب الإضافة إليهما على لسان العرب . وذكر القفال الشاشي في تفسيره : أن اللؤلؤ والمرجان لا يكون إلا في ملتقى البحرين في أول ما يخلق ، ثم حينئذ موضع الأصداف هو البحر الملح دون العذب ، فصح قوله : ( ^ يخرج منهما ) لأنهما في ابتداء عند ملتقى البحرين ، وهذا قول حسن إن كان كذلك . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس : أن السماء إذا أمطرت ارتفعت الأصداف إلى وجه البحر وفتحت أفواهها ، فما وقع من قطر السماء في أفواها يكون الدر . < < الرحمن : ( 24 ) وله الجوار المنشآت . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وله الجوار المنشآت ) وقرئ بكسر الشين ، والأول أشهر ؛ فمعنى الكلمة على الفتح أي : المرفوعات الشرع ، ويقال : المخلوقات . ومعنى الكلمة بالكسر أي : المقيلات ، ويقال : المبتدئات في السير ، فعلى هذا المعنى إذا قرئ بالفتح فمعناه : أبتدئ بهن في السير ، ذكره الأزهري . والجواري : هي السفن .
وقوله : ( ^ في البحر كالأعلام ) أي : الجبال ، قال الشاعر :
____________________

( ^ كل من عليها فان ( 26 ) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ( 27 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 28 ) يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن ( 29 ) فبأي آلاء ) * * * * *
( إذا قطعن علما بدا علم **
وقالت الخنساء :
( وإن صخرا ليأتم الهداة به ** كأنه علم في رأسه نار )
أي : جبل . ويقال : كالأعلام أي : كالقصور . وعن بعضم : أن السفن في البحر كالجبال في البر . < < الرحمن : ( 26 ) كل من عليها . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ كل من عليها فان ) أي : كل من على الأرض هالك . < < الرحمن : ( 27 ) ويبقى وجه ربك . . . . . > >
وقوله : ( ^ ويبقى وجه ربك ) أي : يبقى ربك ، وروى الضحاك عن ابن عباس : أنه يبقى ما أريد به وجه ربك .
وقوله : ( ^ ذو الجلال والإكرام ) أي : الكبرياء والعظمة . وأما الإكرام : هو ما أكرم أولياءه ، وأصفياءه . < < الرحمن : ( 29 ) يسأله من في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يسأله من في السموات والأرض ) في الآية أقوال : أحدها : يسأله من في السماء الرحمة ، ومن في الأرض الرزق والمغفرة . قال الكلبي : لا يستغني عنه أحد من أهل السماء وأهل الأرض . وقال قتادة : يسأله أهل السماء وأهل الأرض المغفرة . وعن بعضهم : يسأله من في السماء أي : الملائكة لأهل الأرض المغفرة والرزق ، ويسأله من في الأرض لأنفسهم المغفرة والرزق ، وهذا قول الحسن البصري . فالمسئول له في السؤالين أهل الأرض . والجملة أن معنى الآية : أن كل أهل السماء وأهل الأرض يسألونه حوائجهم ، ولا غنى لأحد عنه .
وقوله : ( ^ كل يوم هو في شأن ) روى أبو الدرداء عن النبي قال : ' يغفر ذنبا ،
____________________

( ^ ربكما تكذبان ( 30 ) سنفرغ لكم أيها الثقلان ( 31 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 32 ) يا ) * * * * * ويفرج كربا ، ويرفع قوما ، ويضع آخرين ' .
وعن بعضهم : يعطي سائلا ، ويجيب داعيا ، ويفك عانيا . وعن بعضهم : يحيي ويميت ، ويعز ويذل ، ويخلق ويرزق . وعن بعضهم : يعتق رقابا ، ويعطي رغابا ، ويفحم خطابا . < < الرحمن : ( 31 ) سنفرغ لكم أيها . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ سنفرغ لكم أيها الثقلان ) أي : الجن والإنس .
والثقل في كلام العرب : كل ما يتنافس فيه ، ويسمون بيض النعامة ثقلا ؛ لأنه يتنافس فيها . وفي الخبر أن النبي قال : ' تركت فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي ' . وهو إخبار عن عظم قدرهما . فإن قيل : قد قال : ( ^ سنفرغ ) والفراغ لا يكون إلا عن شغل ، ولا يجوز الشغل على الله تعالى ، فكيف معناه ؟
والجواب : أن هذا على طريق التهديد والوعيد ، كالإنسان يقول لغيره : سأفرغ لك ، وإنه لم يكن في الحال في شغل . وقال الزجاج : والفراغ يكون على وجهين : أحدهما : الفراغ من الشغل . والآخر : بمعنى القصد ، كالرجل يقول لغيره : قد تفرغت لأذاى ومكروهي أى أخذت في كروهى وأذاى ويقول الرجل لغيره اصبر حتى أتفرغ
____________________

( ^ معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ( 33 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 34 ) يرسل عليكما شواظ من نار ) * * * * لك أي : أقصدك وأعمدك ، فمعنى قوله : ( ^ سنفرغ لكم ) أي : سنقصد ونعمد بلمؤاخذة والمجازاة .
وأنشد المبرد في هذا المعنى قول جرير :
( لما اتقى القين العراقي [ باسته ] ** فرغت إلى العبد المقيد في الحجل ) < < الرحمن : ( 33 ) يا معشر الجن . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض ) أي : جوانب السموات والأرض .
وقوله : ( ^ أن تنفذوا ) أي : تخرجوا .
وقوله : ( ^ فانفذوا ) أي : اخرجوا ، وهذا على طريق التهديد .
وقوله : ( ^ لا تنفذون إلا بسلطان ) أي : حجة . ويقال : لا تنفذون إلا في سلطان ، والباء بمعنى في ، حيثما كنتم فأنتم في سلطاني وملكي . واختلفوا أن هذا القول متى يكون ؟ فالأكثرون على أنه يوم القيامة يكون ، وينزل الله تعالى لملائكة حتى ينفذوا على أقطار السموات والأرض ، فإذا رأى الجن والإنس أهوال القيامة هربوا ، فتردم الملائكة .
وروى أبو صالح عن ابن عباس قال : بينما يكون الناس في أسواقهم إذا رأوا السماء قد تشققت ، ونزلت الملائكة ، فيهرب الناس ، فتتبعهم الملائكة ويردونم إلى أمر الله تعالى وهو الهلاك . وهذا قول غريب . ويقال : إن المراد هو الهرب من الموت ، يعني : إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض هربا من الموت فانفذوا .
وقوله : ( ^ لا تنفذون إلا بسلطان ) يعني : حيث ما كنتم أدرككم . < < الرحمن : ( 35 ) يرسل عليكما شواظ . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يرسل عليكما شواظ من نار ) أي : لهب من نار ، قاله ابن عباس .
____________________

( ^ ونحاس فلا تنتصران ( 35 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 36 ) فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ( 37 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 38 ) فيومئذ لا يسأل عن ذنبه ) * * * * *
وقال مجاهد : قطعة من النار فيها خضرة . والمراد بالإرسال هو إرسال العذاب .
وقوله : ( ^ عليكما ) منصرف إلى الجن والإنس .
وقوله : ( ^ ونحاس ) يقرأ بكسر السين وضمها ، والنحاس من الدخان ، وفي قول الأكثرين ، قال الشاعر :
( يضيء كضوء سراج السليطة ** لم يجعل الله فيه نحاسا )
وقال مجاهد : النحاس : الصفر المذاب على رءوس الكفار .
وقوله : ( ^ فلا تنتصران ) أي : لا تمتنعان ، يقال : لا يكون لكما قوة دفع العذاب . < < الرحمن : ( 37 ) فإذا انشقت السماء . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فإذا انشقت السماء فكانت وردة ) أي : حمراء .
وقوله : ( ^ كالدهان ) وقال ابن عباس : كالأديم الأحمر ، وفي رواية أخرى عنه : أن الوردة وردة النبات ، وهي تكون حمراء في الأغلب ، قال عبد بني الحساس :
( فلو كنت وردا لونه [ لعشقنني ] ** ولكن [ ربي شانني ] بسواديا )
وذكر الفراء والزجاج وغيرهما أن الوردة هاهنا : لون الفرس الورد ، وهو الكميت . وذلك يتلون في فصول السنة ، فيكون أصفر في فصل ، وأحمر في فصل ، وأغر في فصل . والدهان جمع الدهن ، وهي مختلفة الألوان . فمعنى الآية : أن السماء يختلف لونها يوم القيامة كاختلاف لون الورد ، واختلاف لون الدهن . وقال تعالى في موضع آخر ( ^ يوم تكون السماء كالمهل ) قالوا : هو دردي الزيت ، أي : في اللون .
وقال بعضهم : يصير مثل الدهن الأصفر ، وهذا كله من فزع القيامة وهولها . < < الرحمن : ( 39 ) فيومئذ لا يسأل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ) أي : لا يسأل سؤال
____________________

( ^ إنس ولا جان ( 39 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 40 ) يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ( 41 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 42 ) هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ( 43 ) يطوفون بينها وبين حميم آن ( 44 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 45 ) ) * * * * استعلام ، وإنما يسأل سؤال تقريع وتوبيخ ، ولا يقال لهم : هل فعلتم ؟ بل يقال لهم : لم فعلتم ؟
وعن بعضهم : أن معناه : لا يسأل بعضهم بعضا . وعن بعضهم : أن الملائكة لا يسألون عن ذنوب بني آدم ؛ لأنهم قد رفعوا الصحف ، وأدوا الأمانة فيها . والقول الأول هو الصحيح . < < الرحمن : ( 41 ) يعرف المجرمون بسيماهم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يعرف المجرمون بسيماهم ) قال الحسن البصري وغيره : بسواد الوجوه وزرقة العيون .
وقوله : ( ^ فيؤخذ بالنواصي والأقدام ) أي : يجرون بنواصيهم وأقدامهم إلى النار ، ويقال : يجمع بين نواصيهم وأقدامهم ويشد ، ثم يلقى ( في ) النار . < < الرحمن : ( 43 ) هذه جهنم التي . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ) يقال لهم هذا حين يرون جهنم ، وهذا على طريق التقريع والتوبيخ ، يعني : ما أنكرتموه وجحدتموه فأبصروه عيانا . < < الرحمن : ( 44 ) يطوفون بينها وبين . . . . . > >
وقوله : ( ^ يطوفون بينها وبين حميم آن ) أي : يطاف بهم مرة إلى الحميم ، ومرة إلى الجحيم .
وقوله : ( ^ آن ) هو الحميم الذي انتهى حره . وقيل : آن أي : آن وحضر وقت عذابهم به وشربهم إياه . < < الرحمن : ( 46 ) ولمن خاف مقام . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولمن خاف مقام ربه جنتان ) لما ذكر عذاب الكفار أتبع ذكر نعيم المؤمنين .
____________________

( ^ ولمن خاف مقام ربه جنتان ( 46 ) فبأي ألاء ربكما تكذبان ( 47 ) ) * * * * * *
وقوله : ( ^ خاف مقام ربه ) أي : قيامه بين يدي ربه للسؤال والحساب ، ويقال : هو من قدر على الذنب فذكر ربه فخاف منه وتركه . وعن عطية بن قيس : ' أن الآية وردت في الرجل الذي أوصى بنيه ، وقال : إذا مت فأحرقوني واسحقوني وذروني في الريح ، لعلي أضل الله ، ففعلوا ، فأحياه الله تعالى وقال : لم فعلت ذلك ؟ قال : مخافتك ، فغفر الله له ' . وهذا خبر صحيح .
وعن الزبير أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهذا محكي عن عطاء بن أبي رباح . قال الضحاك : شرب أبو بكر رضي الله عنه لبنا ، ثم سأل عنه ، وكان من غير وجهه ، فاستقاه ، فأنزل الله هذه الآية .
وقوله : ( ^ جنتان ) أي : بستان . ويقال : بستان لمسكنه ، وبستان لخدمه وحشمه . ويقال : مسكن له ، وبستان له . وعن بعضهم معناه : جنة عدن ، وجنة النعيم ، وهذا قول حسن . وقال مجاهد في قوله : ( ^ خاف مقام ربه ) أي : هم بالمعصية فتركها خوفا من الله تعالى .
وقال الفراء : الجنتان هاهنا بمعنى الجنة الواحدة ، وقد ورد هذا في الشعر .
قال الشاعر :
( ومهمهمين فرقدين مرتين **
وأراد به الواحدة . وقد أنكر عليه ذلك . وقيل : هذا ترك الظاهر ، وإنما الجنتان بستانان . وفي الخبر المشهور أن النبي قال : ' جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ' رواه أبو موسى .
____________________

( ^ ذواتا أفنان ( 48 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 49 ) فيهما عينان تجريان ( 50 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 51 ) فيهما من كل فاكهة زوجان ( 52 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 53 ) متكئين على فرش بطائنها من إستبرق ) * * * * * < < الرحمن : ( 48 ) ذواتا أفنان > >
قوله تعالى : ( ^ ذواتا أفنان ) فيه قولان : أحدهما أن معناه : ذواتا ألوان من الفاكهة ، كأن الأفنان بمعنى الفنون . والقول الثاني : أن الأفنان بمعنى الأغصان ، وهو الأظهر . قال عكرمة : ظل الأغصان على الحيطان . وأما الأول قاله الضحاك ، وجمع عطاء بين القولين فقال : على كل غصن ألوانه من الفواكه . < < الرحمن : ( 50 ) فيهما عينان تجريان > >
قوله تعالى : ( ^ فيهما عينان تجريان ) فقال : هما التسنيم والسلسبيل ، وعن بعضهم : تجريان بكل خير وبركة . < < الرحمن : ( 52 ) فيهما من كل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فيهما من كل فاكهة زوجان ) أي : نوعان وصنفان ، وهو الرطب من الفواكه وما يشبهها ، كالعنب والزبيب ، والرطب والتمر ، ونحو ذلك . وعن ابن عباس : ليس مما وصف في الجنة في الدنيا شيء إلا الأسماء . كأنه ذهب إلى أن شيئا مما في الدنيا لا يماثل ما في الجنة . < < الرحمن : ( 54 ) متكئين على فرش . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ متكئين على فرش بطائنها من إستبرق ) قال الحسن البصري : بطائنها أي : ظواهرها ، تقول العرب : هذه بطن السماء ، وهذه ظهرها ، لما يرى من السماء ، وهذا القول ذكره الفراء أيضا ، وأما سائر أهل التفسير قالوا : إن المراد من البطائن حقيقة البطانة . والإستبرق : هو الديباج الغليظ ، مثل ما يعلق من الديباج على الكعبة . وقيل : إنها فارسية معربة من قولهم : إستبر . وعن بعضهم : أنه مثل الحرير الصيني . قال أبو هريرة : هذه البواطن ، فما ظنكم بالظواهر ، ومثله عن ابن مسعود . وعن سعيد بن جبير قال : ظواهرها نور يتلألأ . وعن بعضهم : ظواهرها مما قال الله تعالى : ( ^ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) .
____________________

( ^ وجنى الجنتين دان ( 54 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 55 ) فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس ولا جان ( 56 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 57 ) ) * * * *
وقوله : ( ^ وجنى الجنتين دان ) أي : ثمار الجنتين دانية ، ومنه قول العرب : هذا جناي خيار فيه ، إذ كل جان يده إلى فيه ، وهو يحكي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين دخل بيت المال بالكوفة ، ورأى ما فيه من الذهب ولبفضة فقال : يا صفراء ، ويا بيضاء غرا غيري ، ثم قال : هذا جناي . . . إلى آخره .
وقوله : ( ^ دان ) أي : قريب المتناول . قال قتادة : لا يرده عنها بعد ولا شوك . وقال غيره : يتناولها قائما وقاعدا ومضطجعا . < < الرحمن : ( 56 ) فيهن قاصرات الطرف . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فيهن قاصرات الطرف ) فإن قيل : كيف قال : ( ^ فيهم ) وإنما ذكر الجنتين ؟
والجواب : قال بعضهم : إن الاثنين يذكران بلفظ الجمع ، فيجوز أن يرد الكلام إليهما بلفظ الجمع . والأصح أن قوله : ( ^ فيهن ) ينصرف إلى الفرش ، ومعناه : عليهن ، مثل قوله : ( ^ ولأصلبنكم في جذوع النخل ) أي : على جذوع .
وقوله : ( ^ قاصرات الطرف ) أي : قصرن أطرافهن على أزواجهن لا يرون غيرهم ، وهذا أحسن خصلة من خصال النساء . قال ابن مسعود : لسن بمتبرجات ، ولا ضماخات ، ولا دفرات . وقال بعضهم : لسن بمتشرغات ، ولا بمتطلعات ، ولا صياحات ، ولا صخابات . وقال الحسن : لسن بالطوافات في الأسواق .
وقوله : ( ^ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) أي : لم يمسسهن إنسي ولا جني . قال الفراء : الطمث : هو الوطء بالتدمية ، وهو الافتضاض .
قال الفرزدق :
____________________

( ^ كأنهن الياقوت والمرجان ( 58 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 59 ) هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ( 60 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 61 ) ) * * * * *
( رفعن إلي لم يطمثن فبلي ** وهن أصح من بيض النعام )
وعن الحسن البصري : أن المراد من قوله : ( ^ فيهن قاصرات الطرف ) هن المؤمنات من الآدميات . فعلى هذا قال بعضهم : يجوز أن يطأ الجني الإنسية ، واستدل بظاهر الآية . وأما الأكثرون أنكروا هذا ، وقالوا : معنى الآية : لم يطمثهن ، الجنية جني ، ولا الإنسية إنسي ، وقوله : ( ^ فيهن قاصرات الطرف ) يتناول الإنسيات والجنيات . فإن قال قائل : هل يقولون إن الجن يدخلون الجنة ، ويكون لهم أزواج مثل الإنس ؟
والجواب : أن العلماء اختلفوا فيه ، فقال بعضهم : يدخل الله المؤمنين منهم الجنة كما يدخل الكافرين منهم النار ، وهو قول ضمرة بن جندب وغيره . وقال بعضهم : ليس لهم ثواب . قال ليث بن أبي سليم : مؤمنو الجن يحاجزون من النار ثم يجعلون ترابا ، وأما الكفار منهم يخلدون في النار .
وأما على الأول إذا حملنا الآية على الحور العين لا يرد شيء من هذه الأسئلة . < < الرحمن : ( 58 ) كأنهن الياقوت والمرجان > >
قوله تعالى : ( ^ كأنهن الياقوت والمرجان ) أى في صفاء الياقوت وبياض المرجان وقد بينا أن المرجان هو اللؤلؤ الصغار وقيل الكبار < < الرحمن : ( 60 ) هل جزاء الإحسان . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) معناه : هل جزاء الطاعة إلا الثواب . ويقال : هل جزاء من قال لا إله إلا الله إلا الجنة . وفي رواية ابن عمر عن النبي أنه قال حاكيا عن الله تعالى : ' جزاء ما أنعمت عليه بالتوحيد إلا أن أدخلته جنتي ' . وقيل : الآية على الجملة ، ومعناها : هل جزاء من أحسن إلا أن يحسن إليه . وعن بعضهم : أنه يحتمل أن معنى الآية : هل جزاء إحسان الله إليكم إلا أن تحسنوا بالطاعة .
____________________

( ^ ومن دونهما جنتان ( 62 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 63 ) مدهامتان ( 64 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 65 ) فيهما عينان نضاختان ( 66 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 67 ) فيهما فاكهة ونخل ورمان ( 68 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 69 ) ) * * * * * * < < الرحمن : ( 62 ) ومن دونهما جنتان > >
قوله تعالى : ( ^ ومن دونهما جنتان ) أي : من دون الجنتين جنتان ، فيقال : الجنتان ، فيقال : الجنتان المذكورتان أولا للمقربين ، والمذكورتان آخرا لأصحاب اليمين ، ويقال : المذكورتان أولا للسابقين ، والمذكورتان آخرا للتابعين . واختلف القول في قوله : ( ^ ومن دونهما جنتان ) قال بعضهم معناه : أن الجنتين المذكورتين آخرا دون الجنتين المذكورتين أولا في النعيم والكرامة . وقال بعضهم : هو مأخوذ من الدنو على معنى القرب ، كأن هاتين الجنتين أقرب إلى المؤمن يعني : إلى مسكنه ومنزله من الجنتين الأولتين . فإن قال قائل : أي كرامة في ذكر الجنتين ، وهنا ذكر جنة واحدة ؟
والجواب : أن التنقل من بستان إلى بستان من الاستلذاذ والتنعم ما لا يخفى ، فذكر الجنتين للزيادة والكرامة والنعمة . < < الرحمن : ( 64 ) مدهامتان > >
قوله تعالى : ( ^ مدهامتان ) أي : خضراوتان من الري . قال مجاهد : مسودتان من شدة الخضرة ، وهذا قول صحيح ؛ لأنه ما من أخضر إلا واشتدت خضرته يضرب إلى السواد ، والعرب كانت تسمى قرى العراق سوادا لشدة خضرتها ، وكثرة أشجارها . < < الرحمن : ( 66 ) فيهما عينان نضاختان > >
قوله تعالى : ( ^ فيهما عينان نضاختان ) أي : فوارتان ، والنضخ فوق النضح ودون الجري . ويقال : نضاختان بالعنبر والمسك . < < الرحمن : ( 68 ) فيهما فاكهة ونخل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فيهما فاكهة ونخل ورمان ) حكي عن ابن عباس أنه قال : الرمان ليس من الفاكهة ، وكذلك الرطب ؛ لأنهما أفردا بالذكر عن الفاكهة ، وذكر الفراء هذا أيضا . و [ هذا ] عن ابن عباس قول غريب ، والأكثرون على أن الجميع فاكهة ؛ لأن الفاكهة ما يتفكه به ، والإفراد بالذكر للتنبيه على نوع فضل ، لا أنه ليس من الفاكهة ، وهو مثل قوله تعالى : ( ^ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) ومثل قوله
____________________

( ^ فيهن خيرات حسان ( 70 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 71 ) حور مقصورات في الخيام ( 72 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 73 ) لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ( 74 ) فبأي آلاء ) * * * * * تعالى : ( ^ من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ) .
والرمان نوع فاكهة يمص ويرمى بثفله . وعن الحسن البصري قال : لو قال رجل لامرأته : إن أكلت فاكهة فأنت طالق ، فأكلت الرمان أو الرطب وقع الطلاق . وهذا قول أكثر أهل العلم وهو المختار وعند ابي حنيفة رضي الله عنه لا يقع الطلاق قال سعيد بن جبير : نخل الجنة جذوعها من ذهب ، وأغلافها من ذهب ، وكرانيفها من زمرد ، وسعفها كسوة أهل الجنة ، وثمرها كالدلاء ، أحلى من كل شيء ، وألين من كل شيء . < < الرحمن : ( 70 ) فيهن خيرات حسان > >
قوله تعالى : ( ^ فيهن خيرات حسان ) قرئ في الشاذ : ' خيرات حسان ' وهما بمعنى واحد ، مثل : هين وهين ، وليل ولين . ومعنى الآية : خيرات الأخلاق ، حسان الوجوه . < < الرحمن : ( 72 ) حور مقصورات في . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ حور مقصورات في الخيام ) أي : محبوسات ، وليس هذا الحبس إهانة ، إنما هو حبس الكرامة ، قال عمر رضي الله عنه الخيمة مجوفة . وعن ابن مسعود قال : كل خيمة لها أربعة أبواب ، يدخل عليه من كل يوم هدية جديدة من الله تعالى . وعن ابن عباس : الخيمة فرسخ في فرسخ من درة واحدة ، لها أربعة آلاف مصراع من ذهب . وقال بعضهم : الخيمة بمعنى القبة ، وهي قباب العرب التي كانوا يسكنونها في البادية ، فذكر لهم مثل ما كانوا يستلذونها ويستطيبونها ، وقد كانوا يستطيبون السكنى في الخيام في البوادي ، وقد قيل : إن هذه الخيام خارج الجنة كالبوادي للحاضرة . < < الرحمن : ( 74 ) لم يطمثهن إنس . . . . . > >
وقوله : ( ^ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) قد بينا . < < الرحمن : ( 76 ) متكئين على رفرف . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ متكئين على رفرف ) قال الفراء : هو رياض الجنة . وقال أبو عبيدة :
____________________

( ^ ربكما تكذبان ( 75 ) متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان ( 76 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 77 ) تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ( 78 ) ) * * * * فرش الجنة . وعن ابن مسعود في قوله : ( ^ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) أي : رفرفا أخضر قد سد الأفق ، وهو البساط . وعلى الجملة : الرفرف كل فرش يرتفع ، مأخوذ من الرف ، وهو المرتفع في الجدار .
وقوله : ( ^ وعبقري حسان ) وقرئ في الشاذ : ' عباقري حسان ' قال الحسن البصري : عبقري حسان هو الوسائد .
وقال أبو عبيدة : الطنافس ، وعن بعضهم : الزرابي ، وعبقري : قرية باليمن ينسج بها الوشي ، وهم ينسبون إليها كل شيء حسن . وفي ' كتاب الغريبين ' : أن عبقر قرية يسكنها الجن ، والعرب ينسبون كل شيء فائق إليها ، قال الشاعر :
( بخيل عليها جنة عبقرية ** جديرون يوما أن ينالوا ويستعلوا )
وقد ذكر بعضهم أن العبقري هاهنا : هو الوشي . قال مجاهد : هو الديباج . وعن بعضهم : هو الديباج الذي عمل فيه بالذهب . وأما الخبر الذي روي عن النبي أنه قال في عمر : ' فلم أر عبقريا يفري فرية ' . معناه : فلم أر سيد قوم وجليلهم يعمل عمله . < < الرحمن : ( 78 ) تبارك اسم ربك . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ تبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام ) وفرئ : ' ذي الجلال والإكرام ' معناه : ذو العظمة والمهابة . ويقال : ذو الجلال والإكرام أي : يجل المؤمنين ويكرمهم ، والقول الأول أولى ؛ لأنه ينصرف إلى عظمة الله وعلو شأنه .
____________________


وقوله : ( ^ ذو الجلال ) ينصرف إلى الاسم ، وقوله : ( ^ ذي الجلال ) ينصرف إلى الرب ، والاسم والمسماة واحد عند أكثر أهل السنة . وقد روي عن النبي أنه قال : ' ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام ' أي : الزموا وداموا عليه .
فإن قال قائل : ما معنى تكرير قوله : ( ^ فبأي آلاء ربكما تكذبان ) في هذه السورة ؟ وكان يوقف على المعنى بالمرة الواحدة ؟
والجواب : أن القرآن نزل على لسان العرب على ما كانوا يعتادونه ويتعارفونه في كلامهم ، ومن عادتهم أنهم إذا ذكروا النعم على إنسان ، يكررون التنبيه على الشكر أو ذكر التوبيخ عند عدم الشكر ، والله تعالى عد النعم في هذه السورة ، وذكر عند كل نعمة هذه الكلمة ؛ لئلا ينسوا شكرها ، ويعرفوا إحسان الله عليهم ، ويجددوا الحمد عليها . تمت السورة .
____________________

<
> بسم الله الرحمن الرحيم <
> ( ^ إذا وقعت الواقعة ( 1 ) ليس لوقعتها كاذبة ( 2 ) خافضة رافعة ( 3 ) إذا رجت ) * * * * * <
> تفسير سورة الواقعة <
>
وهي مكية ، وعن مسروق أنه قال : من أراد أن يعلم نبأ الأولين والآخرين ، ونبأ أهل الجنة وأهل النار ، ونبأ الدنيا والآخرة ، فليقرأ سورة الواقعة . والله أعلم . < < الواقعة : ( 1 ) إذا وقعت الواقعة > >
قوله تعالى : ( ^ إذا وقعت الواقعة ) معناه : إذا كانت القيامة ، وهذا قول عامة المفسرين . وسميت القيامة واقعة ؛ لأنه لا بد من وقوعها . والعرب تسمي كل متوقع لا بد منه واقعا ، وقال الضحاك : الواقعة هاهنا هي الصيحة لموت الخلائق . وقيل : سميت القيامة واقعة ؛ لكثرة ما يقع فيها من الشدة . وعن بعضهم : لأنها تقع على غفلة من الناس . فإن قيل : أين جواب قوله : ( ^ إذا ) ؟ ولا بد لهذه الكلمة من جواب ، والجواب : أن جوابه قوله : ( ^ فأصحاب الميمنة ) . < < الواقعة : ( 2 ) ليس لوقعتها كاذبة > >
وقوله : ( ^ ليس لوقعتها كاذبة ) قال قتادة : ليس مثنوية ولا رد ولا رجعة . ويقال معناه : هي صدق ولا كذب فيها . وقيل : ليس لوقوعها من نفس كاذبة ، حكي هذا عن سفيان ، ومعناه : ليس عند وقوعها مكذب بها . < < الواقعة : ( 3 ) خافضة رافعة > >
وقوله : ( ^ خافضة رافعة ) قال ابن عباس : تخفض أقواما ، وترفع آخرين ، وعنه في رواية أخرى : تخفض أقواما ارتفعوا ، وترفع أقواما خفضوا في الدنيا . وعن السدى : ترفع أقواما في الجنة ، وتخفض أقواما في النار . ومعنى هذا : تخفض أهل المعصية بإيجاب النار لهم ، وترفع أهل الطاعة بإيجاب الجنة لهم . قال ابن جريج : خافضة رافعة بالحسنات والسيئات . < < الواقعة : ( 4 ) إذا رجت الأرض . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إذا رجت الأرض رجا ) قال المبرد : الرجة حركة يسمع منها صوت ،
____________________

( ^ الأرض رجا ( 4 ) وبست الجبال بسا ( 5 ) فكانت هباء منبثا ( 6 ) وكنتم أزواجا ثلاثة ( 7 ) فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ( 8 ) وأصحاب المشأمة ما ) * * * * * * * * * وهي أكثر من الصيحة . فعلى هذا معنى الاية : حركت الأرض بمن فيها ، وهو في معنى قوله تعالى : ( ^ إذا زلزلت الأرض زلزالها ) . < < الواقعة : ( 5 ) وبست الجبال بسا > >
وقوله : ( ^ وبست الجبال بسا ) قال ابن عباس : فتتت فتا . وعن الحسن البصري : قلعت من أصلها . وقال السدى : كسرت كسرا . قال مجاهد : بست كما يبس السويق أي : دقت ، والبسيسة هي الدقيق ، والسويق يلت ويتخذ منه الزاد . وقال قتادة : بست أي : جعلت كبيس الشجرة تذروه الرياح ، وقال الشاعر في البس بمعنى اللت :
( لا تخبزا خبزا وبسا بسا **
أورده النحاس . وقال بعضهم : بست أي : سيرت ، ومنه قوله عليه السلام : ' يخرج من المدينة قوم يبسون والمدينة خير لهم ' أي : يسيرون . < < الواقعة : ( 6 ) فكانت هباء منبثا > >
وقوله : ( ^ فكانت هباء منبثا ) قال علي رضي الله عنه هو ما سطع من سنابك الخيل من المرضح والغبار ، ثم يذهب .
وعن بعضهم : إن الهباء المنبث هو الذي يرى في الكوة من ضوء الشمس كالعمود الممدود .
والأصح هو الأول هو الهباء المنبث . وعن بعضهم : أن الهباء المنبث هو الرماد . < < الواقعة : ( 7 ) وكنتم أزواجا ثلاثة > >
وقوله : ( ^ وكنتم أزواجا ثلاثة ) أي : أصنافا ثلاثة . < < الواقعة : ( 8 - 9 ) فأصحاب الميمنة ما . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة ) قال يزيد بن أسلم : هم الذين أخذوا من الشق الأيمن من آدم عليه السلام ،
____________________

( ^ أصحاب المشأمة ( 9 ) والسابقون السابقون ( 10 ) أولئك المقربون ( 11 ) في ) * * * * * * * * وأصحاب المشأمة هم الذين أخذوا من الشق الأيسر . وعن محمد بن كعب القرظي قال : أصحاب الميمنة هم الذين يعطون الكتاب بإيمالهم . وأصحاب المشأمة هم الذين يعطون الكتاب بشمالهم وقال السدى : أصحاب الميمنة : جمهور أهل الجنة ، وأصحاب المشأمة : جمهور أهل النار . ويقال : أصحاب الميمنة هم الميامين على أنفسهم ، وأصحاب المشأمة هم المشائيم على أنفسهم . والعرب تسمي الجانب الأيسر الجانب الأشأم ، وتسمي اليسار الشؤمى ، واليمين اليمنى .
وقوله : ( ^ ما أصحاب الميمنة ) و ( ^ ما أصحاب المشأمة ) هذا في كلام العرب للتعجيب ، وهو في كلام الله مع عباده للتنبيه على عظم شأن الأمر . < < الواقعة : ( 10 ) والسابقون السابقون > >
وقوله : ( ^ والسابقون السابقون ) قال كعب : هم الأنبياء عليهم السلام . وعن بعضهم : هو كل من صلى إلى القبلتين . وعن ابن عباس في بعض الروايات : مؤمن آل فرعون سبق إلى موسى ، ومؤمن آل ياسين سبق إلى عيسى ، وعلي سبق إلى محمد بالإيمان ، أورده أبو الحسين بن فارس . ويقال : السابقون هم المبادرون إلى الطاعات .
وقوله : ( ^ السابقون ) تقدير الآية : والسابقون إلى الخيرات والطاعات هم السابقون في الدرجات . وقيل : هو على طريق التأكيد . < < الواقعة : ( 11 ) أولئك المقربون > >
وقوله : ( ^ أولئك المقربون ) أي : المقربون من المنزلة والكرامة والوصول إلي رضا الله تعالى . وذكر في موضع آخر أصنافا ثلاثة فقال : ( ^ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ) فذهب بعض أهل التفسير إلى أن الأصناف المذكورين في سورة الواقعة [ كلهم ] من المؤمنين مثل الأصناف المذكورين في تلك السورة ، وأن أصحاب المشأمة هم
____________________

( ^ جنات النعيم ( 12 ) ثلة من الأولين ( 13 ) وقليل من الآخرين ( 14 ) ) * * * * * الظالمون لأنفسهم ، وأصحاب الميمنة هم المقتصدون ، والسابقون هم السابقون بالخيرات . والقول الأول هو الأصح ، وأن أصحاب المشأمة هم الكفار ؛ ولأن الله تعالى قال بعده : ( ^ وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم ) ووصفهم بالكفر على ما سيأتي . < < الواقعة : ( 12 ) في جنات النعيم > >
وقوله : ( ^ في جنات النعيم ) ذكر النقاش في تفسيره عن النبي في وصف جنة النعيم : ' أن لبنة منها فضة ، ولبنة ذهب ، وطينها المسك ، وترابها الزعفران ، وحصباءها الدر والياقوت ' . < < الواقعة : ( 13 ) ثلة من الأولين > >
قوله : ( ^ ثلة من الأولين ) أي : جماعة من الأولين ، ولفظ الثلة مأخوذ من الثل وهو القطع . < < الواقعة : ( 14 ) وقليل من الآخرين > >
وقوله : ( ^ وقليل من الآخرين ) اختلف أهل التفسير فيه على القولين : أحدهما : أن المراد من الأولين هم أتباع الأنبياء المتقدمين قبل نبينا محمد .
وقوله : ( ^ وقليل من الآخرين ) هم من أمة محمد .
والقول الثاني : أنهما جميعا من هذه الأمة ، وقد روي هذا في خبر مرفوع ، وهو قول الحسن وابن سيرين . فإن قيل على القول الأول : كيف يستقيم هذا ، وأتباع الرسول من المؤمنين أكثر من أتباع الأنبياء ؟ والجواب : أن المراد من الأولين هو من رأى جمع الأنبياء وآمن بهم ، ومن الآخرين من رأى محمدا وآمن به ، وعلى القطع
____________________

( ^ على سرر موضونة ( 15 ) ) * * * * * * يعلم أن أولئك ممن رأى نبينا وآمن به ، فإن الله تعالى قال في يونس عليه السلام : ( ^ وأرسلنا إلى مائة ألف أو يزيدون ) هذا في نبي واحد ، فكيف في جميع الأنبياء ؟ وإنما كثرت هذا الأمة بعد وفاة الرسول ، وقد روي ' أنه لما نزلت هذا الآية حزن أصحاب رسول الله حزنا شديدا لقوله : ( ^ وقليل من الآخرين ) فقال النبي : ' إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، بل ثلث أهل الجنة ، بل نصف أهل الجنة ، وتقاسمونهم في النصف الثاني ' . وفي بعض الأخبار : أن أهل الجنة مائة وعشرون صفا ، ثمانون من هذه الأمة ' . < < الواقعة : ( 15 ) على سرر موضونة > >
قوله تعالى : ( ^ على سرر ) فالسرر جمع سرير . وفي بعض الأخبار : أن ارتفاعه سبعون ذراعا ، وقيل : أكثر من ذلك ، والله أعلم .
وقوله : ( ^ موضونة ) أي : مرمولة بقضبان الذهب . وقيل : مشبكة منسوجة بالدر والياقوت . والوضين في كلام العرب هو الحزام الذي يشد به بطن الدابة ، سمي وضينا لنسجه وإدخاله بعضه في بعض ، قال الشاعر :
( إليك تعدو قلقا وضينها ** معترضا في بطنها جنينها )
( مخالفا دين النصارى دينها **
____________________

( ^ متكئين عليها متقابلين ( 16 ) يطوف عليهم ولدان مخلدون ( 17 ) بأكواب وأباريق وكأس من معين ( 18 ) لا يصدعون عنها ) * * * * *
وقال آخر :
( ومن نسج داود موضونة ** تساق مع الحي عيرا فعيرا )
والسرير المرمول أوطأ من السرير الذي هو غير مرمول . وقيل : موضونة أي : مصفوفة . < < الواقعة : ( 16 ) متكئين عليها متقابلين > >
وقوله : ( ^ متكئين عليها ) الاتكاء هو الاستناد على طريق التنعم .
وقوله : ( ^ عليها متقابلين ) هو مثل قوله : ( ^ إخوانا على سرر متقابلين ) أي : لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض ، ووجوههم إلى وجوه إخوانهم . < < الواقعة : ( 17 ) يطوف عليهم ولدان . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ يطوف عليهم ولدان مخلدون ) أي : غلمان .
وقوله : ( ^ مخلدون ) أي : لا يموتون . وقيل : مخلدون مسرورون . وقيل : مقرطون ، قال الشاعر :
( ومخلدات باللجين كأنما ** أعجازهن [ أقاوز ] الكثبان ) < < الواقعة : ( 18 ) بأكواب وأباريق وكأس . . . . . > >
وقوله : ( ^ بأكواب ) قال أبو عبيدة : الأكواب هي الأواني المستديرة الرءوس ، وليست لها خراطيم ، والأباريق التي لها خراطيم . وفي الخبر في وصف الكوثر أكاويبه عدد نجوم السماء .
وقوله : ( ^ وكأس من معين ) في التفسير : أن العرب لا تسمى الإناء كأسا حتى يكون فيه الخمر .
قوله تعالى : ( ^ معين ) أي : خمر جار . ويقال : إن خمر أهل الجنة تكون بيضاء ، وقيل : حمراء ، والله أعلم .
____________________

( ^ ولا ينزفون ( 19 ) وفاكهة مما يتخيرون ( 20 ) ولحم طير مما يشتهون ( 21 ) وحور عين ( 22 ) كأمثال اللؤلؤ المكنون ( 23 ) جزاء بما كانوا يعملون ( 24 ) لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ( 25 ) إلا قليلا سلاما سلاما ( 26 ) ) * * * * * * < < الواقعة : ( 19 ) لا يصدعون عنها . . . . . > >
وقوله : ( ^ لا يصدعون عنها ) أي : لا يلحقهم من شربها صداع مثل ما يصيب شارب الخمر في الدنيا .
وقوله : ( ^ ولا ينزفون ) أي : ولا تذهب عقولهم . وقيل : لا يسكرون . وقيل : لا تتغير ألوانهم ، وقيل : لا يقيئون مثل ما يقئ شارب الخمر في الدنيا . وفي اللغة يسمى ذاهب اللون منزوفا ، وذاهب العقل نزيفا ، وكذلك العطشان ، قال الشاعر :
( فلثمت فاها آخذا بقرونها ** شرب النزيف ببرد ماء الحشرج )
وقرأ ابن مسعود : ' ولا ينزفون ' بكسر الزاي ، ومعناه : لا تفنى خمرهم . < < الواقعة : ( 20 ) وفاكهة مما يتخيرون > >
قوله تعالى : ( ^ وفاكهة مما يتخيرون ) أي : يختارون . < < الواقعة : ( 21 ) ولحم طير مما . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ ولحم طير مما يشتهون ) أي : يريدون . < < الواقعة : ( 22 ) وحور عين > >
وقوله : ( ^ وحور عين ) بالرفع فيهما ، وقرئ بالكسر فيهما ، وقرئ بالفتح فيهما في الشاذ ، فعلى الرفع معناه : ولهم حور عين ، وعلى الكسر معناه : ويطاف عليهم بحور عين ، وعلى النصب معناه : ويعطون حورا عينا . والمشهور بالرفع والخفض ، وسميت الحور حورا ؛ لبياضهن وشدة سواد أعينهن ، وقيل : سمين حورا ؛ لأن الطرف يحار فيهن .
وقوله : ( ^ عين ) أي : حسان الأعين ، وهو ما ذكرنا من بياض البشرة وسواد الحدقة . < < الواقعة : ( 23 ) كأمثال اللؤلؤ المكنون > >
وقوله : ( ^ كأمثال اللؤلؤ المكنون ) أي : اللؤلؤ المكنون في أصدافه لم تنله يد . < < الواقعة : ( 24 ) جزاء بما كانوا . . . . . > >
وقوله : ( ^ جزاء بما كانوا يعملون ) أي : ثوابا لهم لعملهم . < < الواقعة : ( 25 ) لا يسمعون فيها . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ) أي : كلاما باطلا ، وكلاما يأثم به قائله ، واللغو كل ما يلغى . < < الواقعة : ( 26 ) إلا قيلا سلاما . . . . . > >
وقوله : ( ^ إلا قليلا سلاما سلاما ) معناه : إلا قولهم السلام بعد السلام ، والتحية بعد

(^ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (27) في سدر مخضود (28) وطلح منضود ************
التحية . وقد قالوا : إن الاستثناء هاهنا من غير جنس المستثنى منه ، فهو منقطع ، وهو بمعنى لكن . وقيل : إنه من جنس المستثنى منه ؛ لأن اللغو كلام مسموع ، والسماع كلام مسموع ، واختلفوا في نصب قوله : (^سلاما) قال بعضهم : انتصب لأن معناه : سلمك الله سلاما أي : يقول بعضهم لبعض ، ومنهم من قال : انتصب تبعا لقوله : (^قيلا) لأن سلاما هو الفعل المذكور . < < الواقعة : ( 27 ) وأصحاب اليمين ما . . . . . > >
وقوله تعالى : (^وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين) قد بينا ، وعن ميمون بن مهران قال : لهم منزلة دون منزلة المقربين . وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده : أنهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ثم تابوا . وذكر الضحاك عن ابن عباس : أن الله تعالى مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فاستخرج منها ذرية شبه الذر بيضا ؛ وقال لهم : ادخلوا الجنة برحمتي ، ثم مسح صفحة ظهره اليسى واستخرج منها ذرية كالحمم سوداء ، وقال لهم : ادخلوا النار ولا أبالي . وفي رواية : أخذ بيمينه كل طيب ، وأخذ بشماله كل خبيث . وفي الصحيح "أن كلتا يديه يمين" . فعلى هذا معنى قوله : (^وأصحاب اليمين) هم الذين أخذوا من صفحة ظهر آدم اليمنى . < < الواقعة : ( 28 ) في سدر مخضود > >
وقوله : (^في سدر مخضود) أي : قد قطع شوكه ونزع . والسدر : شجر النبق ، قال السدي : ثمرة أحلى من العسل . وقيل : مخضود أي : موقر حملا . ويقال : لا عجم في ثمره . وفي اللغة الخضد هو القطع . قال النبي & في صفة مكة :"لا يخضد شجرها" أي : لا يقطع . < < الواقعة : ( 29 ) وطلح منضود > >
وقوله : (^وطلح منضود) قرأ علي رضي الله عنه : "وطلع منضود" وهو مثل قوله
____________________

( ( 29 ) وظل ممدود ( 30 ) وماء مسكوب ( 31 ) وفاكهة كثيرة ( 32 ) لا مقطوعة ولا ) * * * * في موضع آخر : ( ^ لها طلع نضيد ) وقال أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وابن عباس والحسن وغيرهم : هو الموز .
قوله : ( ^ منضود ) أي : متراكم بعضه على بعض ، وذكر النحاس أن العرب تقول : عسى يا فلان تطلح ، أي : بنعمة ، قال الشاعر :
( كم رأينا من أناس هلكوا ** ورأينا المرء عمرا بطلح )
أي : بنعمة . ويقال : إن الطلح هاهنا هو شجر العضاه ، وهو أكثر شجر العرب ، وله منظر حسن . وروي أن أصحاب رسول الله ورضي الله عنهم لما ذهبوا إلى الطائف أعجبهم طلح وج ، فذكر الله تعالى أن لهم في الجنة طلحا . فإن قال قائل : كيف يكون لهم في الجنة شجرة شوك ؟ : قلنا : لا يكون ثم شوك ، إلا أنه شجر يشبه الطلح في الكبر وحسن المنظر ، ويجوز أن يكون في الجنة شجرا ؛ لأكل الثمر منه ، وشجر يحسن النظر إليه ، والأصح أنه الموز .
وقوله تعالى : ( ^ منضود ) قالوا معناه : أن ثمره وورقه من أوله إلى آخره ليست لها ساق بارزة . < < الواقعة : ( 30 ) وظل ممدود > >
وقوله : ( ^ وظل ممدود ) قال الحسن : لا ينقطع . وعن يحيى بن أبي كثير : أن ساعات الجنة تشبه الغداة الباردة في الصيف . ويقال : إنها مثل سجسج ليس فيه حر ولا برد . وقد ثبت أن النبي قال : ' إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعه ، واقرءوا إن شئتم : ( ^ وظل ممدود ) ' . < < الواقعة : ( 31 ) وماء مسكوب > >
وقوله : ( ^ وماء مسكوب ) أي : مصبوب ، ومعناه : أنه ينصب إليهم من العلو . قال الحسن : مسكوب أي : جار لا ينقطع أبدا . < < الواقعة : ( 32 - 33 ) وفاكهة كثيرة > >
وقوله تعالى : ( ^ وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ) قال الزجاج : لا مقطوعة
____________________

( ^ ممنوعة ( 33 ) وفرش مرفوعة ( 34 ) إنا أنشأناهن إنشاء ( 35 ) ) أي : لا يكون في حين دون حين ، ولا ممنوعة أي : لا يخطر عليها كما يخطر على البساتين في الدنيا ، وقيل : لا مقطوعة : لا ينقطع أبدا ، والمعنى على هذا أنها إذا جنيت ظهر مكانها في الحال مثلها أو خير منها .
وقوله : ( ^ ولا ممنوعة ) أي : لا يمنع الأخذ منها ، وقيل : لا يمنع الأخذ بعد ولا شوك . وعن ابن شوذب قال : رأيت الحجاج بن فرافصة واقفا في سوق الفاكهة بالبصرة ، فقلت : ما تصنع هاهنا ؟ فقال : أنظر إلى هذه المقطوعة الممنوعة . < < الواقعة : ( 34 ) وفرش مرفوعة > >
وقوله تعالى : ( ^ وفرش مرفوعة ) أي : عالية ، ويقال : بعضها فوق بعض . وروى أبو سعيد الخدري أن النبي قال : ' ارتفاعها ما بين السماء والأرض ، ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام ' . وذكر أبو عيسى الترمذي هذا الحديث في كتابه ، وقال : هو غريب . وذهب جماعة من التابعين أن الفرش المرفوعة هاهنا هي النساء ، والعرب تسمي المرأة فراش الرجل ولحافه . وسماهن مرفوعة ؛ لأنهن رفعن بالفضل والجمال والكمال . والعرب تسمي كل فاضل رفيعا . ويقال : سماهن فرشا ؛ لأنهن على الفرش ، فكنى بالفرش عنهن . < < الواقعة : ( 35 ) إنا أنشأناهن إنشاء > >
قوله تعالى : ( ^ إنا أنشأناهن إنشاء ) فيه قولان : لأنهن الحور ، ومعنى الإنشاء فيهن أن الله تعالى يجعل الصبايا والعجز على سن واحدة في الصورة والشباب . وعن بعض التابعين أنه قال في هذه الآية : هن العجز الرمص العمش . وفي بعض الروايات عن النبي أنه قال : ' تفضل المرأة الصالحة في الحسن على الحور
(^ فجعلناهن أبكارا (36) عربا أترابا (37) لأصحاب اليمين (38) ثلة من الأولين (39) وثلة من الآخرين (40) ) ********
سبعين ضعفا" ذكره النقاش ، وهو غريب جدا . < < الواقعة : ( 36 ) فجعلناهن أبكارا > > وقوله : ( ^ فجعلناهن أبكارا) أي : عذارى . قال الضحاك : أهل الجنة لا يأتون النساء من مرة إلا وجدوهن عذارى . < < الواقعة : ( 37 ) عربا أترابا > >
وقوله تعالى : ( ^ عربا) أي : محببات إلى أزواجهن . وعن ابن عباس : عواشق لأزواجهن . وعن بعضهم : غنجات . وعن بعضهم شكلات . عن بعضهم : مغتلمات . تقول العرب للناقة إذا كانت تشتهى الفحل : عروبة .
وعن زيد بن أسلم حسنات الكلام . وعن بعضهم : عربا أي : يتكلمن بالعربية . والمعروف الأول [و] يمكن الجمع بين هذه الأقوال كلها ، فكأنها تتحبب إلى زوجهات بغنج وشكل ، وكلام حسن ، وميل شديد ، وبلفظ عربي .
وقوله : ( ^ أترابا) أي : لدات ، كأنهن على سن واحد وميلاد واحد .
ويقال : أترابا : أشكالا لأزواجهن في الجسم والمقدار ، قال الشاعر :
(أبرزوها مثل المهاة تهادى ** بين جنس كواعب أتراب)
< < الواقعة : ( 38 ) لأصحاب اليمين > >
وقوله ( ^ لأصحاب اليمين) أي : هذا الذي قلنا لأصحاب اليمين . < < الواقعة : ( 39 - 40 ) ثلة من الأولين > >
وقوله تعالى : ( ^ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين) أي : جماعة من الأولين ، وهم الذين اتبعوا الأنبياء والمتقدمين - صلوات الله عليهم أجمعين - وجماعة من الآخرين ، وهم الذين اتبعوا نبينا صلى الله عليه وسلم ، والثلة : القطعة . وقد روى أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه
____________________

( ^ وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ( 41 ) في سموم وحميم ( 42 ) وظل من يحموم ( 43 ) لا بارد ولا كريم ( 44 ) إنهم كانوا قبل ذلك مترفين ( 45 ) ) * * * * * الآية : ( ^ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ) وقال : ' الثلتان من أمتي ' . فعلى هذا الثلة الأولى هم الذين عاينوا النبي وآمنوا به ، والثلة الثانية هم الذين آمنوا به ولم يروه .
فإن قيل : كيف وجه الجمع بين هذه الآية وبين الآية التي تقدمت ، وهي قوله : ( ^ وقليل من الآخرين ) والجواب : قد روينا أن تلك الآية لما نزلت حزن أصحاب رسول الله ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وذكرنا معنى القليل ، وهم من عاين النبي واتبعه ، فعلى هذا معنى الثلة هاهنا جميع من اتبعه ، عاينه أو لم يعاينه . < < الواقعة : ( 41 ) وأصحاب الشمال ما . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ) فقد ذكرنا معناه . < < الواقعة : ( 42 ) في سموم وحميم > >
قوله : ( ^ في سموم ) هي الريح الحارة . وقيل : إنه اسم جهنم .
وقوله : ( ^ وحميم ) أي : الماء الذي انتهى حره . وفي التفسير : أنه يخرج من صخرة في جهنم . وفي التفسير أيضا عن ابن مسعود : أن أنهار الجنة تخرج من جبل من الكافور في الجنة . < < الواقعة : ( 43 ) وظل من يحموم > >
وقوله : ( ^ وظل من يحموم ) أي : دخان أسود يغشي أهل النار ، ويصيبهم من حره ما يغلي دماغهم . وعن بعضهم : أن اليحموم اسم من أسماء جهنم . وعن ( ابن البريدة ) : أن اليحموم جبل في النار يظل أهل النار مدة أن يستظلوا بظله ، فيؤذن لهم بعد مدة ، فيصيبهم من حره ما يستغيثون منه ، ويكون ذلك أشد عليهم مما كانوا فيه . < < الواقعة : ( 44 ) لا بارد ولا . . . . . > >
وقوله : ( ^ لا بارد ولا كريم ) أي : لا بارد المدخل ، ولا كريم المنظر . قال الفراء : العرب تجعل الكريم تابعا في كل ما يبقى عنه ، وصف يراد به الذم . يقول : هذه الدار ليست بواسعة ولا كريمة ، وهذا الفرس ليس بجواد ولا كريم .
____________________

( ^ وكانوا يصرون على الحنث العظيم ( 46 ) وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون ( 47 ) أو آباؤنا الأولون ( 48 ) قل إن الأولين والآخرين ( 49 ) لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ( 50 ) ثم إنكم أيها الضالون المكذبون ( 51 ) لآكلون من شجر من زقوم ( 52 ) فمالئون منها البطون ( 53 ) فشاربون عليه من ) * * * * * * < < الواقعة : ( 45 ) إنهم كانوا قبل . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ إنهم كانوا قبل ذلك مترفين ) أي : منعمين ، والترفة : النعمة . وفي بعض الأخبار : أن عباد الله ليسوا بالمتنعمين . والمعنى : التوسع في الحرم وما لا يحل ؛ لأن التوسع في الحلال والتنعم منه جائز ، ولا يستحق عليه عقوبة . < < الواقعة : ( 46 ) وكانوا يصرون على . . . . . > >
وقوله : ( ^ وكانوا يصرون على الحنث العظيم ) قال مجاهد وقتادة : الشرك . ويقال : هو الإثم العظيم . ويقال للصبي إذا بلغ : قد بلغ الحنث أي : بلغ زمان الإثم . وعن علي رضي الله عنه قال : الحنث العظيم : اليمين الفاجرة . وعن الشعبي : هو اليمين الغموس .
وقوله تعالى : ( ^ يصرون ) أي : يقيمون عليه إلى أن ماتوا . < < الواقعة : ( 47 ) وكانوا يقولون أئذا . . . . . > >
وقوله : ( ^ وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون ) أي : بعث القيامة ، قالوا ذلك على طريق الإنكار . < < الواقعة : ( 48 ) أو آباؤنا الأولون > >
وقوله : ( ^ أو آباؤنا الأولون ) أي : أو يبعث آباؤنا الأولون بعد أن صاروا ترابا ورمما . < < الواقعة : ( 49 - 50 ) قل إن الأولين . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ) وهو يوم القيامة . < < الواقعة : ( 51 - 52 ) ثم إنكم أيها . . . . . > >
وقوله : ( ^ ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم ) والزقوم كل طعام يصعب على الإنسان أكله ويشق عليهم ، وقد بينا معناه من قبل . < < الواقعة : ( 53 ) فمالئون منها البطون > >
وقوله : ( ^ فمالئون منها البطون ) قال أهل اللغة : الشجر يؤنث ويذكر ، وذكره على بن عيسى .
____________________

( ^ الحميم ( 54 ) فشاربون شرب الهيم ( 55 ) هذا نزلهم يوم الدين ( 56 ) نحن خلقناكم فلولا تصدقون ( 57 ) أفرأيتم ما تمنون ( 58 ) أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ( 59 ) نحن قدرنا بينكم الموت ) * * * * * < < الواقعة : ( 54 ) فشاربون عليه من . . . . . > >
وقوله : ( ^ فشاربون عليه من الحميم ) قال ذلك لأن من أكل شيئا و [ وغص ] منه عطش وشرب . < < الواقعة : ( 55 ) فشاربون شرب الهيم > >
وقوله : ( ^ فشاربون شرب الهيم ) قال ابن عباس : الإبل العطاش . وعند أهل اللغة أن الهيم داء يصيب الإبل ، فتعطش ، ولا تروى أبدا حتى لا تزال تشرب فتهلك . ويقال : شرب الهيم : الرمل كلما يصب عليه الماء لم يظهر عليه ويشربه . < < الواقعة : ( 56 ) هذا نزلهم يوم . . . . . > >
وقوله : ( ^ هذا نزلهم يوم الدين ) أي : رزقهم وعطاؤهم . فإن قيل : النزل إنما يستعمل في الإكرام والإحسان ، والجواب : أنه لما جعل هذا في موضع النزل لأهل الجنة سماه نزلا ، وهو كما أنه سمى عقوبتهم ثوابا ، ووعيدهم بشارة ، والمعنى فيه ما بينا . < < الواقعة : ( 57 ) نحن خلقناكم فلولا . . . . . > >
وقوله : ( ^ نحن خلقناكم فلولا تصدقون ) أي : هلا تصدقون مع ظهور هذه الدلائل أي : صدقوا . < < الواقعة : ( 58 ) أفرأيتم ما تمنون > >
قوله تعالى : ( ^ أفرأيتم ما تمنون ) الإمناء : إلقاء المنى . < < الواقعة : ( 59 ) أأنتم تخلقونه أم . . . . . > >
وقوله : ( ^ أأنتم تخلقونه ) أي : تخلقون منه الإنسان .
وقوله : ( ^ أم نحن الخالقون ) أي : بل نحن الخالقون . قال الأزهري في هذه الآية : إن الله تعالى احتج عليهم بأبلغ دليل في البعث والإحياء بعد الموت في هذه الآية ، وذلك لأن المنى الذي يسقط من الإنسان ميت ، ثم يخلق الله منه شخصا حيا ، وقد كانوا مقرين أن الله خلقهم من النطف ، وكانوا منكرين للإحياء بعد الموت ، فألزمهم أنهم لما أقروا بخلق حي من نطفة ميتة يلزمهم أن يقروا بإعادة الحياة في ميت . ومعنى الآية : كما أقررتم بذلك فأقروا بهذا .==

8.   مجلد8.تفسير القرآن
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني/سنة الولادة 426هـ/ سنة الوفاة 489هـ


( ^ وما نحن بمسبوقين ( 60 ) على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ( 61 ) ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ( 62 ) أفرأيتم ما تحرثون ( 63 ) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ( 64 ) لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون ( 65 ) إنا ) * * * * * < < الواقعة : ( 60 ) نحن قدرنا بينكم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ نحن قدرنا بينكم الموت ) يعني : إنا نميتكم أي : لو كنا نعجز عن إحيائكم بعد الموت لعجزنا عن إماتتكم بإخراج أنفسكم .
وقوله تعالى : ( ^ وما نحن بمسبوقين ) أي : بمغلوبين . قال الفراء معناه : إذا أردنا أن نعيدكم لم يسبقنا سابق ، ولم يفتنا شيء . ويقال : لو أراد غيرنا أن يفعل مثل فعلنا لعجز عنه ، تقول العرب : ما أسبق في هذا الفعل أي : لا يفعل مثل فعلي أحد . < < الواقعة : ( 61 ) على أن نبدل . . . . . > >
وقوله : ( ^ على أن نبدل أمثالكم ) أي : لو شئنا أن نميتكم ونخلق أمثالكم لقدرنا عليه .
وقوله : ( ^ وننشئكم فيما لا تعلمون ) من الهيئة والصورة أي : لو شئنا فعلنا ذلك . ويقال : أن نجعلكم في صورة القردة والحنازير . ويقال : ننشئكم من مكان لا تعلمون أي : في عالم لا تعلمونه . < < الواقعة : ( 62 ) ولقد علمتم النشأة . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ ولقد علمتم النشأة الأولى ) أي : الخلق الأول ، استدل عليهم بالنشأة الأولى على النشأة الثانية .
وقوله تعالى ( ^ فلولا تذكرون ) أى : هلا تتعظون وتعتبرون . < < الواقعة : ( 63 - 64 ) أفرأيتم ما تحرثون > >
وقوله تعالى : ( ^ أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ) أي : تنبتونه . يقال للولد : زرعه الله أي : أنبته الله .
قوله : ( ^ أم نحن الزارعون ) أي : نحن المنبتون . < < الواقعة : ( 65 ) لو نشاء لجعلناه . . . . . > >
وقوله : ( ^ لو نشاء لجعلناه حطاما ) أي : يابسا يتفتت وينكسر لا شيء فيه .
وقوله : ( ^ فظلتم تفكهون ) أي : تتعجبون . ويقال : تندمون وتتحسرون .
____________________

( ^ لمغرمون ( 66 ) بل نحن محرومون ( 67 ) أفرأيتم الماء الذي تشربون ( 68 ) أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ( 69 ) لو نشاء جعلنا أجاجا ) * * * * * < < الواقعة : ( 66 ) إنا لمغرمون > >
وقوله : ( ^ إنا لمغرمون ) أي : معذبون . قاله مجاهد . وقال قتادة : ملقون بالشر ، وعن بعضهم : أنه من الغرام ، وهو الهلاك . وقيل : من الغرم ؛ لأنهم غرموا ولم يصيبوا شيئا . < < الواقعة : ( 67 ) بل نحن محرومون > >
وقوله : ( ^ بل نحن محرمون ) أي : حرمنا الجد ، ولم نصل إلى ما كنا نأمله ونرجوه . وعن تغلب : أن المغرم هو المولع ، يقال : فلان مغرم أي : مولع به ، فعلى هذا معنى قوله : ( ^ إنا لمغرمون ) أي : ولع بنا المصيبة والحرمان . ويقال : إنا لمغرمون أي : غرمنا كما غرمنا ولم نصب شيئا ، وقال الشاعر في الغرم بمعنى العذاب :
( ويوم النيار ويوم الجفا ** ركانا عذابا فكانا غراما ) < < الواقعة : ( 68 ) أفرأيتم الماء الذي . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أفرأيتم ) هذا مذكور للتنبيه على ما فيه من الدليل .
وقوله : ( ^ الماء الذي تشربون ) معلوم . < < الواقعة : ( 69 ) أأنتم أنزلتموه من . . . . . > >
وقوله : ( ^ أأنتم أنزلتموه من المزن ) أي : من السحاب . قال نفطويه : المزن هو السحاب الملآن من الماء ، قال جرير :
( كأنها مزنة غراء رائحة أو ** درة لا يواري لونها الصدف )
وقوله : ( ^ أم نحن المنزلون ) أي : نحن أنزلنا الماء من المزن ، ولم تنزلوه أنتم ، ينبههم بذلك على عظيم قدرته . < < الواقعة : ( 70 ) لو نشاء جعلناه . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ لو نشاء جعلناه أجاجا ) أي : مرا شديد المرارة . وقيل : ملحا شديد الملوحة . يقال : أج الماء تأج إذا ملح . والمعنى : أنا لو نشاء جعلناه أجاجا بحيث لا يمكن شربه ، ينبههم بذلك على الشكر . وفي بعض الأخبار : أن النبي كان إذا
____________________

( ^ فلولا تشكرون ( 70 ) أفرأيتم النار التي تورون ( 71 ) أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون ( 72 ) نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين ( 73 ) ) * * * * * شرب قال : ' الحمد الله الذي جعله عذبا فراتا ، ولم يجعله ملحا أجاجا ' . أو لفظ هذا معناه .
قوله : ( ^ فلولا تشكرون ) أي : فهلا تشكرون . < < الواقعة : ( 71 ) أفرأيتم النار التي . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أفرأيتم النار التي تورون ) أي : تقتدحون .
يقال : أورت الزند إذا استخرج النار منه . ويقال : زند وزندة للحجر الذي يقدح منه النار . < < الواقعة : ( 72 ) أأنتم أنشأتم شجرتها . . . . . > >
وقوله : ( ^ أأنتم أنشأتم شجرتها ) أي : خلقتم شجرتها .
وقوله : ( ^ أم نحن المنشئون ) يعني : أم نحن خلقنا الشجرة . وشجرة النار شجرة معروفة ، ويقولون : في كل شجر نار ، واستمجد [ المرخ والعفار ] . < < الواقعة : ( 73 ) نحن جعلناها تذكرة . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ نحن جعلناها تذكرة ) أي : جعلنا النار تذكرة من النار الكبرى ، وهي نار جهنم . وقد ثبت عن النبي أنه قال : ' إن ناركم هذه هي جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ' . وفي بعض الروايات : ' ضربت بالماء مرتين ' .
وقوله : ( ^ ومتاعا للمقوين ) أظهر الأقاويل فيه : أن المقوين المسافرين ، وهم الذين ينزلون في الأرض القفر الخالية . والقول الثاني : أنه لجميع الناس المقيمين والمسافرين . وعلى القول الأول خص المسافرين ؛ لأن منفعتهم بالنار أكثر ؛ لأجل الاصطلاء من
____________________

( ^ فسبح باسم ربك العظيم ( 74 ) فلا أقسم بمواقع النجوم ( 75 ) ) * * * * البرد ، والاستضاءة بالليل ، وفي إيقاد النار رد السباع ، ومنفعة الاستضاءة الاهتداء عند ضلال الطريق .
قال أبو عبيدة : ومتاعا للمقوين أي : منفعة لكل من ليس له ( زاد ) ولا مال .
ويقال : أقوى المكان إذا خلا عن الشيء . وأنكر القتيبي وغيره هذا القول ، وقالوا : منفعة الغني بالنار أكثر من منفعة الفقير ، والعرب تقول للفقير مقوى ، وللغني مقوى ؛ تقول للفقير مقوى ؛ لنفاد ما معه وخلوه عنه ، وللغني مقوى لقوته وقدرته على ما لا يقدر عليه الفقير ، فعلى هذا معنى الآية : أن النار منفعة لجميع الناس من الفقراء والأغنياء والمقيمين والمسافرين . < < الواقعة : ( 74 ) فسبح باسم ربك . . . . . > >
وقوله : ( ^ فسبح باسم ربك العظيم ) لما ذكر الله الدلائل على الكفار في هذه الآية المتقدمة ، ووجه الدليل فيها أنهم كانوا مقرين أن فاعل هذه الأشياء هو الله ، وأنهم عاجزون عنها ، وينكرون البعث والنشأة الآخرة ؛ فقال الله تعالى لهم : لما لم تنكروا قدرة الله تعالى على هذه الأشياء وما فيها من عجيب الصنع ، فكيف تنكرون قدرته على بعثكم وإحيائكم بعد موتكم ؟ فلما ألزمهم الدليل قال لنبيه عليه الصلاة والسلام : ( ^ فسبح باسم ربك العظيم ) كأنه أرشده إلى الاشتغال بتنزيه الرب وتسبيحه وتقديسه حين لزم الكفار الحجة ، وقد ثبت أن النبي قال : ' أفضل الكلام سبحان الله وبحمده ' . < < الواقعة : ( 75 ) فلا أقسم بمواقع . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فلا أقسم بمواقع النجوم ) أي : أقسم ، و ' لا ' صلة . وقيل : إن معنى ' لا ' أي : ليس الأمر كما قالوا من أن القرآن شعر وسحر وكهانة ، بل أقسم بمواقع النجوم . وعن ابن عباس : أن معنى مواقع النجوم أي : مساقط النجوم . ويقال : مساقطها ومطالعها أقسم بها لما علق بها من مصالح العباد . وعن ابن عباس في رواية أخرى وهو قول جماعة كثيرة من التابعين ( منهم ) : الحسن ، وقتادة ، وعكرمة ،
____________________

( ^ وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ( 76 ) إنه لقرآن كريم ( 77 ) في كتاب مكنون ( 78 ) لا ) * * * * * وغيرهم أن مواقع النجوم هاهنا نجوم القرآن ، ومعنى المواقع نزوله نجما نجما . وفي الخبر : أن الله تعالى أنزل القرآن جملة إلى السماء الدنيا ، ثم أنزل نجما نجما في ثلاث وعشرين سنة إلى النبي .
وفي الآية قول ثالث : وهو أن المراد من مواقع النجوم انتثارها وتساقطها يوم القيامة . < < الواقعة : ( 76 ) وإنه لقسم لو . . . . . > >
وقوله : ( ^ وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ) قال ذلك لان قسم الله عظيم ، وكل ما أقسم به . ويقال : إن تخصيصه هذا القسم بالعظم ؛ لأنه أقسم بالقرآن على القرآن ؛ قاله القفال الشاشي . < < الواقعة : ( 77 ) إنه لقرآن كريم > >
وقوله : ( ^ إنه لقرآن كريم ) هو موضع القسم ، وهو المقسم [ عليه ] .
وقوله : ( ^ كريم ) أي : كثير الخير والبركة . تقول العرب : هذه الناقة كريمة ، وهذه النخلة كريمة ، إذا كثرت فوائدها ومنافعها . < < الواقعة : ( 78 ) في كتاب مكنون > >
قوله : ( ^ في كتاب مكنون ) أي : مصون ، وقد فسر باللوح المحفوظ ، وفسر أيضا بكتاب في السماء عند الملائكة فيه القرآن . < < الواقعة : ( 79 ) لا يمسه إلا . . . . . > >
وقوله : ( ^ لا يمسه إلا المطهرون ) أكثر المفسرين على أن المراد به أنه لا يمس ذلك الكتاب إلا الملائكة المطهرون . قال قتادة : فأما المصحف يمسه كل أحد ، وإنما المراد ذلك الكتاب في السماء . والقول الثاني : أن المراد به المصحف ، وقوله : ( ^ لا يمسه إلا المطهرون ) خبر بمعنى النهي أي : لا تمسوه إلا على الطهارة . وقد ورد أن النبي كتب في كتاب عمرو بن حزم ' ولا يمس القرآن إلا طاهر ' . وعن علقمة والأسود
____________________

( ^ يمسه إلا المطهرون ( 79 ) تنزيل من رب العالمين ( 80 ) أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ( 81 ) وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ( 82 ) ) * * * * أنهما دخلا على سلمان ليقرأ عليه القرآن ، فجاء من الغائط ، فقالا له : توضأ لنقرأ عليك القرآن ، فقال : اقرآني ، لا أريد أن أمسه ، ثم قرأ : ( ^ لا يمسه إلا المطهرون ) . < < الواقعة : ( 80 ) تنزيل من رب . . . . . > >
وقوله : ( ^ تنزيل من رب العالمين ) أي : القرآن نزله رب العالمين . < < الواقعة : ( 81 ) أفبهذا الحديث أنتم . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ) أي : مكذبون تكذيب منافق . والمدهن والمداهن بمعنى واحد ، والمداهن هو ذو الوجهين ، وهو الذي يكون قلبه خلاف لسانه ، ولسانه خلاف قلبه . ويقال : المدهنون : هم الذين يدفعون الصدق والحق بأحسن وجه يقدر عليه ، ومنه قوله تعالى : ( ^ ودوا لو تدهن فيدهنون ) يعني : تكذب فيكذبون ، وترائي فيراءون . < < الواقعة : ( 82 ) وتجعلون رزقكم أنكم . . . . . > >
وقوله : ( ^ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) قرأ علي : ' وتجعلون شكركم أنكم تكذبون ' وهو معنى القراءة المعروفة يعني : تضعون التكذيب موضع الشكر ، ومنه قول الشاعر :
( تحية بينهم ضرب وجيع ** )
أي : يضعون الضرب الوجيع موضع التحية . ويقال معنى الآية : تجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، مثل قوله تعالى : ( ^ واشتعل الرأس شيبا ) أي : شعر الرأس .
وعن الحسن البصري : أن الرزق هاهنا بمعنى الهداية التي أعطاهم الله تعالى بالقرآن ، فكأن الله تعالى لما أنزل القرآن ، وبين لهم طريق الحق به فكذبوه وأنكروا ، سمي بذلك البيان رزقا ، وجعل تكذيبهم كفرانا لهذا الرزق . وروي عن الحسن البصري أنه قال : خسر قوم جعلوا حظهم من القرآن التكذيب . والقول الثالث وهو
____________________

( ^ فلولا إذا بلغت الحلقوم ( 83 ) وأنتم حينئذ تنظرون ( 84 ) ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ( 85 ) فلولا إن كنتم غير مدينين ( 86 ) ) * * * * * المعروف في الآية أن الرزق هاهنا هو المطر ، والتكذيب هو قولهم : مطرنا بنوء كذا . وقد ثبت برواية أبي هريرة أن النبي قال : ' ألا ترون إلى ما قال ربكم ؟ قال : ما أنعمت على عبادى نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين يقولون الكوكب وبالكوكب . . ' أورده مسلم في صحيحه . وفي خبر آخر برواية ( معاوية ) الليثي أن النبي قال : ' يصبح القوم مجدبين ، فيأتيهم الله برزق من عنده ، فيصبحوا مشركين يقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا ' . < < الواقعة : ( 83 ) فلولا إذا بلغت . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فلولا إذا بلغت الحلقوم ) أي : بلغت النفس الحلقوم . الآية في بيان عجزهم ، وذكر قدرته عليهم . < < الواقعة : ( 84 ) وأنتم حينئذ تنظرون > >
وقوله : ( ^ وأنتم حينئذ تنظرون ) الخطاب لأهل الميت . < < الواقعة : ( 85 ) ونحن أقرب إليه . . . . . > >
وقوله : ( ^ ونحن أقرب إليه منكم أى بالقدرة وقد قيل ملك الموت وأعوانه يعني : أنهم أقرب إلى الميت منكم .
وقوله : ( ^ ولكن لا تبصرون ) أي : لا ترون . < < الواقعة : ( 86 ) فلولا إن كنتم . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ فلولا إن كنتم ) أي : فهلا إن كنتم ، [ وقوله ] : ( ^ غير مدينين ) أي : غير مدبرين مملوكين مقهورين يعني : إن كنتم قادرين على ما شئتم ، ولم تكونوا في ملكنا وقهرنا [ فردوا ] روح الميت إلى مكانه ، وهو معنى قوله :
____________________

( ^ ترجعونها إن كنتم صادقين ( 87 ) فأما إن كان من المقربين ( 88 ) فروح وريحان ) * * * * * < < الواقعة : ( 87 ) ترجعونها إن كنتم . . . . . > > ( ^ ترجعونها إن كنتم صادقين ) ينبئهم بذلك على عجزهم . ويقال : غير مدينين أي : غير محاسبين ومجزيين .
والقول الأول هو الوجه في معنى الآية . < < الواقعة : ( 88 ) فأما إن كان . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ فأما إن كان من المقربين ) ذكر الله تعالى في هذه الآيات حال الأصناف الثلاثة عند الموت ، وهي الأصناف التي ذكرهم في أول السورة ، فقال تعالى : ( ^ فأما إن كان من المقربين ) أي : السابقين إلى الخيرات ، المبرزين في الطاعات . < < الواقعة : ( 89 ) فروح وريحان وجنة . . . . . > >
وقوله تعالى : ( ^ فروح ) قراءة عائشة رضي الله عنها : ' فروح ' واختاره يعقوب الحضرمي ، والأشهر : ' فروح ' بفتح الراء ، ومعناه : الرحمة . ويقال : [ الروح ] الاستراحة ، ومن قرأ بضم الراء فهو بمعنى الحياة الدائمة التي لا فناء بعدها . وفي الخبر : ' أنه إذا وضع المؤمن في قبره ، وأجاب بجواب الحق يقال له : نم نومة العروس لا هم ولا بؤس ' وفي خبر آخر ' يفتح له باب إلى الجنة ويقال له هذا موضعك ' .
وقوله تعالى : ( ^ وريحان ) أي : رزق ، وهو الرزق الذي يدر عليه من الجنة في القبر . وقد بينا من قبل الريحان بمعنى الرزق في شعر العرب :
( سلام الإله وريحانه ** ورحمته وسماء درر )
وقال الحسن البصري : هو الريحان الذي يشم . قال أبو الجوزاء : يؤتى بضبائر من ريحان الجنة فتجعل روحه فيها .
وقوله : ( ^ وجنة نعيم ) هي الجنة الموعودة . قال أهل التفسير : الروح والريحان في القبر ، وجنة نعيم يوم القيامة . ويقال : الروح عند الموت ، والريحان في القبر ، وجنة نعيم في القيامة عند البعث . وقد ثبت أن النبي قال : ' من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ، وقيل : يا رسول الله ، لكنا نكره الموت قال :
____________________

( ^ وجنة النعيم ( 89 ) وأما إن كان من أصحاب اليمين ( 90 ) فسلام لك من أصحاب اليمين ( 91 ) وأما إن كان من المكذبين الضالين ( 92 ) فنزل من حميم ( 93 ) وتصلية جحيم ( 94 ) إن هذا لهو حق اليقين ( 95 ) فسبح اسم ربك العظيم ( 96 ) ) * * * * * لا ، إن المؤمن إذا بشر برحمة من الله أحب لقاء الله ، فأحب الله لقاءه ، وإن الكافر إذا بشر بالنار كره لقاء الله وكره الله لقاءه ' وقرأ هذه الآية . < < الواقعة : ( 90 ) وأما إن كان . . . . . > >
قوله تعالى : ( ^ وأما إن كان من أصحاب اليمين ) قد بينا أصحاب اليمين . < < الواقعة : ( 91 ) فسلام لك من . . . . . > >
وقوله : ( ^ فسلام لك من أصحاب اليمين ) أي : تسلم الملائكة عليهم . وقيل : يسلم الله عليهم ، فيقول : سلام عليك . ولك بمعنى عليك .
وقوله تعالى : ( ^ من أصحاب اليمين ) أي : لأنك من أصحاب اليمين . وهذا قول كثير من المفسرين . وقال بعضهم : الخطاب للنبي ومعناه : أبشر بال